للذكريات وجهان لا يفترقان .. وجهٌ يبتسم فتبتسم معه .. ووجهٌ يوجعك لأنك تعلم أنه لن يعود .
الغريب أن الذكرى الحزينة لا تُتعبنا وحدها .. بل حتى الذكرى الجميلة تحمل نصيبها من الشقاء .. فالحزن يؤلمك لأنك عشته .. والجمال يؤلمك لأنك فقدته .. لذلك نقف أحيانًا أمام لحظة قديمة كانت يومًا مصدر فرح .. فإذا بها اليوم تترك في القلب غصةً خفية .. لا لأن اللحظة كانت سيئة .. بل لأنها كانت جميلة إلى الحد الذي يجعل غيابها مؤلمًا .
الذكريات لا تعيد ما مضى .. لكنها تعيد الشعور كما كان .. تعيد ضحكةً حسبنا أنها ابتعدت .. وصوتًا ظننا أننا نسيناه .. وأشخاصًا أخذتهم الطرق بعيدًا عنا وبقوا مقيمين في زوايا الروح .
ولهذا تُشقيك الذكريات بكل الأحوال .. إن كانت موجعة أيقظت جراحك .. وإن كانت جميلة أيقظت حنينك .. وبين الوجع والحنين يقف القلب حائرًا .. لا يريد أن ينسى .. ولا يحتمل أن يتذكر كثيرًا .
لكن جمال الذكريات لا يكمن في بقائها معنا فحسب .. بل في أنها كانت يومًا جزءًا من حياتنا .. بعض النعم لا تستمر .. لكنها تترك في أرواحنا أثرًا يكفي ليضيء سنوات طويلة .. وبعض الأشخاص يرحلون .. لكن وجودهم يظل حاضرًا فينا أكثر من حضور كثيرين بقوا .
لذلك لا تُخاصم ذكرياتك مهما أوجعتك .. احتفظ بها كما تُحفظ الرسائل القديمة .. لا لتعيش فيها .. بل لتتذكر أن قلبك مرّ من هنا .. وأحب من هنا .. وكبر من هنا .
فالذكريات .. وإن كانت تُشقيك أحيانًا .. إلا أنها الدليل الصامت على أنك عشت حقًا .
أثر لاينسى
جدة
السبت ٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧
١٣ يونيو ٢٠٢٦

