شفاهٌ منفوخة  .. وأسئلةٌ أعمق

screenshot ٢٠٢٦١٠٢٨ ٢١٤١١٦ gallery


ليست كلُّ رغبة في تغيير الملامح رغبةً في الجمال  ..
فبعضها محاولةٌ خفيّة لترميم شيء لا تراه المرآة  .
قرأْتُ مقال الأستاذ أحمد حسن مشرف عن ظاهرة نفخ الشفاه  ..
فاستوقفني السؤال الذي يقف خلف تفاصيله  :
هل نغيّر أشكالنا لأننا نحبها  ..
أم لأننا لم نعد نعرف كيف نحبها كما هي  ؟
أكتب هذا وأنا أستحضر ما أراه في مجال العلاج النفسي  ..
وما تتيحه اللقاءات من الاقتراب من الإنسان حين يخلع عن نفسه الصورة التي اعتاد أن يُظهرها للآخرين  .
فخلف بعض الرغبات التي تبدو بسيطة  ..
قد تختبئ حكايات طويلة من المقارنة  .. والرفض  .. والشعور بالنقص  .. والخوف من ألا نكون جديرين بالحب  .
ولا يعني هذا أن كل من اختارت إجراءً تجميليًا تعاني مشكلة نفسية  ..
أو أنها لا تحب نفسها  .
فالناس مختلفون  .. ودوافعهم ليست واحدة  .
لكن ما يستحق التأمل هو اللحظة التي يتوقف فيها التجميل عن كونه اختيارًا عابرًا  ..
ويصبح مشروعًا لا ينتهي  ..
كلما تغيّر موضعٌ في الوجه  .. ظهر موضع آخر يحتاج إلى تعديل  ..
وكلما اقترب الإنسان من الصورة التي يريدها  ..
ابتعدت عنه الطمأنينة التي كان يرجوها  .
هنا لا تعود المسألة في الشفاه  ..
ولا في الأنف  .. ولا في تفاصيل الوجه  .
المسألة في ذلك الوعد الذي نعلّقه على المظهر  :
حين أصل إلى هذه الصورة  ..
سأكون أجمل في أعينهم  .. وأكثر قبولًا  .. وأقرب إلى الحب  .
لكن من قال إننا إذا غيّرنا ملامحنا تغيّرت نظرة الناس إلينا بالضرورة  ؟
ومن قال إن الإعجاب الذي نكسبه بصورة جديدة سيملأ الفراغ الذي نحمله في داخلنا  ؟
قد يمنح التغيير صاحبه شعورًا بالرضا  .. وقد لا يفعل  .
وقد يكون وراءه قرار شخصي لا يتجاوز الرغبة في التجديد  ..
لكن الخطر يبدأ حين تصبح قيمة الإنسان معلّقة بتفصيل صغير في وجهه  ..
وحين يغدو رضاه عن نفسه مرهونًا بنظرة الآخرين  .
عندها لا تعود المرآة أداة نرى فيها وجوهنا  ..
بل تتحول إلى محكمة نقف أمامها كل يوم  ..
نبحث فيها عن عيب جديد  .
وأشدّ ما يؤلمني في هذه الحكاية أن الإنسان قد ينشغل طويلًا بإصلاح صورته  ..
بينما يترك علاقته بنفسه على حالها  .
يتعلّم كيف يخفي ما لا يعجبه في ملامحه  ..
لكنه لا يتعلّم كيف يتعامل مع شعوره بالرفض  .
يغيّر ما يراه الناس  ..
ولا يلتفت إلى ما يراه هو في نفسه حين يغيبون  .
وهذا ما يجعل بعض الأسئلة أعمق من سؤال  :
هل الشفاه الممتلئة أجمل  ؟
فالأذواق تختلف  .. ومعايير الجمال تتبدل  ..
وما يُحتفى به اليوم قد يصبح مألوفًا غدًا  .
أما السؤال الأهم فهو  :
لماذا أصبحنا نحتاج إلى أن نبدو على هيئة معينة حتى نشعر بأن لنا مكانًا بين الناس  ؟
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي سوقًا واسعة للصورة  ..
نرى فيها الوجوه ذاتها تتكرر  .. والملامح تتقارب  ..
حتى ليخيّل إلينا أن الجمال له قالب واحد  ..
وأن الخروج عنه نقص ينبغي تداركه  .
ومع كثرة المشاهدة  ..
قد تتحول الصورة من شيء نراه إلى معيار نقيس به أنفسنا  ..
ثم من معيار إلى مطلب  .. ثم من مطلب إلى عبء لا نشعر بثقله إلا بعد أن نستسلم له  .
وفي خضم هذا كله  ..
يجدر بنا ألا نغفل عن أن الجسد ليس مادةً نتصرف فيها بلا حدود  ..
ولا ينبغي أن يكون أسيرًا لكل موجة عابرة من موجات الجمال  .
وقد أخبرنا القرآن الكريم أن الشيطان توعّد بإضلال بني آدم  ..
ومن ذلك قوله  :
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾  .
وهي آية تدعونا إلى التأمل في معنى تغيير خلق الله  ..
وحدود ما يجوز للإنسان أن يفعله بنفسه  .
وليس المقصود أن نُسقط الآية على كل إجراء تجميلي  ..
أو أن نحكم على الناس من مظاهرهم  ..
فالتجميل له صور وأحوال مختلفة  .. ولها أحكامها التي يُرجع فيها إلى أهل العلم والاختصاص  .
ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس أن نراقب وجوه النساء  ..
ولا أن نسخر من خياراتهن  ..
بل أن نوسّع مساحة السؤال  .. ونمنح الإنسان فرصة ليفهم دوافعه قبل أن يندفع وراءها  .
فبدل أن نسأل امرأةً  :
لماذا فعلتِ ذلك بوجهك  ؟
يمكننا أن نسأل أنفسنا جميعًا  :
ما الذي جعل الصورة التي نبدو عليها أثقل أحيانًا من حقيقتنا  ؟
إن القبول الذي نبحث عنه لا يأتي دائمًا من المكان الذي نظن  .
قد يأتي من علاقة آمنة  .. أو كلمة صادقة  .. أو عمل نتقنه  ..
أو إنسان يرى فينا ما لا تستطيع المرآة أن تراه  .
وقد يبدأ من لحظة يتوقف فيها المرء عن معاقبة نفسه لأنه لا يشبه أحدًا  .
لسنا مطالبين بأن نحب كل تفصيل في ملامحنا  ..
ولا بأن نتوقف عن العناية بأنفسنا  ..
لكننا بحاجة إلى أن نعرف الفرق بين تحسين المظهر والهروب من الذات  .

فالأول قد يكون اختيارًا  ..
أما الثاني فقد يتحول إلى رحلة مرهقة لا تنتهي  ..
لأننا نحاول أن نصلح في الخارج شعورًا لم نفهمه في الداخل  .
وربما كانت البداية الحقيقية حين ننظر إلى المرآة دون أن نطلب منها أن تمنحنا قيمة  ..
وحين ندرك أن الوجه  .. مهما تغيّر  .. لا يستطيع وحده أن يجيب عن سؤال الإنسان الأقدم  :
هل أنا جدير بأن أُحَب  ؟
فبعض ما نبحث عنه في ملامحنا لا يوجد فيها أصلًا  .

gemini generated image pdeugrpdeugrpdeu

أثر لاينسى
جدة
الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
١٧ جمادى الأولى ١٤٤٨

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *