اسعد الله صباحكم بكل خير
من المواقف التي ذكرتها في كتابي ( حكاياتي مع التدريب) موقف الدكتور التائه
وهو موقف يحمل الكثير من العبر والدروس التي يمكن أن يستفيد منها من قرر خوض عالم التدريب
أخبرني المركز التدريبي ان مدرسة تتبع لشركة بترول كبيرة في إحدى الدول العربية ترغب في ان اقوم بتقديم برنامج تدريبي لمعلميها
تجربة جديدة لمدرب لايتهيب التجارب والمواقف كما يعتقد هو في نفسه او هكذا خيل اليه انه أصبح جاهزا وقادرا على تقديم نفسه كمدرب على أعلى المستويات.
كنت كعادتي في استقبال المتدربين وقد ظهر لي من الوهلة الأولى أنني وفقت كثيرا بهذا البرنامج بعد أن قمت بعملية مسح سريعة لطريقتهم في السلام وتوددهم وملابسهم الفخمة واناقتهم الكبيرة وتبادلهم للاحاديث الخاطفة التي تسبق البرنامج عادة فقد كانوا يسألون بعضهم عن الدول التي قاموا بالتدريس فيها.
بدأت عملية التعارف الفخمة والتي استعرض فيها المعلمون خبراتهم المتنوعة في عالم التدريس فكان منهم من قام بالتدريس في المملكة بل ذكر أحدهم انه قام بالتدريس لعدد كبير من الأمراء في احد المعاهد في الرياض وكان يثني على الجدية والالتزام والحزم والاحترام الكبير الذي يبديه الطلاب في المعهد لمعلميهم ويصف تلك الفترة بأنها أجمل أيام حياته
انتهت فترة التعارف وتأكدت لي أنني في اختبار حقيقي اولا في ثقتي بنفسي وكيف لي أن أنجح في تقديم ما لدي أمام فريق قوي يحمل الكثير من حصاد السنين من الخبرات النوعية التي ظهر بعضا من في عملية التعارف والأحاديث الجانبية.. تأكد لي كلام من همس في اذني ان هؤلاء المعلمين هم من أعلى الأجور في العالم وان اختيارهم يتم بشكل دقيق
عرفتهم بنفسي وتخصصي وبدأت برنامجي مستعينا بالله وحده وكنت على يقين ان مكاسبي من هذا البرنامج ستكون كبيرة مع هذا الحضور الفخم من المتدربين
كان يرافقني في كل برامجي شاب لطيف جدا يعمل مديرا للتسويق في المركز الذي اعمل معه وهو الذي عادة يزودني بطبيعة المتدربين والمتدربات وطبيعة التعليم في اي مكان نذهب اليه وكان قريبا جدا لنفسي بسبب روحه الجميلة وجديته في العمل وأشياء كثيرة تجبر كل من رافقه على محبته
من أجمل صفات مرافقي ( عبدالرحمن) هدوئه الشديد ومعالجته الجيدة للمواقف العارضة.. مما لفت نظري اهتمام عبدالرحمن الكبير بهذه الشركة ومعلمي المدرسة فيها وكما فهمت منه انها مكسب كبير جدا للمركز الذي يعمل فيه
بدأ البرنامج وكان تفاعل الحضور كبيرا وخاصة ذوي الخبرة الكبيرة لكن لفت نظري ان احد المعلمين يظهر منك بعض السلوكيات الغريبة هي أقرب إلى التشويش الذكي الذي لا يستطيع ملاحظته سوى المدرب المقابل له
كان حريصا على الحديث الهامس مع من بجانبه عن اليمين والشمال ولاحظت أيضا أنهما لم يكونا مرتاحين لحديثه ويحاولان التركيز معي
لكن الأكثر إثارة انه لم يكن ينظر الي بل كان يتعمد النظر إلى الجدار من الجهة الأخرى وكانه يقول انا غير مهتم بالبرنامج ولا يمثل لي اي قيمة
منحته عشر دقائق فتأكد لي انه قد قرر التشويش والعبث فكان علي ان اتخذ قرارا بشأنه ولم يكن أمامي وقتها سوى قرار واحد وهو ( المربع المظغوط) وهو ان انصرف بكليتي للبرنامج وأتركه وحركاته العبثية وانشغل ببقية المتدربين الذين كانوا معي في قمة تفاعلهم
المربع المضغوط استراتيجية اقوم باستخدامها في مثل هذه المواقف وهي تقوم على فلسفة ان سبب فشلنا في حل المشكلات يعود إلى اننا احيانا نقوم بتضخيم المشكلة التي تواجهنا حتى تمنعنا من رؤية اي شيء اخر فتمتص طاقتنا وتشتت تركيزنا وترفع مستوى التوتر لدينا لكن لو قمنا بضغط وتصغير المشكلة إلى أقصى حد ممكن فإنها ستكون صغيرة جدا لاترى
كنت بين خيارين الأول أن انشغل ببرنامجي ومن معي من المتدربين وتفاعلهم الكبير أو أذهب للخيار الثاني وهو الانشغال بهذا المتدرب ومحاولة إثبات ذاته البائسة وحركاته الطفولية فقررت ان انساه ولا أهتم به وأنشغل بما جئت لأجله.
انتهت الفترة الأولى للبرنامج واذا بصاحبي عبدالرحمن في أعلى درجات انزعاجه خلاف طبيعة الهدوء التي تلازمه كل الوقت.. قال لي دكتور هل انتهت لهذا المتدرب وحركاته الاستفزازية فقلت اي متدرب فقال الذي يجلس في المجموعة التي على يسارك فقلت تعال نتناول شيئا من الشاي ولا تنشغل به فهذه أمور عادية جدا في عالم التدريب.. قلت له هل يؤثر سلوكه على سير البرنامج فقال لا فقلت له تصدق أنني سعيد بهذا المتدرب يكفي انه اخرجك من هدوئك لأول مرة اراك منفعلا.. تعال نتناول شيئا من البوفيه المفتوح ودع الأمر لي
واصل المتدرب ممارساته بنفس الطريقة بحيث لا يستطيع أحد ملاحظته سواي وغاب عنه ان عبدالرحمن يغلي منه ومن حركاته
انتهى اليوم الأول وكان من مهام عبدالرحمن توصيلي الى الفندق وفي السيارة وجدت شخصا مختلفا تماما فقد كان غاضبا لأجلي كما يقول فقلت له هذا وانت خارج عملية التدريب فكيف لو كنت مكاني!! قلت ستكون الأمور كما تحب اريد منك غدا ان تأتيني للفندق مبكرا اريد ان اكون في القاعة قبل ساعة من بداية البرنامج هل تذكر عندما دخلت معك للقاعة اليوم من وجدنا فقال نعم هذا المتدرب قلت صحيح يبدو أنه يأتي مبكرا لذا انتظرك غدا ان تمرني مبكرا
وفعلا وصلنا للقاعة مبكرا وكما توقعت كان المتدرب قد سبقنا للقاعة وهو يعطينا ظهره لتناول بعض الأطعمة قمت بالسلام وقبل ان يجيب وضعت يدي على كتفه وقلت كيف حالك يادكتور؟ وجدت انه قد ارتبك فلم يكن يتصور أنني أقتحم المسافة التي بيني وبينه والتي أردت منها إظهار قدرتي على المواجهة التوكيدية ثم قلت يادكتور لدي شعور انك لم تكن أمس انت انت بل كنت شخصا اخر لا ينتمي إليك شخص انت ترفصه من الداخل لكن لا أعلم كيف استطاع السيطرة عليك فقال لي استاذ هل يسمح وقتك للجلوس معي فقلت بشرط أن تساعدني في اختيار المأكولات الأكثر لذة في هذا البوفيه فتبسم ابتسامة قلقة
نسيت ان اقول لكم انه شخص يحمل الدكتوراه كما ذكر ذلك في فقرة التعارف الاولي كما أن يتمتع يحمل جسما سمينا اخفى بعض ملامحه الجميلة اما شعره فكان شديد السواد يضع عليها مادة تجعله يلمع طوال الوقت
جلست معه في جانب منزو من القاعة وعيون عبدالرحمن ترقبنا وكله فضول حول مايدور بيني وبينه قال لي يادكتور انا شخص محبط بكل ماتعنيه الكلمة من معنى فأنا لا قيمة لي في هذا البلد هل تعلم انني احمل شهادتين دكتوراه ذكرت الأولى في التعارف اما الثانية فهي في عسر القراءة يادكتور انا في أسوأ حالاتي ارجوك ساعدني
قلت هل تسمح لي بسؤالك فقال تفضل قلت كم مدرب قبلي مارست معهم الأسلوب الذي مارسته بالأمس فقال كثير فقلت هل أجدى نفعا فقال للأسف لا فقلت لماذا لا تحاول أن تثبت نفسك بطريقة إيجابية فقال وهل سيفيد فقلت انت جربت إثبات السلبي فلم ينفع كما قلت لذا لن تخسر شيئا ثم قال دكتور هل تستطيع مساعدتي؟ قلت نعم عندما تقرر مساعدة نفسك اليوم لديك الفرصة لتقدم ذاتك الجميلة وتنزع عن نفسك ذلك القناع الذي يجهدك قبل أن يجهد الآخرين اريد منك ان تكون فارس هذا اليوم فقال ابشر
قال اريد ان ادرب معك فقلت ابشر فقط اثبت نفسك وفعلا كان سيد اليوم الثاني الأوحد بل اكتشفت انه القائد الخفي للفريق فقد قام باحضار ورقة كتب فيها طلبا ان اكون المدرب الحصري للشركة والعجيب ان الجميع تسابق للتوقيع ولا أعلم هل ذلك خوفا منه او اعجابا بي كمدرب
اما عبدالرحمن فقد دهش عندما حال الدكتور التائه في يوم البرنامج الثاني وعندما خرجنا من القاعة قال لي دكتور ماذا فعلت بالرجل؟ فقلت استخدمت معه بعض الأعمال السحرية ألم تشاهد الطحين الذي رششته على راسه انا لست مدربا فقط بل ساحر محترف فقام يضحك وقال ارجوك أخبرني فقلت له الحكاية كلها أنني واجهت شخصا مبدعا لم يجد التقدير الذي افترضه على الناس فاستبدل الإبداع بالتخريب وكل مافعلته معه أنني أعدته لفطرته وطلبت منه أن يعيد النظر في ممارساته وفعلا فعل… ما أصعب الحياة عندما يفقد الإنسان نفسه ويعجز عن حل مشكلاته..
وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني
انتهت هنا الحكاية كما رواها الدكتور مسفربن ناصر القحطاني لكن بعض القصص لا تنتهي عند آخر سطر فيها .. بل تبدأ بعده .. فخلف هذا الموقف أسئلة أعمق من التدريب .. ومعانٍ أبعد من القاعة .. ودروس تتعلق بالنفس البشرية والتربية والقيادة وصناعة الإنسان ..
ولمن أراد أن يتأمل ما وراء الحكاية .. وأن يقرأ الموقف قراءةً أوسع تتجاوز الحدث إلى دلالاته ومعانيه .. فليتابع القراءة في التحليل الآتي ..
أثر لاينسى
جدة
السبت ٥ محرم ١٤٤٨
٢٠ يونيو ٢٠٢٦

