السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
في لحظة عابرة من الزمن .. لا تتجاوز ثمانٍ وأربعين ساعة .. وُلد في قلبي يقين جديد ..
يقين بأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالحضور .. ولا بعدد المقاعد الممتلئة .. بل بما يُلامس الأرواح ويبقى فيها ..
كنت أقف أمام مجموعة من المتدربين .. أقدّم دورة حضوريًا .. وبينهم آخرون يشاركون عن بُعد عبر الشاشات .. لم يكن الأمر لافتًا في بدايته .. مجرد تجربة تجمع بين حضورٍ تقليدي وامتدادٍ رقمي فرضه واقع ما بعد جائحة كورونا ..
وفي منتصف اللقاء .. طُلب مني أن أرفع صوت الميكروفون ..
فخلف تلك الشاشات .. كان هناك من يُنصت .. من ينتظر .. من يتفاعل بصمت ..
خمسة وأربعون روحًا ..
يجلسون بعيدًا .. لكنهم قريبون من الفكرة .. من الكلمة .. من الأثر ..
انتهى اللقاء .. ومضى كلٌ في طريقه ..
لكن القصة لم تنتهِ ..
في صباح اليوم التالي .. وصلتني أوراق ..
ليست أوراقًا عادية .. بل قلوبٌ كُتبت بالحبر ..
تفريغٌ كامل للدورة ..
بخطوط مختلفة .. على دفاتر وكشكولات .. على تقاويم .. بل حتى على قطعة كرتون بسيطة .. لكنها كانت تحمل معنى عظيمًا ..
جلست بعد الفجر .. أتصفحها ورقةً ورقة ..
لم أكن أقرأ كلمات .. بل كنت أشهد أثرًا ..
هناك .. أدركت أن بعض العطاء لا يُرى لحظته ..
وأن بعض البذور تُزرع في الخفاء .. لكنها تُثمر بصدق ..
كم من كلمة قلناها وظننا أنها مرت عابرة ..
لكنها وجدت طريقها إلى قلبٍ كان ينتظرها ..
وكم من عملٍ بسيط .. لو نظرنا إليه بعين الاستهانة لفقدنا بركته ..
وهو في حقيقته عند الله عظيم ..
إنها رسالة لكل مدرب ومدربة ..
لا تستخفوا بما تقدمونه ..
ولا تقيسوا أثر رسالتكم بحجم القاعة ..
فرب شاشة صغيرة .. تحمل أثرًا أكبر من منصة كاملة ..
امنحوا علمكم بإخلاص ..
وتحدثوا بصدق ..
واتركوا الأثر لله .. فهو الذي يبلّغه حيث يشاء ..
فما يُكتب بصدق .. لا يُنسى ..
وما يُعطى لله .. يبقى ..
أسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه ..
وأن يبارك في كل كلمةٍ تُقال .. وكل علمٍ يُنشر .. وكل قلبٍ يتأثر .
أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ١١ ذو القعدة ١٤٤٧
٢٨ أبريل ٢٠٢٦

