اتصل بي ضابط كبير في رتبته تجمعني به قرابة النسب يشتكي من معلم يمارس حركات غير مقبوله مع ابنه ومع بقية الطلاب
فهمت منه أن هذه الحركات لا تصل إلى حد التحرش ولكن هذا المعلم لا يحترم المسافة التي يجب أن تكون بينه وبين الطلاب
أخذت منه اسم المدرسة وعندما طلبت اسم المعلم أعطاني فقط اسمه الأول وكان متميزا مما لم يدفعني لسؤاله عن اسم اسرته
قبل أن يغلق المكالمة قال لي ارجو ان تتم معالجة بسرعة حتى لا اضطر إلى تصعيد الموضوع.
استفزني كلامه فقلت هذا الكلام لاتقله لي بل قله لمدير التعليم.. انا تعاطفت معك لكني الان لن اقبل التحرك في الموضوع الا من خلال القناة الرسمية
طلبت منه أن يقدم خطابا لمدير التعليم وهو سيحيل الموضوع إلي ثم يتم وضع موضوعك ضمن المعاملات التي سيتم ترتيبها حسب اولويتها
أدرك انه قد أخطأ فقام يعتذر ويكرر اعتذاره … قلت له انا بادرت بالاهتمام بموضوعك مع انك تتواصل معي خارج وقت العمل وطلبت منك المعلومات لكوني قد قررت الذهاب غدا لزيارة المدرسة فلا تلوح لي بمفردات لن تخدمك ولن تخدم الموضوع الذي كلمتني من اجله
ذهبت إلى المدرسة وفي ذهني اسم المعلم الأول والذي كان اسما مميزا
شعر بخطئه فقلت له اترك الموضوع عندي فالموضوع أصبح موضوعي قبل أن يكون لك فانا مؤتمن على كل صغير في هذه المحافظة.
قابلت المدير وكنت اعرفه من قبل شخص في قمة الأخلاق والتدين والرقي لكنه مصنف لدي من الشخصيات القلقة الذي تقلقه اي مشكلة تعصف بالمدرسة أو حتى اقل من ذلك.
شعرت بقلقه من زيارتي خاصة انه يعرف أنني لست المشرف الفني للمدرسة
كان دفتر الدوام على طاولته فاستاذنته في التوقيع في الدفتر بوصفي زائرا للمدرسة ومنها استطيع معرفة اسم المعلم الكامل.
وكانت الصدمة الحقيقية فقد وجدت اسمه بين الأسماء لكن الفاجعة هي انه احد زملائي في الكلية وبيننا احترام كبير
يالصعوبة الموقف وزاد الموقف صعوبة ان هذا المعلم كان في منصب قيادي ثم تم اعفاءه بسبب مشكلاته الكثيرة وتم تحويله معلما.
لم يعد هناك مجال للتراجع فلا يمكن أن أعود قبل أن أنجز مهمتي الصعبة
سألت المدير عن المعلم فقرأت الكثير في عينيه فقال لي انه عندما تم نقله إلى مدرسته فوجئت ان لديه أكثر من ملف وكلها مشكلات وتحقيقات ولفت نظر وووو
قال جلست معه واكدت له أنني لن التفت للماضي وساتعامل معك كمعلم جديد
قلت له طيب كيف وضعه الان؟ فقال هو أروع معلم لدي بل أصبح مستشاري الخاص خاصة انه يحمل خبرة في العمل الإداري
شعرت ان الموضوع أصبح أكثر صعوبة بالنسبة لي فقلت للمدير انا جئت لأجل موضوع يخص المعلم فقال هل اطلبه ليأتي فقلت ليس الآن
شعرت أن المدير لا يرغب في معرفة اي شيء عن الموضوع وانه يريد أن يكون بعيدا عن أي شيء
فعلا موعد مع المجهول كيف ستكون ردة فعله اي معلم لو حدثته عن الموضوع الحساس
: انا حقيقة لا استغرب منه أي ردة فعل عنيفة لكني لن أتراجع عن الموضوع ولا يمكن أن أعود وانا لم أنجز مهمتي لكن ليكن مايكن
قلت للمدير استاذنك في الجلوس مع المعلم لكن كن قريبا من المكان لكوني لا أعلم إلى أين سيتجه الموضوع فإذا سمعت أصواتنا قد ارتفعت وتعالت فتعال لتفرق بيننا
شعر المدير ان الموضوع كبير ومع ذلك لم تكن لديه اي رغبة في معرفة الموضوع ولعله خشي ان اهدم تلك العلاقة التي بناها مع المعلم في الفترة السابقة
قلت في نفسي بعد أن خرج المدير لمناداته يارب انه قد نسيني خاصة بعد هذه السنوات الطويلة لكن توالت علي الصدمات فبمجرد ان دخل غرفة المدير فإذا به يرحب بي وبشكل أصابني بالشلل المؤقت مرحبا ابا ناصر مرحبا مليار ابا ناصر ترحيبا يفوق الوصف جعل مهمتي في أعلى مستوى من الصعوبة
بادلته التحية والترحيب ثم قال آمرني قلت له انا اولا سعيد برؤيتك بعد كل هذه السنوات
اما الأمر الذي جئت من أجله فيبدو ان هناك لبسا في الموضوع فاتوقع ان المقصود معلم اخر
نعم لجأت إلى الحيلة وهي ان يطلب مني الموضوع بإصرار منه وفعلا نفعت معه الحيلة فقال ارجوك أخبرني عن الموضوع فقلت له لالالا الموضوع مخجل ولا يليق ان اذكره فقال اريد معرفته فقلت بما انك مصر فالموضوع شكوى من احد أولياء الأمور أن أحد المعلمين يتساهل في المسافة بينه وبين ولده
ساد صمت طويل لا أعلم ماذا ستكون ردة فعله ثم قال لي هؤلاء الاباء مافيهم خير وفيهم سوء ظن والله يا استاذ ان هؤلاء الطلاب مثل ابنائي حتى يصل القرب النفسي بيني وبينهم انهم احيانا يعبثون بلحيتي
كان يتكلم بمرارة منزعجا من الموقف لكن الانكسار كان ظاهرا عليه فقلت له ياعزيزي ليس كل الاباء يعرفونك وانت في مجتمع ليس شبيها بمجتمعك لذلك من حقهم ان يرتابوا من اي سلوك
كان الواجب ان تجعل بينك وبين الطلاب مسافات رسمية تمنع عنك القيل والقال فقال هل يمكن أن أعرف صاحب الشكوى فقلت لا ليس من أخلاقيات المهنة ان افتح بينك وبينه نارا مستعرة الذي يهمني الان انك تفهمت موقفي مع أنني أدرك صعوبة الموقف علي اولا قبل أن يكون علبك
انتهى الاجتماع معه وودعني بطريقة لاتقل مستوى عن ترحيبه حال قدومه وطلبت منه أن يستدعي المدير لتوديعه
الأجمل في الموضوع ان المدير لم يسألني عن الموضوع لا في بدايته ولا في نهايته وكانه يرى ان السلامة وعين السلامة ألا يسأل وألا يدري وألا يعلم.
تواصلت مع الضابط وأخبرته ان هناك سوء فهم وان المعلم من اهل الخير والفضل لكنه يتعامل مع طلابه كأبنائه الصغار وانني نبهته على فكرة المسافات
شكرني وقال الحمد لله ان الموضوع سلوك عفوي لم يدرك المعلم خطورة ابعاده على المدى البعيد
وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

ما أكثر اللحظات التي يقدِّر الله لنا فيها أن نقف على أعتاب المجهول؛ فلا نملك يقينًا يطمئننا، ولا خريطةً ترشدنا، ولا ضماناتٍ تكشف لنا ما ينتظرنا خلف الأبواب المغلقة. ومع ذلك نمضي، لا لأن الطريق واضح، بل لأننا نؤمن أن تدبير الله خيرٌ من تدبيرنا، وأن رحمته أوسع من مخاوفنا، وأن ما يختاره لنا أعظم بركةً مما قد نختاره لأنفسنا.
هذا الموقف ليس مجرد حكايةٍ تُروى، بل نافذةٌ نطل منها على سنن الله في الحياة، وكيف يكشف المجهول معادن الرجال، ويختبر الصبر، ويصقل الإيمان، ويعلِّم الإنسان أن كثيرًا من أعظم المنح قد تأتي متخفيةً في ثوب المحن، وأن الحكمة قد لا تتجلى إلا بعد انقضاء التجربة.
فأدعوك إلى أن تقرأ هذا التحليل والتأمل بعين الباحث عن الحكمة، وقلب المتدبر، وعقلٍ يفتش عما وراء الأحداث؛ ففي كل موقف رسالة، وفي كل تجربة درس، وفي كل منعطفٍ من منعطفات الحياة لطفٌ خفيٌّ لا يدركه إلا من أحسن الظن بربه، وأيقن أن الله لا يقدِّر لعباده المؤمنين إلا ما فيه الخير، وإن خفيت حكمته في أول الطريق .
أثر لاينسى
جدة
١٤٤٧

