●الانسحاب التوكيدي 🛑

screenshot ٢٠٢٦٠٧١٠ ٢٣٠٦٣٩ gallery

احيانا أجد ان الحل يكمن في الإنسحاب التوكيدي وليس الانسحاب الهروبي

في هذا الموقف وجدت ان الحل يكمن في الإنسحاب التوكيدي وليس في تصعيد الموقف

في احد الايام كنت في زيارة مدرسة مسائية وبعد الانتهاء من الزيارة ودعت مديرة المدرسة وحال خروجي من المدرسة وجدت شخصا يدخن بشراهة أمام باب المدرسة

عادتي عندما أشاهد أحدا يدخن عند باب المدرسة ان اتجه اليه واقوم بنصحه خاصة عندما تكون المدرسة من المرحلة الابتدائية

والعادة أيضا أن تكون استجابة من يدخنون ايجابية بعد نصحهم  وبيان خطورة فعل ذلك الشيء أمام مدرسة للصغار ومدى تاثير ذلك عليهم

ابادلهم الإيجابية بالشكر لهم على تفهمهم والدعاء لهم ان يعافيهم الله منه

لكن صاحبي هذا لم يكن كما تعودت بل كانت ردة فعله مغايرة

في البداية سالته بعد السلام عليه هل انت ولي أمر ام معلم فقال بل معلم

قلت له جزما لا يخفاك خطأ ما تقوم به خاصة انك أمام المدرسة تماما

قال لي هذا أمر لا يخصك وانا اشرب الدخان من مالي وليس من مالك

كان يتكلم بعصبية ويظهر التوتر على كل ذرة في جسده

قلت له مادام هذا ردك فانا مضطر للحديث مع مدير المدرسة بشأنك فقال افعل ماتريد

رجعت للمدرسة وكان المدير مستغربا من رجعتي فقلت له احتاج الحديث معك عن موقف عارض

مدير المدرسة شخصية إيجابية وكان يعمل قبلها موجها طلابيا متميزا ولديه معرفة جيدة بجوانب تعديل السلوك

حدثته عن الموقف فانزعج وقال جزما هو فلان الفلاني قلت لا أعرفه حقيقة

قال ان كان فلان فمن المهم ان أخبرك بشيء عنه وهو ان لديه بنت في السادسة عشرة من عمرها معاقة إعاقة شديدة

وهو متوتر طوال الوقت لكن اريد ان اتأكد هل هو ام غيره

خرج من المكان وعاد بعد دقائق ثم قال نعم يادكتور هو فشلنا الله يهديه

قام يحكي لي قصته من ابنته المعاقة… كنت صامتا كل الوقت استمع له وانا في حالة نفسية صعبة فقد كنت استعرض معاناته مع ابنته وكاني أراه حال دخوله المستشفيات وخروجه منها

التفت الي المدير فقال ماذا تريد أن نفعل معه فقلت لا شيء

قال لكن طريقته في الكلام معك وردوده غير المقبولة تستحق التوقف فقلت لالالا يكفيه ماهو فيه من الهم

لكن هناك نقطة مهمة وهي أنني لن اترك الموقف ينتهي عند هذا الحد حتى لا يفعل ذلك مع اخرين من مشرقين أو إدارة مدرسة أو حتى أولياء امور

طلبت منه استدعاءه فجاء ومازال الغضب يعلو ملامحه

شرحت الموقف للمدير فقال المدير له تعرف يا استاذ ان التدخين ممنوع أمام المدرسة فرد برد جاف على مديره يطلب منه أن يزوده بتعميم يتناول هذا الجانب

انفعل المدير من طريقة المعلم في الكلام فأشرت للمدير ان يهدأ

توليت دفة الحوار وبينت له ان الرجوع عن الخطأ من شيم الكرام وكان يغرق في صمت طويل

توقعت ان كلامي قد فعل فيه فعل السحر خاصة أنني قد بذلت معه كل أساليب الإقناع المحلية والخليجية والعالمية

قال لي استاذ ممكن ان اقول شيئا انا لن ادخن فقط بل ساتناول الحشيش في المدرسة اختصارا للكلام

صعق المدير برده وتحفز للرد القاسي عليه فقلت للمدير انا اكفيك

قلت له اعتقد اني منحتك الكثير لكن حان الوقت لتسمع ما يزعجك

انت لا تدرك انك تجاوزت الحدود الوظيفة وستندم عدد شعر راسك على هذا الكلام الذي معناه ان السكوت عنك خيانة مني لوظيفتي بل للوطن

اقسم بالله ان تندم على هذا الكلام الذي يدل على انك شخص مستهتر وانك مثلك خطر على نفسه وعلى زملائه وعلى الطلاب

قام يصارخ مرددا انكم انتم من استفزني

قلت للمدير جهز محضرا وسجل فيه كامل الموقف وخاصة كلامه انه سيتعاطى الحشيش في المدرسة فقال المدير ابشر

قام المعلم وخرج من المكان غاضبا يتمتم بكلمات غير مفهومة

خرج خلفه المدير وغاب عن المكان دقائق ثم قال دكتور ماذا نكتب في المحضر فقلت لا شيء ولا حرف

قلت له ألم اقل لك بعد أن أخبرتني عن ابنته ان الموضوع انتهى

نعم كان واجبا علي ان اجلس معه وأناقشه واكون حازما معه حتى يعرف أنني عندما اترك الموضوع فإنما أتركه عن قوة وليس عن ضعف

قلت للمدير لن اجمع عليه معاناته مع ابنته المعاقة وبين قضية أخرى لا أشك ان يخرج منها سالما لا وظيفيا ولا أمنيا

كنت أرى في عيون المدير مساحات كبيرة من الشكر لتركي للموقف اشعرتني ان المدير نفسه هو اشفق مني على المعلم

ما أروع مدير المدرسة عندما يكون مشفقا على معلميه وطلابه حتى وان تظاهر بالحزم والشدة

قابلت المدير بعد سنوات في مسجد من المساجد فكان سلامه يفيض بالحب والتقدير والامتنان وكانه هو صاحب المشكلة وليس ذاك المعلم

اذكر أنني عندما خرجت من المدرسة بعد الموقف شعرت بمشاعر مختلطة بين حزن وشفقة وأشياء لا استطيع تفسيرها

وسلامتكم

✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

ليس كل انسحابٍ هزيمة، كما أن ليست كل مواجهةٍ شجاعة. ففي بعض المواقف، تبلغ القوة ذروتها حين يملك الإنسان القدرة على الحسم، ثم يختار الرحمة، ويستطيع العقاب، ثم يؤثر العفو. في هذه القراءة لن نتأمل حادثةً عابرة، بل سنغوص في فلسفة “الانسحاب التوكيدي”؛ ذلك الانسحاب الذي لا يولد من الخوف، بل من الوعي، ولا يصنعه الضعف، بل تمليه الحكمة، ولا يترك الحق، بل يثبت القدرة على أخذه ثم يتسامى عنه لمصلحةٍ أعظم. فلنقرأ هذا الموقف بعينٍ تستكشف ما وراء الأحداث، وبقلبٍ يزن العدل بالرحمة، والحزم بالإنسانية، لعلنا نكتشف أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا في كسب المعركة، بل في معرفة متى وكيف ننهيها.

أثر لاينسى .. جدة .. ١٤٤٧

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *