● حين يصبح الإنسانُ عائقَ نفسِهِ🪞🚧

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٥ ٠٢٥٩٣٧ gallery


القصةُ التي جعلت بروفيسورًا يقولُ لتلميذِهِ : أنتَ أستاذي
هناك لحظاتٌ في الحياة لا تُقاس بما وقع فيها ..
بل بما كشفته ..
ولحظاتٌ أخرى لا تغيّر مسار شخصٍ واحد ..
بل تعيد تعريف فكرةٍ كاملة ..
وهذه واحدةٌ منها ..
هي ليست قصةً عن برنامجٍ تدريبي ..
وليست عن أستاذٍ جامعي ..
وليست عن مشرفاتٍ تربويات ..
إنها قصةٌ عن ذلك الحجاب الخفي الذي قد يصنعه الإنسان بيديه بينه وبين الناس .. ثم يظن أن الناس هم المشكلة ..
كان الرجل قامةً علمية ..
أستاذًا بدرجة بروفيسور ..
باحثًا مرموقًا ..
واحدًا من أكثر أساتذة الدكتوراه قربًا إلى طلابه ..
وكان الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني أحد أولئك الطلاب الذين وجدوا فيه علمًا ..
وخلقًا ..
ورقيًا ..
حتى نشأت بينهما علاقة مودةٍ واحترام امتدت خارج أسوار الجامعة ..
ولم تكن تلك العلاقة وليدة المصادفة .. فقد كان الدكتور مسفر يدرس الدكتوراه في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ..
ضمن دفعة ضمّت ثمانية عشر طالبًا ..
حتى اختاره زملاؤه متحدثًا رسميًا باسم الدفعة لما عرفوه فيه من حسن العلاقة مع الأساتذة ..
وقدرته على تمثيلهم  ..
ولم يكن ذلك لأن الجميع سواء عنده  ..
بل لأن بعض الأساتذة الكبار  ..
وفي مقدمتهم هذا البروفيسور   ..
وجدوا فيه طالبًا يجمع بين الأدب  .. والجدية ..
والخلق   .
في أحد الأيام اتصل البروفيسور بتلميذه ..
لم يكن الاتصال للاستفسار عن بحث ..
ولا عن رسالةٍ علمية .
قال له بكل صراحة :
أريد أن أدخل عالم التدريب التجاري .
كان يقدم برامج داخل الجامعة ..
لكنه شعر أن أثرها محدود ..
وأن مردودها لا يوازي الجهد المبذول فيها .

ولعل في اعترافه هذا رسالةٌ لكل مدربٍ ومدربةٍ أنهكتهم الحقائب التدريبية ..
وقياس الأثر  ..
والنماذج  ..
والتجهيزات  ..
حتى ظنوا أن المشكلة في الميدان نفسه ..
فإذا كان بروفيسورٌ بلغ أعلى الدرجات العلمية يصف المردود بأنه «هزيل وضعيف» ..
فالمشكلة ليست في التعب وحده  ..
بل في الطريقة التي يُقدَّم بها التدريب  ..
ولهذا لم تكن نصيحة الدكتور مسفر أن يترك التدريب  ..
بل أن يصبح مدربًا ممتعًا  ..
لأن المدرب الممتع لا يبيع ساعاتٍ تدريبية.
بل يصنع قيمة  ..
تجعل الناس يبحثون عنه عامًا بعد عام
  .

وهنا يبدأ الفرق بين من يتعب ثم ينسحب ..
ومن يتعب ثم يكتشف الطريق
  .
أما التدريب الاحترافي فكان يراه عالمًا آخر   ..
وكان يعلم أن الدكتور مسفر يمارس التدريب منذ سنوات  ..
وكان يسأله عنه بين حين وآخر  .. 
ويتابع أخباره باهتمام  ..
وكان قد تابع برامج الدكتور مسفر في مناطق متعددة من المملكة ..
فأدرك أن أمامه تجربةً تستحق أن تُسأل  .
فسأله :
” هل التدريب مجزٍ ؟ “
لم يجامله الدكتور مسفر  .
ولم يقل له : نعم .. لأنك بروفيسور   ..
بل قال جملةً تختصر سنواتٍ طويلةً من الخبرة :
” نعم  .. بشرط أن تكون مدربًا ممتعًا  .”
ثم أضاف له ما لا يقوله كثيرون  :
إن النجاح في تقديم برنامجٍ واحد ليس هو النجاح الحقيقي  .
أما أن تعيش في ميدان التدريب عشر سنوات ..
أو عشرين ..
أو ثلاثين عامًا ..
فذلك يحتاج إلى شيءٍ آخر  .
يحتاج إلى فهم الإنسان   ..

فالنجاح الحقيقي ليس أن تُبهر الناس مرةً واحدة ..
بل أن تبقى قادرًا على التأثير عامًا بعد عام .. وأن يحافظ المدرب على حضوره بعد أن تخفت ضوضاء البداية ..
فبرنامجٌ ناجح قد يصنع اسمًا ..
أما الاستمرار في صناعة الأثر فهو الذي يصنع المسيرة
  .
وكان الدكتور مسفر يتحدث من واقع تجربة طويلة ..
فقد كان يومها مديرًا لمرحلة ابتدائية يقود فريقًا يتجاوز خمسة آلاف بين معلمين ومديرين ومشرفين تربويين  ..
ولذلك كان يدرك الفرق بين إدارة الناس .. وتدريب الناس  ..
وتعليم الناس   .
طمأنه البروفيسور  ..
وقال بثقة :
” لا تقلق  .”
لكن الدكتور مسفر كان يسمع خلف العبارة شيئًا آخر  .
كان يسمع ثقة العالم بخبرته الأكاديمية  ..
أما هو .. فكان يرى أن التدريب لا يعترف بالشهادات وحدها  ..
ولم يكن يريد أن يهدم ثقته  .
كان يريد فقط أن يلفت انتباهه إلى أمرٍ صغير   ..
قد يصنع كل الفرق   ..

ولم يكن الدكتور مسفر يحاول أن يقلل من قيمة أستاذه ..
ولا من مكانته العلمية ..
بل كان يريد أن يلفت نظره إلى حقيقةٍ يغفل عنها كثير من الأكاديميين ..
فنجاح الأستاذ في قاعة الجامعة لا يعني بالضرورة نجاحه في قاعة التدريب ..
لأن الجامعة تمنح الأستاذ سلطةً علمية ..
أما التدريب فلا يمنح المدرب إلا سلطة التأثير ..
وبين السلطتين مسافةٌ لا يقطعها اللقب ..
بل يقطعها فهم الإنسان
  ..
مرت الأيام   ..وجاء اول اختبار حقيقي .. فقد كان أول برنامجٍ تدريبي تجاري له في المدينة المنورة ..
موجَّهًا إلى المشرفات التربويات ..

وهناك جاء الاتصال المنتظر   ..
لكن بصوتٍ مختلف    .
كان البروفيسور غاضبًا   .
منفعلًا   .
يشكو من المشرفات التربويات اللاتي بدأ معهن أول برنامجٍ تدريبي تجاري  .
قال :
إنهن يعترضن كثيرًا  .
ويجادلن   .
ولا يحترمن المدرب  .
وكل واحدةٍ تريد أن تثبت نفسها  .
وكان ينتظر من الدكتور مسفر أن يؤيده  .
أن يقول :
” معك حق  .”
لكنه لم يفعل .
بل سأله بهدوء :
” أتسمح لي أن أصارحك ؟ “
ثم قال الجملة التي كانت مفتاح القصة كلها :
” كان ينبغي أن تنسى أنك بروفيسور قبل أن تدخل قاعة التدريب  .”
قد تبدو الجملة بسيطة  ..
لكنها في الحقيقة تفرّق بين عالمين   ..
في قاعة الدكتوراه  ..
يجلس طلاب يعلمون أن من أمامهم يملك سلطة التقييم  .
قد يختلفون في داخلهم  .
لكن كثيرًا منهم يحرص على ألا يصطدم بأستاذه  .
أما في قاعة التدريب  ..
فلا أحد ينتظر درجة  .
ولا أحد يبحث عن رضا المدرب  .
بل يدخل كل متدرب وهو يحمل خبراته  .. وتجربته ..
ورغبته في أن يُسمَع صوته  .
هنا لا تكفي المعرفة  ..
ولا يكفي اللقب   ..
ولا تكفي المكانة   ..
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي   .
قال له الدكتور مسفر :
طلاب الدراسات العليا شيء ..
والمشرفات التربويات شيءٌ آخر   .
هؤلاء لسن طالباتٍ صغيرات  .
إنهن خبيرات  ..
ولكل واحدةٍ منهن سنواتٌ من الممارسة  .
وليس همّ الواحدة أن تنال رضاك  .
بل أن تثبت خبرتها أمام زميلاتها  .
إذا عاملتهن كطالبات  ..
فسيدافعن عن أنفسهن  .

فالكريم يأبى أن يُهان ..
وصاحبة الخبرة لا تقبل أن تُعامل وكأنها جاءت لتتلقى ما لا تعرفه ..
وكلما شعر الإنسان أن مكانته مصونة ..
كان أقرب إلى أن يفتح قلبه قبل عقله
  .

لأن همّ طالب الدكتوراه غالبًا أن يرضي أستاذه  ..
أما المشرفة التربوية فليس بينك وبينها سلطة تقييم  ..
ولذلك فهي لا تبحث عن رضاك  ..
بل عن أن تُسمِع خبرتها ..
وتثبت نفسها أمام زميلاتها
.
أما إذا عاملتهن كشريكاتٍ في المعرفة ..
فسيفتحن لك قلوبهن .
قال البروفيسور متسائلًا :
” طيب .. وماذا أفعل ؟ “
لم يكن السؤال سؤالًا عن كتاب  ..
بل عن عقلية جديدة  ..
فقد أدرك لأول مرة أن المشكلة لم تكن في المشرفات  ..
بل في الطريقة التي دخل بها إليهن  ..
وهنا لم يقدم الدكتور مسفر وصفةً جاهزة .
ولم يحاول أن يفرض رأيه   ..
لأنه يؤمن بفكرةٍ أعمق من مجرد حل موقفٍ عابر   ..
كان يؤمن بأن الإنسان لا يكبر بعقله وحده ..
بل بما يسمح لذلك العقل أن يتعلمه   ..

ولهذا قال فيما بعد عبارةً تستحق أن تُكتب على جدار كل مدرب ..
وكل قائد ..
وكل باحث :
” عندما لا يسعفك عقلك .. ابحث عن عقول المبدعين .”
ما أعمقها ..
إنها ليست دعوةً إلى الاتكالية ..
بل دعوةٌ إلى التحرر من وهم الاكتفاء بالنفس  .
فالعقول العظيمة لا تكبر لأنها تعرف كل شيء ..
بل لأنها تعرف متى تتعلم ..
وممّن تتعلم  .
ولذلك لم يكن كثيرٌ من الناجحين عظماء لأن عقولهم كانت أكبر من غيرهم ..
بل لأنهم كانوا أكثر تواضعًا في الاستفادة من عقول الآخرين .
أما من يصر على أن يكون عقله وحده هو المرجع ..
فغالبًا ما يهزمه عقله نفسه .

فكثيرٌ من الناجحين لم يبلغوا ما بلغوه لأن عقولهم كانت أكبر من غيرهم ..
بل لأنهم أحسنوا الاتكاء – بعد توفيق الله – على عقولٍ أخرى  ..
فاختصروا الطريق  ..
وتجنبوا أخطاءً كان يمكن أن يدفعوا ثمنها من أعمارهم
.

ولذلك لم يكن الدكتور مسفر يكتفي بالدعوة إلى التعلم من المبدعين ..
بل كان يدعو إلى ملاحظتهم وتحليل تجاربهم ..
كيف نجحوا ؟
وكيف حافظوا على نجاحهم ؟
وما الأخطاء التي تجنبوها ؟
وما العادات التي صنعت أثرهم ؟
فليس المقصود أن نعجب بالمتميزين من بعيد، بل أن نحوّل نجاحهم إلى دروسٍ عملية نراجع بها أنفسنا ونصحح بها مسيرتنا 
.
ثم قال له :
” تذهب إلى مكتبة جرير .. وتشتري مجموعةً من كتب تطوير الذات  “

واجعلها هدايا للمشاركات  . .
ثم لم يكتفِ بذلك  ..
بل قدم له وصفةً عملية  ..
لاتنظيرًا ..
شجّع    ..
وامدح  ..
واطلب منهن أن يشاركن  ..
وقل لهن منذ البداية :
” أنا جئت لأستفيد من خبراتكن كما جئت لأقدم خبرتي  .”

ثم أوصاه بأمرٍ آخر لا يقل أهمية ..
ليس كل ما في الحقيبة التدريبية يهم المتدربين ..
فليست قيمة المدرب في كثرة ما يقول ..
بل في مقدار ما يبقى في النفوس بعد أن يغادر القاعة
هذه الجملة وحدها ..
نزعت الحواجز قبل أن تبدأ  ..
وفي اليوم التالي  ..
عاد البروفيسور إلى القاعة  .
لكن الرجل الذي دخل  ..
لم يكن هو نفسه الذي خرج بالأمس   ..
دخل هذه المرة بلا عباءة التفوق  ..
دخل مستمعًا  .
مقدرًا   ..
محتفيًا بالمشاركات
   ..

يمنح الكتب  .
ويشكر الآراء  .
ويطلب المزيد  .
وفي نهاية اليوم  ..
اتصل بالدكتور مسفر  .
لكن صوته هذه المرة كان مختلفًا تمامًا  .
قال :
” اسمح لي أن أقول لك  .. إنك ساحر  .”
وقال : “لقد فعلت كل ما طلبته مني .”
ثم أضاف بدهشة صادقة :
” اكتشفت أن المشرفات راقيات جدًا .. ومتفاعلات .. ومحترمات .”
ابتسم الدكتور مسفر   ..
وقال له :
” المشرفات هن المشرفات .. لكن الذي تغيّر هو أنت .”
ثم أردف موضحًا:
“أنت دخلت عليهن في اليوم الأول أستاذ جامعة يتعامل مع طالبات دراسات عليا ..
أما اليوم فقد دخلت إليهن مدربًا يحترم خبرات مشرفات تربويات. فلما احترمتهن  .. احترمنك  . “
كم مرة في حياتنا نصف الناس بصفات ليست فيهم  ؟
متعجرف   ..
عنيد    ..
صعب   ..
لا يحترم   ..
ثم نكتشف بعد سنوات  ..
أننا لم نكن نصفهم  ..
بل نصف الطريقة التي تعاملنا بها معهم  ..
فالإنسان مرآة ..
وكثيرًا ما يعكس ما نرسله إليه   ..
لم تكن المشكلة في علم البروفيسور   ..
علمه لم ينقص   ..
وشهادته لم تتغير   ..
ومنصبه بقي كما هو   ..
لكن الذي تغير   ..
هو زاوية الوقوف   .
انتقل من منصة الأستاذ   ..
إلى مساحة الإنسان   . .
وهناك فقط  ..
بدأ التأثير الحقيقي  . .
قبل أن يغلق الهاتف  ..
قال البروفيسور جملة لا تُنسى :
” أنا أستاذك في الدكتوراه .. وأنت أستاذي في التدريب  .”
ابتسم الدكتور مسفر  ..
وكأن كلمات أستاذه لم تُشعل فيه نشوة الانتصار   ..
بل أيقظت فيه خلق الوفاء  .
قال في هدوء الواثق  ..
وأدب التلميذ الذي لم تغادره هيبة معلمه :
” يا دكتور  .. تبقى أستاذنا القريب إلى نفوسنا جميعًا  .. فضلًا  .. وخلقًا  .. ورقيًا .”
وهنا ..
لم يعد الحوار مجرد مجاملة متبادلة  ..
لقد ارتقى إلى شيءٍ أسمى من ذلك   ..
كان البروفيسور قد خلع عباءة اللقب  ..
واعترف بفضل تلميذه في ميدانٍ لم يخض غماره من قبل   ..
لكن التلميذ  ..
في المقابل   ..
رفض أن ينزع عن أستاذه عباءة الفضل  .
لم يسمح لتلك اللحظة أن تتحول إلى انتصار شخصي  ..
ولا تعامل معها على أنها شهادة يعلّقها على صدره  ..
بل أعاد الأمور إلى نصابها  ..
وكأنه يقرر قانونًا لا يشيخ  :
قد يتبادل أهلُ التخصصات الأدوار  ..
لكن الفضل لا يسقط بالتخصص  ..
فقد يبقى الرجل أستاذك في العلم ..
وتكون أنت أستاذه في تجربةٍ من تجارب الحياة .
ولا ينتقص ذلك من أحدكما  ..
بل يرفعكما معًا .
وهنا تكمن عظمة الكبار  ..
فكثيرون إذا سمعوا مثل هذا الاعتراف  ..
انتفخت نفوسهم  ..
وظنوا أن لحظة التفوق قد حانت  .
أما هو ..
فلم يرَ في كلمات أستاذه فرصةً ليعلو عليه  ..
بل فرصةً ليحفظ له مكانته  .
وهكذا تحولت عبارة قصيرة إلى درسٍ خالد في أخلاق العلم   .
فالعلماء الحقيقيون لا يتنافسون على من يقف في الأعلى   ..
بل يتسابقون على أن يبقى الفضل محفوظًا لأهله   .
وربما كان أجمل ما في القصة كلِّها ..
أن الدكتور مسفر لم ينظر إلى البروفيسور بوصفه منافسًا دخل الميدان نفسه  ..
بل رآه إنسانًا يستحق أن تُفتح له الأبواب .
لم يُخفِ عنه أسرار التدريب   .
ولم يقل في نفسه :
إذا نجح ..
ضاق رزقي   ..
لأنه كان يؤمن بفكرة أكبر من المنافسة كلها ..
أن الأرزاق لا يوزعها المدربون  ..
ولا يحتكرها الناجحون  ..
بل يقسمها الله .
ولذلك كان يردد في حديثه أن كثيرًا من الناس يعيشون بعقلية الندرة  ..
يخافون أن ينجح غيرهم  ..
ويظنون أن تفوق الآخرين ينتقص من نصيبهم  .
أما أصحاب الرسالة  ..
فيعيشون بعقلية الوفرة   ..
يعلمون   ..
ويشاركون   ..
ويصنعون الناجحين   ..
لأنهم على يقين أن الأرزاق بيد الله سبحانه وتعالى  ..
وأن رزقهم لن يأخذه أحد  ..
ولم يكن في ذلك انتقاص من قدره  ..
بل كان إعلانًا عن عظمة أخرى   ..
عظمة الإنسان الذي لا تمنعه مكانته من أن يتعلم  .

فالذي يتوقف عن التعلم  ..
يتوقف عن النمو  .
مهما علت درجته العلمية  .
ومن هنا تتجاوز القصة حدود التدريب  ..
فكم مديرًا أفسدته كلمتا :
” أنا المدير  “
وكم أبًا خسر أبناءه لأنه ظن أن العمر وحده يمنحه الحق في ألا يسمع   ..
وكم قائدًا أسقطته رتبته  ..
وكم خبيرًا أصبحت شهادته بينه وبين الناس جدارًا لا جسرًا ..
لم يكن البروفيسور عائقًا لنجاحه لأن علمه ناقص   ..
ولم يكن ينقصه لقب   ..
ولا خبرة   ..
ولا مكانة   ..
كان ينقصه شيء واحد فقط  ..
أن يخلع لقبه عند باب القاعة   ..
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي أراد الدكتور مسفر أن يورثها لكل مدرب يأتي بعده  :
ليس أخطر ما يواجه المدرب أن يجهل المادة  ..
بل أن يدخل القاعة وهو أسير صورته عن نفسه  .
فقد تصبح الشهادة التي رفعتك  ..
أول ما يحجبك عن الناس  ..
وقد يصبح المنصب الذي منحك الهيبة  ..
أول ما يمنعك من الوصول إلى القلوب  ..
كان الدكتور مسفر يقول في تعليقه :
” أصعب شيء أن يكون الإنسان هو من يعرقل نفسه  .”
وصدق    ..
فليست العوائق دائمًا خارجنا  .
أحيانًا يكون أكبر عائق أمام نجاح الإنسان  ..
قناعة صغيرة تسكن رأسه   ..
قناعة تقول :
أنا أعلم  ..
أنا أكبر    ..
أنا أسبق    ..
أنا لا أحتاج أن أتعلم   ..

وهذه القناعات لا تقف عند حدود التفكير  ..
بل تمتد إلى السلوك  .
فهي تدفع صاحبها  ..
من حيث يشعر أو لا يشعر  ..
إلى التراخي  ..
وإلى تبرير الإخفاق  ..
والاحتماء بأعذارٍ يصدّقها  ..
حتى يظن أن المشكلة في الظروف  ..
لا فيه  .
فيتراجع حماسه  ..
ويخبو سعيه  ..
ويستسلم لحيلٍ دفاعيةٍ يختلقها العقل  .. ليحمي صورته أمام نفسه  ..
بينما يكون  في الحقيقة  ..
قد أصبح أكبر عائقٍ   ..
يعترض طريق نجاحه
   .
وهنا تبدأ الهزيمة  ..
قبل أن تبدأ المنافسة   ..
العلم الحقيقي لا يصنعه اللقب   ..
ولا تصنعه الشهادة   ..

بل يصنعه التواضع الذي يجعل صاحبه مستعدًا لأن يتعلم من أي إنسان   ..
فالأنهار لا تجري فوق القمم  ..
بل تنحدر نحو المنخفضات   ..
وكذلك الحكمة ..
لا تستقر إلا في قلب متواضع   ..
ولهذا لم يكن أجمل ما في القصة أن البروفيسور نجح في برنامجه   ..
ولا أن المشرفات تفاعلن معه   ..
ولا أن القاعة امتلأت بالحيوية  ..
بل أجمل ما فيها  ..
أن رجلًا بلغ أعلى الدرجات العلمية ..
ظل يملك الشجاعة ليقول :
” كنت بحاجة أن أتعلم  .”
وهذه
   ..

ليست فضيلة المدربين وحدهم  ..
بل فضيلة العظماء جميعًا  .

فالناس لا يخلّدون من عرف كل شيء  ..
بل من بقي قادرًا على التعلّم حتى آخر الطريق
  .

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l


ولأن الأمانة العلمية تقتضي أن يبقى للأصل مكانُه ..  وإنصافًا لصاحب القصة .. ولأن لكل كلمةٍ روحًا لا ينقلها أحد كما ينقلها صاحبها  ..  فقد أرفقتُ الرابط الذي يضم النص الأصلي للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. حفظه الله .. كما كتبه ونشره بقلمه .. لمن أراد أن يقرأ القصة بصوت صاحبها  .. ويتأمل تفاصيلها من منبعها الأول  .. فما بين يديك هنا ليس إلا قراءةً وتأملًا في تجربةٍ ملهمة  .. أما الأصل فله نبرته  .. وروحه  .. وسياقه الذي يستحق أن يُقرأ كما خرج من صاحبه .


أثر لاينسى
جدة
الاحد ٢٠ محرم ١٤٤٨
٥ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *