كيف ؟
السؤال الذي كشف لنا أننا لا نعرف ماذا ينقصنا ..
ليست كل الدروس تبدأ من قاعة تدريب ..
بعضها يبدأ من صورة ..
صورةُ رجلٍ يجلس في صالة انتظار أحد المطارات ..
مرتديًا هدوءه المعتاد قبل أن يحمل حقيبته ..
متجهًا إلى رحلةٍ تدريبية في الأردن .
وقد تبدو الصورة عاديةً لكل من يراها .. لكنها كانت بداية درسٍ لم يكن أحد يتوقعه .
فهناك معلمون يمنحونك الإجابة ..
وهناك مربون يمنحونك السؤال الذي يغيّر حياتك ..
وقد يبدو الفرق بينهما صغيرًا ..
لكنه في الحقيقة هو الفرق بين من يملأ ذاكرتك بالمعلومات ..
ومن يوقظ في داخلك طريقةً جديدةً للتفكير ..
ولهذا لم يكن أكثر ما شدّني هذه المرة برنامجًا تدريبيًا ..
ولا عنوانًا لافتًا ..
ولا حتى الرحلة التي بدأ بها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني سفره إلى الأردن ..
وهو يخبر أعضاء مجموعة «مدربون ومدربات مبدعات» بأنه متجه إلى بلاد النشامى لإنجاز عددٍ من المهام التدريبية ..
واصفًا أحد برامجه بأنه «من الوزن الثقيل» ..
بل مضيفًا أنه من أهم البرامج على الإطلاق ..
سواء لمن يرغب في دخول عالم التدريب ..
أو لمن يبحث عن النجاح في حياته بصورة عامة ..
كانت تلك الصورة لرجلٍ ينتظر في المطار قبل رحلته ..
لكنها لم تكن عابرة في نفوس من اعتادوا أن يتعلموا منه ..
فتتابعت الدعوات الصادقة من أعضاء المجموعة أن يحفظه الله في حله وترحاله ..
وأن يكتب له السلامة والتوفيق ..
ووعدهم بأنه سيطلعهم – إن تيسر – على شيءٍ من تفاصيل الرحلة ..
وكان المشهد كله يوحي بأن الحديث سيتوقف عند حدود السفر ..
أو البرنامج التدريبي ..
أو أخبار الأردن ..
لكن الدكتور مسفر اعتاد أن يحوّل أكثر اللحظات عاديةً إلى درس ..
وأكثر المواقف بساطةً إلى بابٍ يفتح التفكير ..
وفي مساء اليوم التالي ..
بعدما هدأت الحياة ..
وعاد كلٌّ إلى هدوئه ..
أطلّ على المجموعة ..
لا بصورةٍ جديدة ..
ولا بخبرٍ عن الرحلة ..
ولا بتفاصيل البرنامج ..
بل بكلمة واحدة ..
«سؤال » ..
بدا في ظاهره بسيطًا ..
حتى إن كثيرين ظنوا أن الإجابة عنه لا تحتاج إلا دقائق ..
«ما الذي ينقصك لتكون مدربًا كبيرًا؟»
ثم أضاف ..
«أو مدربة كبيرة.»
ساد الصمت ..
ولم يكن صمتًا سببه صعوبة السؤال فحسب ..
بل لأن كل واحدٍ شعر ..
لأول مرة ..
أن السؤال موجَّه إليه شخصيًا ..
لا إلى معلوماته ..
ولا إلى شهاداته ..
ولا إلى عدد البرامج التي حضرها ..
وقبل أن يكتب أحدٌ شيئًا ..
وضع الدكتور قاعدةً غير مألوفة ..
«من سيجيب قبل ساعة من التفكير… لن يكون جوابه صحيحًا.»
ابتسمت وأنا أقرأها ..
فكم سؤالًا في حياتنا أفسدناه لأننا استعجلنا الإجابة!
وكم فكرةً قتلناها لأن أول ما خطر في أذهاننا ظننّاه الحقيقة!
لقد كان يريد من الجميع أن يتوقفوا ..
لا ليبحثوا عن جوابٍ جميل ..
بل ليبحثوا عن جوابٍ صادق ..
وبعد مرور الساعة ..
بدأت الإجابات تتوالى ..
قالت إحدى المشاركات إن ما ينقصها الشهادة المعتمدة ..
وقالت أخرى ..
مهارة الجذب ..
وقالت ثالثة ..
التخطيط ..
وذكرت أخريات ..
المرونة الفكرية ..
واستكشاف الذات ..
والتعلم المستمر ..
واللغة الإنجليزية ..
والصلابة النفسية ..
ولو توقف الحوار عند هذا الحد ..
لخرج الجميع وهم يشعرون أنهم شاركوا في نقاشٍ جميل ..
لكن أحدًا لم يكن سيتعلم شيئًا جديدًا ..
وهنا بدأ الجزء الأهم من الرحلة ..
رحلةٌ لم تكن إلى الأردن ..
بل إلى داخل العقول .
لم يكن الدكتور مسفر يبحث عن قائمةٍ بأسماء المهارات ..
ولا عن إجاباتٍ يملأ بها صفحة الحوار .
كان يبحث عن شيءٍ آخر تمامًا .
ولهذا لم يناقش المهارات نفسها ..
بل بدأ يناقش طريقة التفكير التي أنتجت تلك الإجابات .
ولو كان الحوار يدور في أي مجلسٍ آخر .. لربما اكتفى الجميع بالثناء على تلك الإجابات ..
وانتقلوا إلى سؤالٍ جديد .
لكن الدكتور مسفر لم يكن يريد للحوار أن ينتهي ..
بل كان يريد له أن يبدأ .
ولأن الدكتور يعرف أن العقول تميل إلى الاختباء خلف العبارات الواسعة ..
لم يسمح للحوار أن يستقر عند الكلمات الكبيرة ..
فكلما سمع إجابةً عامة ..
أعادها إلى الأرض ..
ليبحث مع صاحبها عن أصل الفكرة لا عن اسمها ..
ولهذا لم يقل لأحد :
“إجابتك صحيحة .”
ولم يقل:
“إجابتك خاطئة .”
بل أعاد الكلمة نفسها ..
«كيف ؟»
كيف ؟
وكيف تحصل عليها ؟
وكيف عرفت أنها هي ما ينقصك ؟
وما الذي يمنعك ؟
وكان يكرر السؤال بهدوءٍ عجيب ..
حتى بدأت الإجابات العامة تتراجع شيئًا فشيئًا .
ولحظتها أدركت أن الرجل لا يدربهم على التدريب ..
بل يدربهم على التفكير .
فالإنسان يستطيع أن يحفظ أسماء مئات المهارات .
لكن هذا لا يعني أنه يعرف نفسه .
ويستطيع أن يردد أجمل العبارات عن النجاح .
لكن هذا لا يعني أنه اقترب منه خطوةً واحدة .
أما حين يُسأل :
«كيف؟»
فهنا تبدأ الحقيقة .
لأن كلمة «كيف» لا تطلب معلومة .. بل تطلب طريقًا .
ولا تبحث عن عنوان .. بل تبحث عن تجربة .
ولا تقبل الأمنيات .. بل تريد خطوات .
ومن هنا بدأ السؤال الحقيقي يتغير .
لم يعد :
ما الذي ينقصك ؟
بل أصبح :
هل تعرف فعلًا ما الذي ينقصك ؟
وهنا بدأت الصورة تتضح أكثر .
فحين قالت إحدى المشاركات إن ما ينقصها الشهادة ..
توقف الدكتور عند هذه الإجابة .
ولم يقل إن الشهادة غير مهمة .
بل أعادها إلى حجمها الطبيعي .
وقال ما معناه :
إذا كانت المشكلة هي الشهادة ..
فهناك مراكز كثيرة تمنح شهادات تدريب المدربين ..
وبعضها برسومٍ لا تكاد تتجاوز مئة ريال .
ثم طرح سؤالًا بدا بسيطًا ..
لكنه هدم الفكرة كلها :
«هل حصولي على الشهادة هو الذي ينقصني فعلًا ؟»
ثم أتبعها بملاحظة لا يمكن أن تمر مرورًا عاديًا :
هناك عشرات الآلاف من الرجال والنساء يحملون شهادات تدريب المدربين ..
فهل نسمع عنهم ؟
كان السؤال مؤلمًا .
ليس لأنه ينتقص من قيمة الشهادة ..
ولكن لأنه يضعها في مكانها الصحيح .
فالشهادة قد تثبت أنك حضرت برنامجًا ..
لكنها لا تثبت أنك أصبحت مدربًا .
وبين الأمرين مسافةٌ طويلة ..
لا تقطعها ورقة ..
وإنما يقطعها وعيٌ .. وتجربة .. وممارسة .. وأثر .
وهنا أدركت أن الدكتور لا يصحح المعلومات ..
بل يصحح زاوية النظر إليها .
فالناس غالبًا يبحثون عن أقرب جواب ..
أما هو .. فكان يبحث عن أدق سؤال .
ثم انتقل إلى إجابةٍ أخرى .
قالت إحدى المشاركات إنها تحتاج إلى المرونة الفكرية .
فسألها مباشرة :
«كيف تحصلين عليها ؟»
فأجابت بأنها تحتاج إلى عقلٍ منفتح .
فسألها من جديد :
«وما الذي يمنعك ؟»
ولما أجابت :
“ربما الأنانية .. أو الرغبة في إثبات الذات .”
لم يعد الحديث عن المرونة الفكرية ..
بل أصبح الحديث عن الإنسان نفسه .
عن الحواجز الخفية التي تمنعه من الوصول إلى ما يريد .
وهنا بدأت أفهم شيئًا مهمًا ..
كثيرًا ما نظن أن المشكلة في نقص المهارة ..
بينما المشكلة الحقيقية تكمن في وجود مانعٍ يمنعنا من اكتسابها .
ولذلك لم يكن الدكتور يطارد الإجابة ..
بل كان يطارد الجذر .
لأن معالجة الجذر ..
أبقى من معالجة العرض .
ثم جاءت الأستاذة عفاف العتيبي تحاول أن تُخرج الفكرة من دائرة العناوين إلى دائرة التطبيق ..
فلم تكتفِ بأن تقول إن التخطيط مهم ..
بل بدأت تفككه إلى خطوات .. من التثقيف والقراءة .. إلى صياغة الأهداف .. ثم تصميم الأنشطة .. فالممارسة .. ثم المراجعة والتطوير ..
كانت أول من بدأ يحول المهارة من كلمة إلى إجراءات ..
لكن حتى هذا لم يكن نهاية الطريق .
فسألها الدكتور مرة أخرى :
«كيف ؟»
ولم يكن يقصد الاعتراض .
وإنما كان يريد أن يدفع الفكرة إلى مستوى أعمق .
فهو لا يريد أن يسمع أسماء الخطوات فقط .
بل يريد أن يرى كيف تتحول تلك الخطوات إلى واقع يعيشه الإنسان .
وهنا جاء التسجيل الصوتي .
وأحسب أنه كان النقطة التي انتقل فيها الحوار كله من الحديث عن التدريب إلى الحديث عن بناء العقل ..
قال الدكتور مسفر .. بمعنى حديثه .. إن كثيرًا من الناس يظنون أن المطلوب من الحوار هو أن يجيب الإنسان .
ثم صحح هذا التصور كله بجملة بقيت عالقة في ذهني :
«نحن لا نريد من الإنسان أن يجيب .. نريده أن يفيد » .
كم هي عميقة هذه العبارة .
فالجواب قد يكون صحيحًا .
لكنه لا يضيف شيئًا .
أما الفائدة ..
فهي التي تختصر على الآخرين سنواتٍ من التجربة .
ولذلك أوضح أن قول الإنسان :
“ينقصني التخطيط .”
أو
“أحتاج إلى مهارة الإلقاء .”
لا يقدم للقارئ شيئًا جديدًا ..
فالجميع يعرف أن التخطيط مهم ..
وأن الإلقاء مهارة مؤثرة ..
لكن أين الخبرة ؟
أين التجربة ؟
أين الثمن الذي دفعته بسبب غياب تلك المهارة ؟
هنا فقط تبدأ المعرفة ..
كأن يقول :
لقد خسرت فرصةً مهمة لأنني لم أكن أجيد الإلقاء .
أو :
فشل أول برنامج قدمته لأنني لم أحسن التخطيط .
ثم يشرح كيف اكتشف ذلك ..
وكيف بدأ يعالج المشكلة .
وما الذي تغير بعد ذلك ..
عندها فقط ..
لا يعود الكلام وصفًا لمهارة ..
بل يصبح طريقًا يسير عليه غيره ..
ولهذا قال الدكتور إن عرض المشكلة الحقيقية لا يفيد صاحبه وحده .
بل يختصر على الآخرين الوقت .. والجهد .. والمال ..
فالتجربة الصادقة قد تختصر على إنسان آخر سنواتٍ كاملة من البحث .
ومن هنا بدأت أفهم لماذا كان يكرر سؤال :
«كيف ؟»
فهو لم يكن يبحث عن معلومة ..
بل كان يبحث عن تجربة ..
ولم يكن يريد عنوانًا ..
بل كان يريد طريقًا ..
ولم يكن يريد أمنية ..
بل كان يريد خطة يمكن أن تُنفذ ..
لقد أراد الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني أن ينقلنا من مرحلة تعداد المهارات إلى مرحلة تشخيص الاحتياج ..
ومن أمنيات التطور إلى صناعة التطور .. ومن الكلام الذي يصلح أن يقوله الجميع .. إلى الإجابة التي لا يستطيع أن يقولها إلا صاحب التجربة ..
ولعل أجمل ما في ذلك المساء أن السؤال لم يكن يبحث عن إجابة ..
بقدر ما كان يبحث عن إنسانٍ يجرؤ أن يرى نفسه كما هي ..
لا كما يحب أن يراها .
ثم انتقل الحوار إلى فكرة أخرى ..
ربما كانت أخطر مما سبق كله ..
قال الدكتور إن بعض العبارات التي نرددها كثيرًا أصبحت مسلمات ..
حتى إننا لم نعد نتوقف عندها لنفكر في معناها الحقيقي .
ومن أشهرها :
«كلنا نتعلم » .
وهنا لم يعترض على العبارة ..
بل اعترض على طريقة استعمالها ..
وأوضح أن هذه الجملة حين تصدر من إنسان بلغ مرحلة عالية من الإنجاز ..
وما يزال يرى نفسه طالب علم ..
فهي قمة التواضع ..
أما حين تتحول إلى مبرر يؤجل به الإنسان مواجهة ضعفه ..
فهنا تصبح معوقًا لا دافعًا ..
فالفرق كبير بين من يقول :
“ما زلت أتعلم ” .
وهو يضيف كل يوم لبنة جديدة إلى بنائه ..
وبين من يقولها ..
ليبرر بقاءه في المكان نفسه ..
ثم ضرب مثالًا بسيطًا ..
لكنه يكشف خللًا شائعًا ..
قال إن بعض الناس إذا حضر برنامجًا في التفكير الناقد قبل خمس عشرة سنة ..
ظن أنه انتهى من التفكير الناقد إلى الأبد .
وكأن المهارات شهادة تُعلّق على الجدار ..
بينما الحقيقة أن المهارات الكبرى لا تنتهي ..
بل كلما ازداد الإنسان فيها علمًا ..
اكتشف أنه ما زال في بدايتها .
ولهذا لا تستغرب أن تجد مدربًا كبيرًا يحضر برامج في موضوعات يدرّسها هو بنفسه ..
ليس لأنه يجهلها ..
بل لأنه يعرف أن الوقوف عن التعلم هو أول درجات التراجع .
وهنا قال عبارة أراها من أثمن ما قيل في ذلك المساء :
«الإحساس بالشبع من أكبر معوقات التعلم » .
توقفت عندها طويلًا ..
لأن الإنسان لا يتوقف عن النمو حين ينتهي العلم .
بل حين يظن أنه اكتفى ..
فالجاهل قد يبحث ..
أما الذي يعتقد أنه وصل ..
فلن يبحث أصلًا ..
ومنذ تلك اللحظة يبدأ الجمود .
ويصبح الإنسان يقرأ ليؤكد ما يعرف ..
لا ليكتشف ما يجهله ..
وهنا فقط أدركت أن الحوار كله لم يكن عن التدريب ..
بل عن الإنسان قبل أن يكون مدربًا .
وعن العقل قبل أن يكون صاحب شهادة .
وعن الوعي قبل أن يكون صاحب منصة .
فالمدرب الحقيقي لا يبدأ رحلته يوم يحصل على شهادة ..
ولا يوم يقف على منصة ..
بل يوم يعرف بدقة ما الذي يعطله ..
ولماذا يعطله ..
وما الثمن الذي دفعه بسبب غياب تلك المهارة .
عندها يدرك أن عظمة المدرب لا تُقاس بعدد ما يحفظ من المهارات ..
بل بقدرته على معرفة موضع نقصه .
و يعرف بدقة أين يقف .
وما الذي ينقصه .
ولماذا ينقصه .
وكيف يبدأ رحلة علاجه .
ثم السير في طريق إصلاحه .
وهذه رحلة لا تمنحها شهادة .
ولا تختصرها دورة .
ولا يصنعها عنوان جميل .
إنها رحلة تبدأ من سؤال واحد ..
«كيف ؟»

أثر لاينسى
جدة
الأربعاء ١٦ محرم ١٤٤٨
١ يوليو ٢٠٢٦

