● الذين لا يلتفتون  .. يَصِلُون 🧭🌿

screenshot ٢٠٢٦٠٦٢٦ ٠٦١٣١٧ gallery


كان الفجر قد بسط أول خيوطه على السماء .. ولم تكن الشمس قد أعلنت حضورها بعد .. في تلك الساعة التي تهدأ فيها الأصوات .. وتصفو فيها الأرواح .. ويبدو الكون وكأنه يتهيأ ليوم جديد .. أرسل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني إلى مجموعة “مدربون ومدربات مبدعات” مقطعًا قصيرًا وصفه بأنه “ملهم” .. وأشار إلى أنه وصله من الأستاذة سهاد الكشي .. المشرفة التربوية السابقة ومديرة المدرسة المتميزة ..
كان مقطعًا لا يتجاوز ثواني معدودة .. لكنه حمل فكرة تستطيع أن ترافق الإنسان عمرًا كاملًا ..
دخل ألبرت آينشتاين إلى الفصل .. ولم يقل كلمة واحدة .. أمسك بالطبشور .. ورسم على السبورة خطًا طويلًا .. ثم التفت إلى طلابه وسألهم ..
“من يستطيع أن يجعل هذا الخط أقصر دون أن يلمسه .. ؟”
تعالت الضحكات .. وتعددت الإجابات ..
قال أحدهم .. “لقد فقد العجوز عقله .. !”
وقال آخر .. “إذا أردت أن يقصر فلا بد من محوه ..”
أما آينشتاين .. فلم يناقش أحدًا .. ولم يرد على أحد .. استدار بهدوء .. ورسم أسفل الخط الأول خطًا أطول منه .. ثم عاد يسأل ..
“والآن… ماذا ترون .. ؟”
في تلك اللحظة أدرك الجميع الحقيقة ..
لم يتغير الخط الأول قيد أنملة .. لكنه بدا أصغر .. لأن هناك ما هو أكبر منه ..
هكذا تختصر الحكمة أعمارًا من الجدل ..
فالإنسان لا يكبر حين يصغر الآخرين .. وإنما يكبر حين ينمو هو ..
وعقب المقطع .. كتب الدكتور مسفر عبارة موجزة .. لكنها كانت امتدادًا طبيعيًا للفكرة ..
“لا تنشغل بتقزيم الآخرين والتقليل من شأنهم… فقط اهتم بنفسك أنت أن تكون كبيرًا ..”
ثم جاءت كلماته لتفتح أبوابًا أوسع من الخطين المرسومين على السبورة ..
لم يعد الحديث عن طالب في فصل .. ولا عن تجربة ذهنية .. بل عن حياتنا جميعًا ..
كم من إنسان استنزف عمره وهو يراقب نجاح غيره أكثر مما يبني نجاحه .. ؟
وكم من قائد ظن أن مكانته تزداد كلما انتقص ممن سبقه .. ؟
وكم من معلم .. أو مدير .. أو موظف .. أو حتى كاتب .. ظن أن هدم الآخرين طريق مختصر إلى الصدارة .. ؟
لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة ..
فالناس قد تنخدع بالكلمات لحظة .. لكنها لا تنخدع بالحقائق طويلًا ..
والقمم لا تحتاج إلى إعلان ارتفاعها ..
ومن أجمل ما استحضره الدكتور في تعليقه ما نقله عن الإمام ابن القيم رحمه الله .. وهو يفسر سرًا عجيبًا في مطاردة كلب الصيد للظبي ..
فالظبي أسرع بكثير ..
ومع ذلك كثيرًا ما يُدرك ..
وليس السبب أن الكلب أصبح أسرع .. بل لأن الظبي يكثر الالتفات ..
كل التفاتة تُبطئ اندفاعه ..
وكل التفاتة تستهلك جزءًا من سرعته ..
حتى تذوب المسافة بينه وبين من يطارده ..
ولعل هذه ليست قصة عن ظبي…
بل عن الإنسان ..
فكم من حلم تأخر .. لأن صاحبه كان ينظر إلى الآخرين أكثر مما ينظر إلى طريقه ..
وكم من مشروع تعثر .. لأن صاحبه كان منشغلًا بالمنافسين أكثر من انشغاله بالإتقان ..
وكم من موهبة ذبلت .. لأنها كانت تقيس نفسها كل يوم بإنجازات غيرها ..
إن الالتفات المستمر لا يسرق الوقت فقط…
بل يسرق التركيز .. ويبدد الطاقة .. ويستهلك العمر ..
ولذلك لم يقف الدكتور عند حدود الفكرة النظرية .. بل أنزلها إلى واقع الناس ..
فالمدير الذي يقضي وقته في الحديث عن ضعف من سبقه .. لن يبني مدرسة أقوى ..
والمعلم الذي يثبت تميزه بانتقاص زملائه .. لم يفهم معنى التميز ..
والكاتب الذي يكثر من نقد غيره ليبدو أكثر علمًا .. لا يضيف إلى رصيده شيئًا ..
فالإنجاز لا يحتاج إلى مقارنة ..
والإبداع لا يحتاج إلى خصومة ..
والعمل الصادق يفرض نفسه بصمت ..
وفي تعليقها البليغ .. لخصت الأستاذة سناء العليوي الفكرة في عبارة تستحق أن تُكتب بماء الذهب .. فقالت ..
“القمم لا تتنافس على هدم الجبال .. بل ترتفع بثبات حتى يراها الجميع ..”
ثم أتبعتها بقولها ..
“من يريد أن يكون كبيرًا .. فليكبر بأخلاقه .. وعلمه .. وقيمه .. وإنجازاته .. لا بتصغير الآخرين ..”
وهل يحتاج المعنى بعد ذلك إلى زيادة .. ؟
فالجبال لا تنقص من ارتفاع بعضها ..
والنجوم لا تطفئ ضوء غيرها ..
والبحار لا تجفف الأنهار لتبدو أوسع ..
لقد خلق الله هذا الكون قائمًا على الوفرة .. بينما يصر بعض البشر على أن يعيشوا بعقلية الندرة .. فيظنون أن نجاح غيرهم ينتقص من نجاحهم .. وأن إشراق غيرهم يحجب نورهم ..
وما علموا أن الشمس لا تخاف من القمر ..
ولعل أجمل ما في قصة آينشتاين أنها لم تكن درسًا في الرياضيات .. ولا في الفيزياء ..
كانت درسًا في الحياة ..
فالخط الأول بقي كما هو ..
لم ينقص ..
ولم يُمح ..
لكن الذي تغيّر هو زاوية النظر ..
وهكذا نحن ..
أحيانًا لا نحتاج إلى أن نغيّر الآخرين
..ولا إلى أن نُسقطهم ..
ولا إلى أن نقلل من شأنهم ..
كل ما نحتاج إليه…
أن نرسم في حياتنا خطًا أطول ..
خطًا من العلم ..
ومن الخلق ..
ومن الإتقان ..
ومن العمل ..
ومن الإنجاز ..
وحينها…
لن نسأل أحدًا أن يعترف بقيمتنا ..
لأن القيمة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها…
بل تُرى ..
وأحيانًا لا يحتاج الإنسان أن يرسم خطًا أطول  ..
بل يحتاج فقط أن يتوقف عن النظر إلى خطوط الآخرين .
وربما أخطر ما يواجه الإنسان ليس أن يسبقه الآخرون  ..
بل أن يقضي عمره كله وهو يعد خطواتهم ..
فالطريق لا يطول بسبب بعد المسافة…
بل بسبب كثرة الالتفات ..
ومن أراد أن يصل ..
فليجعل عينيه على غايته ..
وقلبه مع عمله ..
وهمّه في إصلاح نفسه ..
فالذين يكثرون الالتفات…
قد يرهقهم الطريق ..
أما الذين يمضون بثبات…
فهم .. في الغالب ..
أول الواصلين
.

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

اثر لاينسى
جدة
الجمعة ١١ محرم ١٤٤٨
٢٦ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *