هناك موتٌ لا يُكتب في شهادة الوفاة ..
ولا تُغلق من أجله المتاجر ..
ولا تُقام له مراسم عزاء ..
يمشي صاحبه بين الناس .. ويبتسم .. ويعمل .. ويتحدث .. ويؤدي ما اعتاده كل يوم .. حتى يظنه الجميع حيًا كما كانوا يعرفونه ..
لكن شيئًا في داخله قد توقف ..
لا دهشة توقظه ..
ولا فكرة جديدة تستفزه ..
ولا سؤال يقلقه ..
ولا كتاب يغير شيئًا فيه ..
ولا تجربة تضيف إلى روحه نافذة أخرى ..
إنه حاضر بجسده .. وغائب بعقله ..
حيٌّ في سجلات الأحوال المدنية .. لكن جزءًا كبيرًا من حياته قد مات بصمت ..
ولعل أخطر أنواع الموت ليست تلك التي تنتهي عندها الحياة .. بل تلك التي تنتهي فيها الرغبة في النمو .. بينما يستمر القلب في النبض ..
في صباحٍ هادئ .. فتح الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في مجموعة «مدربون ومدربات مبدعات» بابًا بدا في ظاهره حديثًا عن تطوير الذات .. لكنه في عمقه كان حديثًا عن الحياة نفسها ..

قال ..
«الحديث عن تطوير الذات أمر مهم جدًا .. فالإنسان بعيدًا عن التجديد والتحديث أقرب ما يكون إلى الموت دماغيًا .. نعم .. هو موجود بجسده .. لكنه جسد بلا روح ..»
توقفت طويلًا عند هذه العبارة ..
ليس لأنها تصف إنسانًا آخر .. بل لأنها تجعل كل واحد منا يسأل نفسه سؤالًا قد يكون مؤلمًا ..
منذ متى لم أتغير .. ؟
منذ متى لم أتعلم شيئًا هز قناعاتي .. ؟
منذ متى لم أقرأ فكرة جعلتني أعيد النظر في نفسي .. ؟
منذ متى أصبحت أكرر الأيام نفسها .. والعبارات نفسها .. والانفعالات نفسها .. حتى صار الغد نسخة باهتة من الأمس .. ؟
فالإنسان لا يشيخ حين تتجعد ملامحه .. بل يشيخ حين تتوقف أفكاره عن النمو ..
ثم قال الدكتور إنه يؤمن بخمس نقاط .. لا لأنها وصفة جاهزة للنجاح .. بل لأنها رحلة طويلة يعود فيها الإنسان إلى نفسه ..

وأولها ..
اعرف ذاتك ..
وربما لا يوجد سؤال أصعب من هذا ..
فنحن نعرف أسماء المدن التي لم نزُرها ..
ونعرف أخبار أشخاص لم نلتقِ بهم ..
ونحفظ تفاصيل حياة الآخرين أكثر مما نعرف تفاصيل أرواحنا ..
لكن ..
كم واحدًا يعرف نفسه حقًا .. ؟
يعرف متى يكون في أفضل حالاته .. ؟
ومتى يضعف .. ؟
ما الذي يوقظ إبداعه .. ؟
وما الذي يستنزفه .. ؟
أي الناس يمنحونه الحياة .. ؟
وأيهم يطفئون شيئًا فيه .. ؟
أين ينتصر .. ؟
وأين ينكسر .. ؟
لقد قال الدكتور إن معرفة الذات ليست معرفة سطحية .. بل وعي عميق بمواطن القوة والضعف .. وبالأوقات التي يزهر فيها الإنسان .. وتلك التي يذبل فيها ..
ولأن من لا يعرف نفسه .. سيقضي عمره يحاول أن يكون شخصًا آخر ..

ثم جاءت الخطوة الثانية ..
طوّر نفسك ..
ولفتني أن الدكتور لم يبدأ بالحديث عن معالجة نقاط الضعف .. كما يفعل كثير من الناس ..
بل بدأ بنقاط القوة ..
وكأن الرسالة تقول ..
لا تجعل حياتك كلها محاولة لإصلاح ما ينقصك .. بل ابنِ أولًا على ما تملكه ..
فالإنسان حين يعرف أجمل ما فيه .. يستطيع أن يستعين به ليواجه أكثر ما يؤلمه ..
ثم دعا إلى فكرة جميلة جدًا ..
أن يجري الإنسان كل عام جردًا لنفسه .. كما يفعل التاجر مع متجره ..
فيحصي المهارات التي اكتسبها .. والمهارات التي ما زالت غائبة ..
يا لها من فكرة ..
نحن نجرد حساباتنا البنكية .. ولا نجرد عقولنا ..
نراجع أرصدتنا .. ولا نراجع أنفسنا ..
تمر الأعوام .. ثم نفاجأ أننا لم نتغير ..
مع أننا لم نسأل أنفسنا يومًا ..
ماذا أضفت هذا العام إلى عقلي .. ؟

ثم انتقل الدكتور إلى أكثر المراحل صدقًا ..
تخلص من عيوبك ..
ولم يقل .. تخلص من كل عيوبك ..
لأن الإنسان ليس ملاكًا ..
لكن هناك عيوبًا لا تقف عند حدود الخطأ .. بل تتحول إلى سمٍّ يسري في كل نجاح ..
ذكر منها الغرور .. والثقة الزائدة .. وتوهم الكمال .. والتخشب .. والانشغال بالآخرين ..
وأحسب أن الأخيرة من أخطرها ..
لأن الإنسان كلما انشغل بمراقبة الناس .. تأخر عن بناء نفسه ..
وكلما التفت إلى ما في أيديهم .. نسي ما يمكن أن يصنعه بيديه ..
إن بعض العيوب لا تهدم مشروعًا .. بل تهدم صاحب المشروع نفسه ..

ثم جاءت النقطة الرابعة ..
واجه مخاوفك ..
قال الله تعالى ..
﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
فالخوف ليس عيبًا ..
إنما العيب أن يتحول إلى سجن ..
كم حلمًا مات .. ليس لأنه مستحيل .. بل لأن صاحبه خاف أن يبدأ ..
وكم موهبة بقيت حبيسة .. لأن صاحبها خاف من النقد ..
وكم فكرة عظيمة لم ترَ النور .. لأن صاحبها أقنع نفسه مسبقًا أنها ستفشل ..
وأشار الدكتور إلى أن كثيرًا من هذه المخاوف لا وجود لها إلا في عقولنا ..
نحن نصنعها .. ثم نخاف منها ..
ونكبرها .. ثم نهرب منها ..
حتى تصبح أوهامنا أقوى من قدراتنا ..

ثم ختم الدكتور بأجمل ما في الرحلة ..
شد خيوطك ..
يا لها من عبارة ..
فالإنسان يشبه خيمةً في مهب الريح ..
إذا كانت أوتادها رخوة .. أسقطتها أول عاصفة ..
أما إذا اشتدت خيوطها .. بقيت واقفة .. وإن اشتدت الرياح ..
وهنا تحدث الدكتور عن الشغف ..
والحماس .. والمرونة النفسية .. والصلابة .. والتعافي السريع .. والتفكير الناقد ..
ولم تكن هذه مجرد مهارات .. بل كانت خيوطًا تحفظ الإنسان من أن يتمزق كلما صدمته الحياة ..
فالنجاح ليس أن تعيش بلا سقوط .. بل أن تعرف كيف تنهض في كل مرة أسرع من السابقة ..
وأنا أقرأ هذا الحوار .. لم أشعر أن الدكتور كان يكتب عن تطوير الذات .. بل كان يكتب عن مسؤولية الإنسان تجاه عمره ..
فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات .. بل بعدد المرات التي وُلد فيها الإنسان من جديد ..
هناك من يبلغ السبعين .. وما زال يتعلم كطفل ..
وهناك من يتوقف عن التعلم في الثلاثين .. ثم يقضي ما بقي من عمره يكرر نفسه ..
ولهذا .. فإن أخطر جملة يمكن أن يقولها الإنسان عن نفسه ليست ..
“لا أستطيع ..”
ولا ..
“لقد فشلت ..”
بل أن يقول ..
“أنا هكذا .. ولن أتغير ..”
فهنا لا يتوقف التعلم فقط .. بل يبدأ الموت الذي لا يسمعه أحد ..
فالحياة ليست أن يبقى القلب نابضًا .. بل أن يبقى العقل متعلمًا .. والروح قادرةً كل صباح على أن تولد من جديد ..
وربما لهذا كله لا يحتاج الإنسان كل عام إلى بيت جديد .. ولا إلى وظيفة جديدة .. ولا إلى مدينة جديدة .. بل يحتاج إلى نسخة جديدة من نفسه ..
نسخة أكثر فهمًا .. وأكثر اتزانًا .. وأكثر رحمة .. وأكثر علمًا .. وأكثر شجاعة ..
فالذين يتجددون .. لا يهزمهم الزمن ..
أما الذين يكتفون بما هم عليه .. فقد يبدأ رحيلهم الحقيقي قبل أن تغيب أرواحهم بسنوات طويلة ..

وفي النهاية .. أدركت أن الدكتور مسفر لم يكن يتحدث عن تطوير الذات .. بقدر ما كان يحذر من نوعٍ آخر من الموت ..
موتٌ لا تسمعه أجهزة المستشفيات .. ولا تُكتب له شهادة وفاة .. ولا يبكي الناس عنده ..
أن يتوقف الإنسان عن التعلّم .. وأن يقتنع أنه اكتمل .. وأن يكرر نفسه حتى تصبح أيامه نسخًا متشابهة ..
عندها .. قد يكون حاضرًا بين الناس .. يضحك .. ويعمل .. ويتحدث .. لكنه .. ميتٌ دماغيًا .

اثر لاينسى
جدة
الاحد ١٣ محرم ١٤٤٨
٢٨ يونيو ٢٠٢٦

