💡 ثلاثية النجاح .. حين يتحدث الميدان بلسان الخبرة
في مساءٍ هادئٍ بعد صلاة العشاء .. وبين لحظات السكون التي يبحث فيها الإنسان عن كلمةٍ تضيء له الطريق .. دخل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني إلى قروب مدربات مبدعات .. وألقى كلماتٍ قصيرة في ظاهرها .. عميقة في معناها .. كلمات لم تكن مجرد حديثٍ عابر .. بل كانت خلاصة تجربة .. ونتيجة احتكاكٍ طويل بالميدان .. وصوت خبرةٍ يعرف كيف يرى الإنسان قبل المنصب .. والعقل قبل الإنجاز .. والروح قبل النجاح .
وكان ذلك خلال المدة التي كان فيها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني يشغل منصب مدير الإدارة مدير المرحلة الابتدائية .. ويتولى الإشراف على اختيار المشرفين والأخصائيين الجدد .. ولذلك كان يتحدث من واقع تجربة قيادية حقيقية عاشها في الميدان التربوي .
تحدث عن النجاح .. ذلك الهاجس الذي يقلق الكثير .. ذلك الحلم الذي يسكن قلوب الناس جميعًا .. فمن منا لا يبحث عن النجاح .. ومن منا لا يريد أن يصل .. ومن منا لا يحلم بأن يكون في موقعٍ أفضل .. أو أثرٍ أجمل .. أو إنجازٍ أعظم .. لكن الحقيقة التي قد لا ينتبه لها كثير من الناس .. أن البعض يريد النجاح دون أن يمر بطريق الفشل .. يريد الوصول دون أن يتعثر .. يريد الإنجاز دون أن يتألم .. يريد القمة دون أن يصعد الدرج .
وهنا تظهر المفارقة العجيبة .. لأن من يريد النجاح دون فشل .. قد لا يحقق نجاحًا ولا فشلًا .. بل يعيش حياةً سادة .. بلا طعم .. بلا لون .. بلا رائحة .. حياة بلا تجربة .. بلا احتكاك .. بلا تعلم .. بلا عمق .. وكأن الإنسان يسير في طريقٍ آمنٍ جدًا .. لكنه لا يصل إلى أي مكان .
ومن هنا جاءت الفكرة العميقة التي طرحها الدكتور مسفر القحطاني .. وهي أن النجاح ليس أمنية .. ولا حظًا .. ولا فرصة .. بل هو بناء إنسانٍ كامل .. بناء عقلٍ يفكر .. ونفسٍ تصبر .. وجسدٍ يتحمل .. ولهذا أكد أن من يريد النجاح يجب أن يهيئ ثلاثة أركان أساسية قبل أن يفكر في الوصول .
أولها .. عقلية النجاح .
فهل نملك عقلية تستحق النجاح .. أم أننا نريد النتائج دون أن نغير طريقة تفكيرنا .. هل نفكر بعقلٍ يبحث عن الحلول .. أم بعقلٍ يبحث عن الأعذار .. هل نؤمن بالتجربة .. أم نخاف منها .. هل نواجه التحديات .. أم نهرب منها .. هل نرى الفشل درسًا .. أم نراه نهاية الطريق .
إن عقلية النجاح ليست كلماتٍ تقال .. بل طريقة رؤية للحياة .. هي إيمان بأن الطريق طويل .. وأن التعثر جزء منه .. وأن كل تجربة تحمل داخلها درسًا .. وأن الإنسان كلما سقط نهض أكثر قوة .. وكلما أخطأ تعلم أكثر حكمة .. وكلما حاول اقترب أكثر من النجاح
ثم يأتي الركن الثاني .. نفسية النجاح .
وهنا تتضح الصورة أكثر .. لأن النجاح لا يتصالح مع النفسيات الهشة .. ولا يسكن في القلوب المنكسرة من أول تجربة .. ولا يعيش في الأرواح التي تهرب من التحديات .. فالنفسية القوية هي التي تتحمل الضغط .. وتصبر على النقد .. وتواجه الصعوبات .. وتستمر رغم التعب .. وتبتسم رغم الألم .. وتؤمن أن الطريق إلى النجاح ليس مفروشًا بالورود .. بل مليء بالتجارب التي تصنع الإنسان الحقيقي .
أما الركن الثالث .. فهو جسدية النجاح .
فالجسد الذي لا يتحمل التعب .. ولا يقوى على العمل .. ولا يصبر على السهر .. ولا يقطع مسافات الإنجاز .. لا يستطيع أن يصل بعيدًا .. لأن النجاح يحتاج طاقة .. ويحتاج جهدًا .. ويحتاج حركة .. ويحتاج إنسانًا قادرًا على أن يعمل .. وأن يتحمل .. وأن يستمر .
وهكذا تتكامل الصورة .. عقل يفكر .. نفس تصبر .. جسد يعمل .. وهذه هي ثلاثية النجاح التي يمكن من خلالها أن نقيس مستوى الإنسان في الحياة .. فمن امتلكها اقترب من النجاح .. ومن فقدها ابتعد عنه دون أن يشعر .
ولم يكن حديث الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني تنظيرًا فقط .. بل كان حديث ميدان .. حديث تجربة .. حديث إنسان عاش المواقف ورأى الناس واختبر الشخصيات .. ولهذا ضرب مثالًا واقعيًا عميقًا يكشف الفرق بين من يملك عقلية النجاح ومن يفتقدها .
تحدث عن تجربة عاشها عندما كان مسؤولًا عن اختيار مشرفين جدد .. وكان قبل أن يدخلهم في الاختبارات التحريرية والشفوية يفضل أن يتحاور معهم .. لأن الحوار يكشف العقول .. ويكشف النفسيات .. ويكشف القدرة الحقيقية على النجاح .. فليس كل من ينجح في اختبارٍ يصلح للميدان .. وليس كل من يحمل شهادة يستطيع أن يقود الآخرين .
فهو يؤمن بفريق النجاح قبل الفرد الناجح .. ويرى أن من يُرسل إلى المدارس يجب أن يحمل عقلية نجاح حقيقية .. لا أن يكون سببًا في أزمات جديدة داخل الميدان .. وكان يؤكد دائمًا أن السؤال الحقيقي ليس عن الشهادات فقط .. بل هل هذه الشخصية تبهر الميدان بعقلية نجاح ونفسية نجاح وجسدية نجاح أم لا .
وفي أحد اللقاءات .. كان هناك مرشح يثني عليه البعض ثناءً كبيرًا .. فدار معه نقاش بسيط .. لكنه كشف فكرة عميقة جدًا .. سأله الدكتور مسفر القحطاني سؤالًا واضحًا .. لو قدمت للاختبار ولم تنجح .. هل ستعيد المحاولة مرة أخرى ..
فجاء الجواب صادمًا .. قال لا يمكن أن أعيد مرة أخرى .. ولو فشلت سأعتبر أن هناك ظلمًا وقع علي ..
وهنا ظهرت الحقيقة .. لأن ادعاء المظلومية قبل التجربة .. والخوف من الفشل قبل المحاولة .. والهروب من التكرار .. كلها مؤشرات على غياب عقلية النجاح .. فكيف يمكن أن يكون هذا الشخص مشرفًا على المعلمين .. وكيف يمكن أن ينتشل المحبطين .. وكيف يمكن أن يدعم المتعثرين .. وهو لا يملك الاستعداد لأن يجرب مرة أخرى .
وفي نهاية اللقاء أخذ المرشح على انفراد ونصحه بصراحة ألا يدخل مجال الإشراف ما دام لا يملك الاستعداد للفشل والمحاولة .. موضحًا له أن العمل في الميدان يحتاج إلى نفسية ملهمة قبل أي تخصص .
وهنا قال الدكتور مسفر القحطاني كلمة عميقة جدًا .. أنا لا أحتاج مشرفًا متخصصًا فقط .. بل أحتاج مشرفًا ملهمًا .. أحتاج شخصًا يستطيع أن ينتشل المحبطين .. ويعيد الثقة للمتعبين .. ويقف بجانب من سقطوا في الطريق .. لأن الميدان مليء بمعلمين مبدعين .. لكنهم تعثروا بسبب موقفٍ أو تقييمٍ أو تجربةٍ قاسية .. فانسحبوا من الإبداع .. وتحولوا إلى أشخاص صامتين أو مشاغبين أو محبطين .
وقد أوضح أنه يتحدث من واقع الجو التربوي الذي يعيشه ويعرف تفاصيله .. وينقل تجربة حقيقية عاشها في الميدان التعليمي .
ثم ضرب مثالًا حيًا ومقارنة إنسانية .. شبه المدير الذي يخوف فريقه بالعمال في محلٍ تجاري أو مصنع .. حين ترى العمالة سيارة التفتيش أو الأمانة يختبئ الرعب في أعينهم ويخشون تسجيل مخالفة صغيرة .. وكل تصرف يبدو عاديًا يتحول إلى خوفٍ دائم .. وكذلك المدير الذي يزرع الخوف بين المعلمين يجعلهم يعيشون في جو الرعب .. لا يبنون الثقة .. ولا يحققون الإنجاز .. بل يزرعون القلق والارتباك ..
وهنا ظهر التشبيه الجميل .. كيف يمكن أن تكون بيئة عمل ناجحة إذا كان الجميع يخاف .. وكيف يمكن للنجاح أن يولد في ظل الرعب .. وكيف يمكن للقائد أن يكون ملهمًا إذا كان هو أول من ينشر الخوف .
المشرف الحقيقي ليس من يملأ استمارة تقييم .. بل من يعيد إنسانًا إلى الحياة المهنية .. وليس من يكتب ملاحظات .. بل من يمد يده للآخرين .. وليس من يصدر الأحكام .. بل يصنع الأمل .
لقد أكد الدكتور مسفر القحطاني أن التقييم ليس هو الهدف .. لأن كثيرًا من المعلمين يمتلكون من الخبرة ما يجعلهم قادرين على تقييم المشرف نفسه .. لكن الهدف الحقيقي هو الإلهام .. هو الدعم .. هو العطاء .. هو بناء الثقة .. هو صناعة إنسان قادر على أن ينجح من جديد .
وهنا تتضح فلسفة النجاح الحقيقية .. فالميدان لا يحتاج إلى أشخاص يخيفون الناس .. بل يحتاج إلى من يبنون الثقة .. لا يحتاج إلى من يزرعون الرعب .. بل يحتاج إلى من يزرعون الطمأنينة .. لا يحتاج إلى من يقفون على التل ويقولون جاء الذئب .. بل يحتاج إلى من ينزلون إلى الميدان ويمسكون بأيدي الناس ويقولون نحن معكم .
إن القائد الذي يخوف فريقه ليس قائد نجاح .. والمشرف الذي يزرع القلق ليس صانع إنجاز .. والمدير الذي ينشر الرعب لا يبني فريقًا .. لأن النجاح يولد في بيئة آمنة .. ويكبر في جو من الثقة .. ويزدهر في ظل الاحترام .
ومن أجمل ما قيل في هذا الحديث .. أن المشرف يجب أن يكون ملهمًا .. لأن الإلهام هو الذي يصنع الفرق .. هو الذي يحول المعلم المتعب إلى معلم مبدع .. وهو الذي يحول المدرسة إلى بيئة نجاح .. وهو الذي يحول العمل إلى رسالة .
إن الملهم لا يفرض نفسه .. بل يكسب القلوب .. لا يراقب الناس .. بل يدعمهم .. لا يبحث عن الأخطاء .. بل يبحث عن الجمال .. لا يقف عند العثرات .. بل يصنع منها بداية جديدة .
وهذا هو النجاح الحقيقي .. أن تكون سببًا في إحياء إنسان .. أن تكون سببًا في عودة أمل .. أن تكون سببًا في نهضة عقل .. أن تكون سببًا في ابتسامة قلب .. ومن أحيا نفسًا فكأنما أحيا الناس جميعًا .
وفي نهاية هذا الحديث .. لا نستطيع إلا أن نقول .. إن كلمات الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني لم تكن مجرد حديث عابر .. بل كانت رسالة ميدان .. وفلسفة قيادة .. وخلاصة تجربة .. ودعوة صادقة إلى أن نفهم النجاح بمعناه الحقيقي .
فالنجاح ليس منصبًا .. ولا شهادة .. ولا لقبًا .. بل عقلية تفكر .. ونفسية تصبر .. وجسدية تعمل .. وقلب يلهم الآخرين .
نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء .. وأن يجعل هذه الكلمات في ميزان حسناته .. وأن ينفع بها كل من قرأها .. وأن يجعلها نورًا لكل قائد ومعلم ومشرف وباحث عن النجاح .. وأن يكتب له أجر كل من اهتدى بها أو عمل بها .. فالكلمة الصادقة قد تبني أمة .. وقد تغير إنسانًا .. وقد تفتح طريقًا لم يكن يُرى من قبل .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أثر لاينسى
جدة
ليلة الثلاثاء ١١ شوال ١٤٤٧
٣٠ مارس ٢٠٢٦

