🍎📚 أكل الحرام  😔✏️

screenshot ٢٠٢٦٠٤٠١ ٢٠٠٨٤٣ gallery



موقف ( اكل الحرام.)

مع توالي السنوات في العمل الإشرافي ترسخت لدي قناعة عميقة ان الزيارة الصفية هي أضعف الأدوات الإشرافية واقلها تأثيرا

وازداد إيماني بهذه القناعة مع كل زيارة اقوم بها لأي معلم فقد وجدت ان عملية التقييم الروتينية للمعلم من خلال تلك الاستمارة الجامدة  لاتحقق المعنى الأسمى للإشراف التربوي المؤثر

يصل المشرف التربوي للمدرسة وينتقي بالاتفاق مع مديرها مجموعة من المعلمين ليقوم بزيارتهم ثم بعد ذلك تتم بعض المداولات الإشرافية بعد الزيارة وبهذا ينتهي اليوم الإشرافي ويطوى.

التغيير والتطوير الحقيقي للعملية الاشرافية أعمق بكثير من هذا الفهم السطحي الخاطف فيجب أن تكون أول الخطوات الحقيقية للتغيير ان يبدأ المشرف التربوي بعلاقة قوية بمدير المدرسة تقوم على القرب النفسي وشعور المدير نفسه بالأمن والارتياح والرغبة الجادة من المشرف في تقديم خدمات نوعية للمدرسة من غير مساس بأهلية المدير وقدرته على قيادة المدرسة.

في احد الايام كنت في زيارة مدرسة يقودها احد زملاء الدراسة والذي سبقني في دخول الإشراف التربوي بسنوات ومازلت اذكر جيدا عندما زارنا في المدرسة وكنت وقتها معلما فزار معلمي تخصصه

بعد سنوات تزاملت معه في العمل الإشرافي انا في تخصص الصفوف الأولية وهو في تخصص التربية الإسلامية وكان نعم الزميل خلقا ورقيا وتعاملا

وفي إحدى السنوات قدم هذا الزميل اعتذاره عن العمل الإشرافي وابدى رغبته في العمل كمدير مدرسة ولم يكن من السهل أن يتم التفريط فيه لكن يبدو أنه كان مصرا على قراره فتم تلبية طلبه

دخل ذلك المشرف عمله الجديد بحماس شديد وكان لي زيارة المدرسة كمشرف مادة فكان اللقاء الأول به في عمله الجديد مفعما بذكريات الايام الجميلة التي جمعتني به

همس إلي ان يواجه مشكلة حقيقية مع أحد معلمي الصف الثاني فقلت له انت كنت زعيم حل المشكلات وموطن ثقة المسئولين في إدارة التعليم عندما تعترض طريقهم مشكلة ما فقال لي بجد لدي مشكلة حقيقية ومحيرة واحتاج مساعدتك

شعرت من لغة جسدة أنه يتكلم عن مشكلة مزعجة له بكل ما تعنيه الكلمة فبدات اتعامل مع الموقف بجدية فقلت أخبرني فقال أحد المعلمين الذين ستزورهم قرر ترك التدريس والتحويل للعمل الإداري اي يعمل كاتبا وعجزت عن اقناعه مع انه من خيرة المعلمين وأكثرهم انضباطا ومحبة من الجميع

حاولت أن اجمع أكبر قدر من المعلومات عن المعلم لكن المدير لم يشر إلى مكمن الخلل لدى المعلم مما صعب علي تحديد المشكلة بدقة لكن كل ما استطعت فهمه أن المعلم يريد ترك التدريس ويرغب في العمل الإداري

ظهر لي تماما ضيق المدير من الموقف وحجم تعاطفه مع المعلم ومدى معرفته بحجم الخسائر التي ستضر بالمعلم حال تحوله من التدريس والتي اقلها الضرر المادي الذي سيفقده ثلت راتبه تقريبا خاصة وان المعلم في بداية حياته العملية فضلا عن الضرر النفسي وغيره

  قررت زيارة المعلم حتى استطيع معرفة المشكلة وتحديدها بشكل دقيق يساعدني على طرح الحلول المناسبة
 
عندما دخلت عليه الصف وجدته شابا ملتحي صغيرا في عمره يتسم بالهدوء والاتزان والسكينة… نظرت في عينيه فقرات فيها حزنا وحيرة وترددا
 
همست في اذنه فقلت هل صحيح ماقاله لي المدير في انك تريد ترك التدريس فقال نعم وبإذن الله خلال هذا الاسبوع سأقوم بتقديم طلب لإدارة التعليم فقلت عسى خيرا لماذا فقال يا استاذ أشعر أن تدريسي اكل للحرام تعبت يا أستاذ تعبت

لاحظت وهو يتهامس معي بعيدا عن مسامع الطلاب الصغار ان الصف يعج بالفوضى ولم اسمع منه توجيها لهم بالهدوء
 
قال لي يا استاذ انا عاجز عن إدارة الصف فقلت طيب ما رايك نكمل حوارنا بعد الحصة وقمت وجلست لأتابع حصته

بدأت الحصة والطلاب يتقافزون هنا وهناك بشكل غريب بل الأغرب انه لا يشير لأي أحد بالسكوت أو الانتباه له

خلال دقائق معدودة استطعت ان أدرك حجم المشكلة كما أدركت أن الطلاب لايمكن أن يتعلموا حرفا واحدا في وسط هذا الجو الفوضوي

وبين حين وآخر يرسل لي نظرة وكأنه يقول ما رايك ألا يستحق مثلي ان يكون بعيدا عن التدريس

أشرت اليه ان يتوقف وقلت له مارأيك ان اطبق مع طلابك بعض استراتيجيات إدارة الصف فرحب بكل سرور قلت له استأذنك في ان اتولى المكان لعشر دقائق

أشرت للطلاب بالسكوت لكنهم مازالوا تحت وطاة العبث فرفعت صوتي وطلبت من الجميع ان يعودوا إلى أماكنهم ويلزموا الصمت فرفعت صوتي بشكل توكيدي فخاف الصغار وعاد كل طالب لمكانه

قلت لهم لا أريد أن اسمع صوتا ثم طلبت من الجميع ان يغمض كل واحد عينيه فساد الهدوء كل ارجاء الغرفة الصفية فقام المعلم يتبسم وكانه لأول مرة يجد هذا الهدوء

قلت لهم لمدة خمس دقائق لا يفتح احد عينيه ثم اتجهت للمعلم وقلت له عندما نعزل المثير تتوقف الإستجابة

قلت له الآن سنذهب للاستراتيجية الثانية فطلبت من الطلاب ان يفتحوا أعينهم بعد أن شكرتهم على استجابتهم ثم قلت هذه المرة انا من سيغلق عينيه ولا أريد أن اسمع صوتا وطبقت الفكرة وعندما سمعت حركة في زاوية الصف قلت اسمع صوتا هنا واشرت بيدي للمكان فغاب الصوت

قمت بتطبيق الفكرة أكثر من مرة ثم قلت للمعلم مارأيك ان تجرب فوجدته متحمسا للتجربة قلت له ليكن جسمك مستقيما ارفع صوتك بكل ثقة وليكن حازما

الطريف ان صرخته الأول. كانت أقوى من صرختي ثم طبق ما شاهده بطريقة رائعة وكنت اقرا السعادة في وجهه فقلت له الآن اشرح درسك فانا جاهز للاستمتاع به
 
قدم درسا رائعا كشف لي انه متميز في الجانب المعرفي للمادة بعد أن خرجنا من الصف قلت له ارجوك لا تقل لي انك ما زلت مصرا على ترك التدريس فقال بإذن الله لن اترك التدريس فقلت يجب أن نبشر مديرك بقرارك الأخير والمفرح لنا جميعا

الأكثر حزنا في الموضوع أنني عندما سالت المعلم هل يعلم ما الذي سيحدث له لو ترك العمل التدريس فاكتشفت انه لا يملك اي فكرة كافية عن ذلك خاصة أنني عرفت منه انه لم يتزوج بعد وحالته المادية ليست جيدة فقلت له ماذا سيكون وضعك لو فعلت

ذهبنا لمدير المدرسة وقلت له كيف تقول لي ان الاستاذ يرغب في ترك التدريس قلت للمعلم هل ترغب في ذلك فقال لا

استغرب المدير ثم قال لي ماذا فعلت معه؟  فقلت وهل تظن انك الوحيد الذي يجيد حل المشكلات فقام يضحك فقلت ياعزيزي قمت برش شيئا من الطحين على راسه يعني أعمال سحرية قال ارجوك أخبرني فاخبرته ان المعلم كاني يعاني من مشكلة إدارة الصف وقد قمت بتدريبه على بعض الاستراتيجيات الخفيفة وقد اتقنها باحترافية.. هذه هي كل الحكاية

وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني 🌿


ولمن يرغب في قراءة المقال التحليلي الأدبي المستوحى من هذا الموقف .. والذي يعرض القصة في قالب إنساني وتربوي مختلف .. يمكنه الاطلاع على المقال عبر الرابط التالي
:

أثر لاينسى
جدة
الاربعاء ١٣ شوال ١٤٤٧
١ ابريل
٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *