في كل مرحلة من العمر .. كنت أظن أنني كلما كبرت ازددت معرفة بالحياة .. لكنني اكتشفت أن الحياة لا تعلمنا فقط كيف نعيش .. بل تعلمنا كيف نفهم البشر ..
والعجيب أن أكثر ما يتعب الإنسان ليس الفقر دائمًا .. ولا المرض دائمًا .. ولا حتى قسوة الظروف كما نظن .. وإنما توقعاته من الناس ..
نحن لا نتألم دائمًا مما فعله الآخرون بنا .. بل مما كنا ننتظره منهم ولم يحدث ..
كم من قلب انكسر لأنه رسم للناس صورة أكبر من حقيقتهم ..
وكم من روح أرهقها العتاب لأنها كانت تنتظر من الجميع أن يكونوا كما تحب .. لا كما هم ..
وأثناء حديث دار اليوم .. توقفت طويلًا أمام فكرة بسيطة في ألفاظها .. عميقة في معناها .. حتى شعرت أنها تستحق أن تكتب بماء القلب لا بحبر الأقلام ..
قال الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني إن البشر قسمان ..
قسم يرى أن حياته ستكون جميلة حين يصبح الناس رائعين ..
وقسم آخر يرى أن حياته ستكون جميلة حين يفهم طبيعة البشر كما خلقهم الله ..
والفرق بين القسمين أكبر مما يبدو ..
فالقسم الأول يعيش حياته كلها في انتظار معجزة لن تحدث ..
ينتظر الناس أن يكونوا كاملين ..
أن يفهموه دائمًا
أن يقدروه دائمًا
أن يردوا الجميل دائمًا
أن يعتذروا دائمًا
أن يحسنوا الظن دائمًا
أن يوافقوا رأيه دائمًا
وحين يكتشف أن البشر ليسوا كذلك .. يصاب بالصدمة
ثم بصدمة أخرى
ثم بثالثة
ثم يقضي عمره كله يرمم خيباته من الناس ..
لأن سعادته معلقة بهم
إذا أحسنوا إليه سعد
وإذا قصروا معه حزن
وإذا اقتربوا منه اطمأن
وإذا ابتعدوا عنه شعر أن الحياة فقدت ألوانها ..
أما القسم الثاني فقد فهم الدرس مبكرًا ..
فهم أن الناس بشر
فيهم الطيب وغير الطيب
فيهم الكريم والبخيل
فيهم الوفي والمتقلب
فيهم العاقل والمندفع
فيهم من يخطئ اليوم ويصيب غدًا ..
وفيهم من يخذلك رغم محبته لك ..
وفيهم من يؤذيك دون قصد ..
ولذلك لا يعيش مصدومًا
لأنه لم يبنِ توقعاته على أوهام ..
هو لا يكره الناس .. لكنه يعرف حقيقتهم ..
ولا يعادي البشر .. لكنه لا يطالبهم بما لا يطيقون ..
ولهذا حين تأتيه الصدمة لا تنهار دنياه ..
يتألم نعم
يحزن نعم
لكنه يتعافى سريعًا
لأنه كان يعلم أن البشر هكذا ..
ومن أجمل ما لامسني في هذه الفكرة أن القسم الأول يجعل مصدر سعادته خارج نفسه ..
ينتظر من الآخرين أن يمنحوه الطمأنينة ..
أن يملؤوا فراغه
أن يرمموا كسوره
أن يصنعوا بهجته
فيظل أسيرًا لما يفعلون وما لا يفعلون ..
أما القسم الثاني فقد اكتشف سرًا عظيمًا ..
اكتشف أن الإنسان إذا تصالح مع نفسه أصبح قادرًا على أن يكون سعيدًا في كل أحواله ..
وهنا تذكرت معنى دقيقًا أشار إليه الدكتور مسفر .. وهو أن بعض الناس يظنون أن القوة النفسية تعني ألا يحتاج الإنسان إلى أحد .. بينما الحقيقة غير ذلك تمامًا .
فنحن منذ لحظة ولادتنا وحتى آخر لحظة من أعمارنا نحتاج إلى الناس ..
نحتاج إلى من يعلمنا ..
ومن يساندنا ..
ومن يعيننا ..
ومن يداوينا ..
ومن يحمل عنا بعض أثقال الطريق .
بل حتى في رحلتنا الأخيرة من الدنيا إلى الآخرة – بعد عمرٍ طويلٍ وحسنِ خاتمةٍ بإذن الله – من الذي سيغسلنا ويصلي علينا ويدفننا سوى الناس ؟
لسنا مخلوقات مكتفية بنفسها كما نتخيل أحيانًا ..لكن الفرق الحقيقي ليس في الحاجة إلى الناس ..
بل في تعليق سعادتنا عليهم .
فالإنسان المتزن لا يجعل فرحه مرهونًا بحضور الآخرين ..
ولا يجعل طمأنينته رهينة اهتمامهم ..
ولا يربط قيمته الشخصية بمقدار ما يمنحونه له من وقت أو تقدير أو عناية .
ولا يرى أن غياب الآخرين عنه إعلان هزيمة .
لأنه تعلم أن السعادة الحقيقية نبع داخلي قبل أن تكون هدية خارجية .
يسعد في سفره معهم ..
ويسعد في خلوته بنفسه .
يسعد مع الناس إذا حضروا
ويسعد بنفسه إذا غابوا
لا يشعر أن وحدته عقوبة
ولا يرى في العزلة سجنًا
بل يجد فيها أحيانًا مساحة للسكينة والتأمل واستعادة توازنه ..
ثم جاء الحديث عن العتاب ..
ذلك الضيف الثقيل الذي يهدم من العلاقات أكثر مما يصلح ..
فالقسم الأول يعيش حياته معاتبًا ..
يعاتب هذا لأنه لم يتصل
ويعاتب ذاك لأنه لم يسأل
ويعاتب ثالثًا لأنه لم يقدر
ويعاتب رابعًا لأنه تأخر
وكأن عمره كله محكمة مفتوحة لا تغلق أبوابها ..
أما القسم الثاني فقد اختار طريقًا أهدأ ..
من أدى ما عليه شكره ..
ومن قصر عذره
ومن أخطأ التمس له ما استطاع من الأعذار ..
ولعل السبب في ذلك أن بعض الناس يرهقون أنفسهم بمطاردة الآخرين ..
ينتظرون اتصالًا لم يأت ..
وزيارة لم تتم ..
وسؤالًا تأخر ..
ومبادرة لم تحدث ..
ثم يبدأ مسلسل العتاب الطويل ..
وكأن الحياة كلها مطالبة دائمة للناس بأن يمنحونا ما نريده منهم ..
بينما يدرك الإنسان الناضج أن من أراد أن يصل سيصل .. ومن أراد أن يسأل سيسأل .. ومن أراد أن يبقى سيبقى .
أما مطاردة القلوب واستجداء الاهتمام فغالبًا لا تصنع محبة .. بل تصنع تعبًا لا ينتهي ..
لذلك يختصر الحكماء الطريق ..
من أحسن إليهم شكروه ..
ومن قصر معهم عذروه ..
ومن ابتعد تركوا له مساحته دون ضجيج أو خصام أو حسابات مرهقة .
ليس ضعفًا
ولا سذاجة
وإنما فهمًا لطبيعة البشر
ثم كانت الفكرة التي شعرت أنها وحدها تصلح لأن تكون وصية عمر كامل ..
حين يختلف القسم الأول مع أحد .. يحرق كل شيء ..
يلغي السنوات الجميلة
ويمحو المواقف النبيلة
وينسى المعروف
ويهدم الجسور
ويغادر تاركًا القلوب مثقلة بالجراح ..
أما القسم الثاني فيغادر بصمت ..
ويغادر بأدب ..
ويغادر وهو يتمسك بقول الله تعالى :
﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ .
حتى لو كان موجوعًا
حتى لو خذله الآخر
حتى لو كانت المغادرة هي الأخيرة ..
لأنه يعرف أن الخلاف لا يلغي الجميل ..
وأن الخطأ لا يمحو المعروف ..
وأن لحظة غضب لا تستحق أن تقتل سنوات من الود ..
ولعل أكثر ما شدني في الفكرة كلها حديثه عن الذاكرة ..
فبعض الناس يملكون ذاكرة عجيبة في تذكر الإساءة .. وضعيفة جدًا في تذكر الإحسان ..
يكفي خلاف واحد حتى يسقط كل ما قبله .
وكأن المعروف لم يكن ..
وكأن الأيام الجميلة لم تمر
وكأن الأيدي البيضاء لم تمتد يومًا ..
بينما هناك من يحفظ الجميل كما تحفظ الأرض الطيبة ماء المطر ..
تبقى المواقف الحسنة محفورة في قلبه ..
لا يمحوها سوء فهم
ولا تفسدها كلمة عابرة
ولا يهدمها خلاف طارئ
وهؤلاء هم الأجمل
ليس لأنهم لم يتألموا ..
بل لأنهم لم يسمحوا للألم أن يسرق إنصافهم ..
وأظن أن الحياة في النهاية ليست امتحانًا في معرفة الناس بقدر ما هي امتحان في معرفة أنفسنا .. ومن هنا تتضح فكرة أخرى بالغة العمق أشار إليها الدكتور مسفر .. وهي أن الإنسان كلما نما في علمه وفكره وخبرته وأخلاقه .. أصبح أكثر نفعًا للناس وأعظم أثرًا في حياتهم .. فالمهارات بعد توفيق الله تجعل الناس في حاجتك لا العكس .. لا لأنك تطلب منهم الالتفاف حولك .. ولا لأنك تسعى إلى لفت انتباههم .. بل لأنهم يجدون عندك ما يفتقدونه ..
يجدون علمًا ينفعهم ..
وفكرًا يثريهم ..
وحكمة تهديهم ..
ومشورة صادقة تطمئنهم ..
وخبرة تختصر عليهم الطريق ..
وأخلاقًا تجعل القرب منك راحة لا عبئًا .فالناس لا يحتاجون إلى الإنسان لمجرد وجوده ..
وإنما يحتاجون إلى ما يحمله من قيمة .. يحتاجون إلى طريقته في التفكير ..
وإلى قدرته على حل المشكلات ..
وإلى منهجه في التعافي من المواقف الصعبة ..
وإلى اختياراته الحكيمة في الحياة ..
وإلى التجربة التي صاغتها الأيام حتى أصبحت نورًا يستضيئون به .
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في رحلته مع الناس ألا ينشغل بالسؤال :
من يحتاجني ؟
بقدر ما ينشغل بالسؤال :
ماذا أقدم للناس ؟
فالناس لا يتعلقون بالأسماء بقدر تعلقهم بالأثر .
يبحثون عمن يجدون عنده علمًا نافعًا .. أو خلقًا كريمًا .. أو حكمة صادقة .. أو قلبًا أمينًا .
أما من امتلأ بالغش والخداع وسوء الخلق .. فإن الناس يفرون منه ولو أحاط نفسه بألف صورة من صور التجميل .
القيمة الحقيقية ليست أن تجعل الناس أسرى لك .. بل أن تجعلهم يحبون وجودك لأن وجودك يضيف إلى حياتهم شيئًا جميلًا .
وحين يصبح الإنسان نافعًا .. صادقًا .. كريم النفس .. واسع القلب .. فإنه لا يطارد الناس .. بل يجد القلوب تأتي إليه طوعًا دون أن يطلبها .
فالناس سيبقون بشرًا
سيخطئون
ويقصرون
ويغضبون
ويخذلون
ويعتذرون
ويعودون
كما نفعل نحن تمامًا
أما السعيد حقًا فليس من وجد عالمًا بلا أخطاء .
فهذا لن يجده إلا في الجنة .
وإنما من فهم طبيعة البشر قبل أن يطالبهم بما ليس فيهم .
ومن تعلم أن يحمل قلبًا واسعًا يتسع للناس كما هم .. لا كما يشتهي أن يكونوا .
وحينها فقط .. يكتشف الإنسان أن كثيرًا من معارك عمره لم تكن مع الآخرين أصلًاً ..
بل كانت مع توقعاته منهم .

أثر لاينسى
جدة
الخميس ١٠ محرم ١٤٤٨
٢٥ يونيو ٢٠٢٦

