● حين يقف شرطي المرور🚦👮‍♂️ في منتصف الأفكار 🧠

screenshot ٢٠٢٦٠٦٢٤ ٠٢٠٩٤٣ gallery


ليست كل الأفكار العظيمة تولد في قاعات المؤتمرات .. ولا كل الدروس المؤثرة تُلقى من فوق المنصات اللامعة ..
أحياناً تولد الفكرة في مكان أكثر بساطة .. داخل مجموعة واتساب .. بين رسائل متتابعة .. وتعليقات عفوية .. ومداخلات يظن أصحابها أنها ستمضي كما مضى غيرها من آلاف الرسائل التي تبتلعها ذاكرة الهواتف كل يوم ..
لكن بعض اللحظات تختلف ..
بعض المواقف الصغيرة تفتح نافذة واسعة على طبيعة الإنسان .. وعلى الطريقة التي تُدار بها العقول .. وتُبنى بها المجتمعات .. وتنجح بها فرق العمل .. وتزدهر بها البيئات المعرفية ..
وفي ذلك المساء .. لم يكن الحديث عن علمٍ جديد .. ولا عن نظريةٍ حديثة .. ولا عن مشروعٍ ضخم .. كان الحديث عن أمر يبدو في ظاهره بسيطاً للغاية .. كيف نتحدث .. ومتى نصمت .. وكيف نعطي الفكرة حقها قبل أن نسبقها إلى التعليق عليها ..
سؤال صغير ..
لكنه يشبه تلك المفاتيح الدقيقة التي تفتح أبواباً كبيرة
..

فكم من فكرة وُلدت ثم ماتت قبل أن تكتمل .. لأن الأصوات سبقتها .. ؟
وكم من صاحب تجربة فقد خيط حديثه وسط سيل المقاطعات .. ؟
وكم من مجلس معرفي بدأ واعداً ثم تحول مع الأيام إلى ضجيج لا يُنصت فيه أحد لأحد .. ؟
حينها استحضرت صورة لم تفارق ذهني منذ سمعتها لأول مرة ..
صورة “شرطي المرور” ..
ذلك الرجل الذي يقف في قلب الزحام .. لا لأنه أهم من الجميع .. ولا لأنه أذكى من الجميع .. ولا لأنه يريد التحكم بالجميع .. بل لأنه يدرك أن الطريق إذا تُرك لكل سيارة أن تسير كما تشاء فلن يصل أحد ..
فليست المشكلة دائماً في كثرة المتحدثين ..
وليست المشكلة في قلة الأفكار ..
المشكلة الحقيقية تبدأ حين تغيب الإشارات التي تنظم الحركة .. فيختلط الاتجاه بالاتجاه .. والصوت بالصوت .. والفكرة بالفكرة .. حتى يضيع الطريق على الجميع ..
ومن هنا بدأت حكاية تستحق أن تُروى ..
لا لأنها تخص مجموعة بعينها ..
بل لأنها تمس كل أسرة .. وكل فريق عمل .. وكل مؤسسة .. وكل مجلس علم .. وكل مساحة يجتمع فيها البشر بحثاً عن معنى .. أو معرفة .. أو أثر ..
فما الذي يجعل الحوار ناجحاً .. ؟
وما الذي يحول المجموعة من مجرد رسائل متراكمة إلى مجتمع معرفي حي .. ؟
ولماذا يحتاج كل نجاح جماعي إلى “شرطي مرور” يعرف متى يرفع إشارة التوقف .. ومتى يفتح الطريق .. ومتى يتحمل وحده تذمر العابرين حتى لا يصطدم بعضهم ببعض .. ؟
هذا ما حاولت تلك الليلة أن أفهمه ..
وهذا ما يستحق أن يُوثَّق
..

بعد تلك المقدمة التي بدت في ظاهرها حديثًا عن قروب واتساب .. اتضح لي أن القضية أعمق بكثير من مجرد رسائل تتوالى على شاشة هاتف .. أو تعليقات تتزاحم في مساحة رقمية محدودة ..
كانت القضية في جوهرها تتعلق بشيء نفتقده كثيرًا في زمن السرعة .. فن الإصغاء ..
ذلك الفن الذي أصبح نادرًا حتى بين النخب .. وبين المتعلمين .. وبين أصحاب الخبرات الطويلة ..
فكلنا نحب أن نتحدث ..
وقليل منا من يتقن الانتظار حتى يكتمل حديث الآخر ..
وكلنا نملك رأيًا ..
لكن ليس كل رأي يجب أن يقال في اللحظة نفسها ..
وليس كل فكرة يجب أن تقفز إلى السطح قبل أن تكتمل الفكرة التي قبلها ..
ومن هنا بدأ الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حديثه عن نجاح القروبات .. لا باعتبارها مجموعات إلكترونية فحسب .. بل باعتبارها نموذجًا مصغرًا للحياة كلها ..
فالذي لا يحسن إدارة الحوار في مجموعة صغيرة .. لن يحسن إدارته في فريق عمل .. ولا في مؤسسة .. ولا حتى داخل أسرته ..
أولًا: اذهب إلى آخر الطريق قبل أن تتحدث ..
كانت أولى النقاط التي طرحها لافتة للنظر رغم بساطتها ..
قال إن من أراد أن يعلق أو يشارك .. فعليه أولًا أن ينزل إلى نهاية الشاشة ليرى أين وصل الحديث ..
فكثيرًا ما يبدأ الناس نقاشًا حول فكرة ما .. ثم ينتقلون إلى فكرة أخرى .. ثم ثالثة .. ثم يأتي شخص متأخر ليعيد الجميع إلى النقطة الأولى وكأن الزمن لم يتحرك ..
فيعود الحوار إلى الخلف بعد أن كان يسير إلى الأمام ..
ويضيع التسلسل ..
ويتشتت القارئ ..
وتفقد الفكرة قيمتها ..
فإذا كان الحديث قد تجاوز مفهومًا معينًا .. فلا داعي لإعادته بعد ساعة أو ساعتين ..
وإذا كانت القافلة قد وصلت إلى محطة جديدة .. فلا معنى لأن يظل أحدهم واقفًا عند المحطة الأولى يلوح للجميع طالبًا العودة ..
وكانت من أجمل العبارات التي استوقفتني في حديثه حين تساءل ..
هل تعليقي مصيري إلى هذا الحد .. ؟
هل ستتوقف البشرية على مداخلتي .. ؟
وهو سؤال يحتاجه كثير منا ..
فليس شرطًا أن نعلق على كل شيء ..
وليس شرطًا أن يكون لنا حضور في كل زاوية من زوايا الحوار ..
أحيانًا يكون أجمل ما نقدمه للنقاش هو أن نسمح له بالاستمرار دون أن نوقفه ..
ثانيًا: لا تشرق أكثر من الشمس ..
أما النقطة الثانية فكانت من أجمل الاستعارات التي سمعتها في إدارة الحوار ..
قال ..
“لا تشرق أكثر من الشمس” ..
والشمس هنا هي صاحب الموضوع ..
فحين يطرح شخص فكرة أو تجربة أو قضية يريد إيصالها .. يصبح هو محور الحديث .. ودورنا نحن ليس أن نسحب الأضواء نحونا .. بل أن نساعده على إكمال فكرته ..
فالمشكلة ليست في كثرة المشاركات فقط .. بل في أن تتحول المداخلات إلى منافسة غير معلنة على الاهتمام ..
فيبدأ الناس بالالتفات إلى المعلقين .. وينسون صاحب الفكرة الأصلية ..
وحين يواصل صاحب الموضوع الكتابة دون توقف .. فهذه رسالة واضحة تقول ..
“دعوني أكمل” ..
وهي رسالة تستحق الاحترام ..
فالإنصات في تلك اللحظة ليس سلبية .. بل مشاركة راقية .. واحترام لمساحة الآخر .. وإيمان بأن لكل فكرة حقها في الاكتمال ..
ومن اللطيف أيضًا ما أشار إليه الدكتور حين تحدث عن مبدأ فرض الكفاية في التعليقات ..
فإذا سأل المتحدث سؤالًا بسيطًا .. وأجاب أحد الحاضرين بما يحقق الغرض .. فلا حاجة لأن يكرر مئات الأشخاص الإجابة نفسها ..
فبعض المشاركات لا تضيف معرفة جديدة .. وإنما تزيد الزحام فقط
..

ثالثًا: حدد دورك قبل أن تتحدث ..
وهذه من النقاط التي أرى أنها لا تخص القروبات وحدها .. بل تخص الحياة كلها ..
هل جئت لتسأل .. ؟
أم لتعزز .. ؟
أم لتستمع .. ؟
أم لتناقش .. ؟
أم أن الحوار لا يحتاج تدخلك أصلًا .. ؟
فبعض الناس يدخل أي نقاش وهو يحمل رغبة دائمة في الحديث .. دون أن يسأل نفسه .. هل هناك بالفعل حاجة لما سأقوله .. ؟ أم أن هناك من يؤدي هذا الدور بالفعل .. ؟
فإذا كان شخص آخر يطرح الأسئلة المهمة .. أو يقدم التعزيز المناسب .. أو يقود النقاش إلى أهدافه .. فلماذا أزاحمه .. ؟
ولماذا أضيف ضجيجًا جديدًا إلى مساحة مكتملة أصلًا .. ؟
بل إن الدكتور أشار إلى نقطة دقيقة جدًا .. وهي أنه عندما نرى شخصًا يكتب .. فمن الأدب أن نتريث .. لأن تدفق الرسائل أثناء كتابة الآخر قد يربك الفكرة ويشتت صاحبها ..
وهي من التفاصيل الصغيرة التي تصنع فرقًا كبيرًا في جودة الحوار ..
رابعًا: لا تعزز قبل أن تتأكد ..
كم مرة قرأنا فكرة وأسرعنا إلى الإعجاب بها .. ؟
وكم مرة هللنا لعبارة قبل أن نفكر في صحتها .. ؟
هنا جاءت النقطة الرابعة ..
فالتعزيز جميل .. والتشجيع مطلوب .. لكن ماذا لو كانت الفكرة أصلًا غير صحيحة .. ؟ هل نعزز الخطأ .. أم نناقشه أولًا .. ؟
كان الدكتور يلفت الانتباه إلى ضرورة الفصل بين إعجابنا بالشخص وبين تقييمنا للفكرة ..
فالأفكار تُناقش .. وتُمحص .. وتُختبر .. ومن خلال هذا التمحيص تتكون المعرفة النقية ..
أما التصفيق المبكر لكل شيء .. فهو لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم المجاملة
..

والحقيقة أغلى من المجاملة دائمًا ..
خامسًا: حين يصبح الذكاء الاصطناعي عدوًا للحوار ..
ربما كانت هذه النقطة من أكثر النقاط إثارة للتأمل في عصرنا ..
فقد حذر الدكتور من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المداخلات الحوارية .. ليس لأنه يرفض التقنية .. بل لأنه يرفض أن تحل الآلة محل الإنسان ..
فالناس تدخل الحوار لتتعرف على أفكار بعضهم .. وعلى تجاربهم .. وعلى لغتهم الخاصة .. وعلى طريقتهم الفريدة في الفهم والتعبير ..
أما حين تصبح جميع المداخلات متشابهة .. ومليئة بالمصطلحات الثقيلة .. والعبارات الباردة .. والتراكيب المصطنعة .. فإن الحوار يفقد روحه .. ويتحول إلى نصوص بلا نبض ..
فالقيمة ليست في كثرة الكلمات .. ولا في طول الإجابة .. ولا في عدد المصطلحات ..
القيمة في الفكرة .. وفي صدق التعبير .. وفي أن أسمع الإنسان لا الآلة ..
وكانت من أجمل الأفكار التي ذكرها قوله بمعنى بديع ..
“اجعل الذكاء الاصطناعي حليفًا لا خليفة” ..
أي ليكن معينًا على البحث والفهم والتوسع .. لا بديلًا عن عقلك وصوتك وشخصيتك
..

سادسًا: لا تسرق الطريق من الفكرة ..
من أكثر ما يرهق أي حوار .. وأي مجلس علم .. وأي مساحة للنقاش .. أن يبدأ الناس بالسير في طريق .. ثم فجأة يتركون الطريق كله ويجرون خلف أول مخرج جانبي يظهر لهم ..
وهنا جاءت النقطة السادسة التي لامست واقعًا نعيشه جميعًا
..

فحين يطرح شخص موضوعًا معينًا .. فإنه لا يطرحه عبثًا .. إنما يريد أن يوصل فكرة محددة .. أو يعالج قضية معينة .. أو يلفت النظر إلى معنى بعينه ..
لكن ما يحدث أحيانًا أن أحد المشاركين يلتقط تفصيلًا صغيرًا مرّ مرورًا عابرًا .. فيقف عنده طويلًا .. ثم يأتي آخر فيعلق على ذلك التفصيل .. ويأتي ثالث يناقش تعليق الثاني .. وبعد دقائق يتحول الجميع إلى الحديث عن ذلك الفرع الصغير .. بينما الفكرة الأصلية تقف وحيدة في منتصف الطريق .. تنتظر من يعود إليها ..
ولم يكن حديثه عن تنظيم الرسائل فحسب .. بل كان حديثًا عن إدارة النفوس قبل إدارة القروبات ..
فبعض ما نظنه أمرًا عابرًا قد يترك أثرًا في القلوب لا ننتبه له .. فقد أشار إلى أن الترحيب المبالغ فيه أحيانًا قد يفتح باب المقارنات النفسية دون قصد .. فربما رحب الناس بعضو بعشرات الرسائل والكلمات .. ثم دخل عضو آخر بعده فلم يجد القدر نفسه من الحفاوة .. فتبدأ النفس البشرية ـ بطبيعتها التي خلقها الله عليها ـ بعقد المقارنات الصامتة التي لا يقصدها أحد ولكنها تقع رغم ذلك ..
ومن هنا كان يطرح فكرة جميلة يمازجها شيء من الدعابة والحكمة .. حين قال: «أنا ماخذ فروض الكفاية عن أمة محمد كلها» .. فليس مطلوبًا أن يكرر الجميع العبارة نفسها حتى يؤدي المعنى .. فإذا رحب اثنان أو ثلاثة فقد وصل الترحيب .. وإذا هنأ اثنان أو ثلاثة فقد بلغ المقصود .. وإذا دعا اثنان أو ثلاثة فقد حصل الخير بإذن الله ..
أما حين تتحول المجموعات إلى سيل طويل من الرسائل المتشابهة فإن الفكرة الأصلية تبدأ بالتواري خلف زحام المجاملات .. ويضيع الموضوع الذي اجتمع الناس من أجله ..
ولفت النظر إلى أمر يتكرر كثيرًا .. إذ يبدأ أحد الأعضاء بطرح موضوع مهم .. ثم ينتقل النقاش إلى مراحل متقدمة .. وبعد أيام أو أسابيع يفاجأ الجميع بمن يعود ليبارك لإنجاز قديم أو يعلق على مناسبة انتهت .. فيرتبك السياق وينقطع خيط الحديث .. ويجد القارئ نفسه أمام رسائل لا ترتبط بما يدور حوله ..
ولهذا كان يرى أن كثيرًا من مشاعر الود تؤدى بصورة أجمل وأعمق عبر الرسائل الخاصة .. فالتهنئة الخاصة أدفأ .. والتعزية الخاصة أصدق أثرًا .. والدعاء المباشر أقرب إلى القلب .. أما تحويل القروب إلى سلسلة طويلة من التهاني والعزاءات فقد يصرفه عن الغاية التي أنشئ من أجلها ويضعف قيمته المعرفية مع مرور الوقت ..
ويضرب الدكتور مثالًا بديعًا على ذلك .. فقد يكون الحديث كله عن الصلاة .. ثم يذكر أحدهم “صلاة الخوف” كمثال عابر .. فإذا بالجميع يتركون موضوع الصلاة كله وينشغلون بصلاة الخوف .. ويطلب أحدهم المراجع .. ويضيف الآخر معلومات .. ويبدأ الثالث بالاعتراض .. ثم يكتشف الجميع بعد فترة أنهم ابتعدوا تمامًا عن الموضوع الأساسي ..
وهذه ليست مشكلة القروبات فقط .. بل هي مشكلة كثير من الحوارات الإنسانية ..
كم من قضية أسرية بدأت بمشكلة محددة ثم تحولت إلى استدعاء أحداث قديمة لا علاقة لها بالموضوع .. ؟
وكم من اجتماع عمل خرج عن هدفه الأساسي لأن أحدهم تشبث بتفصيل جانبي .. ؟
وكم من نقاش علمي ضاع لأن الناس ركضوا خلف الهامش وتركوا المتن .. ؟
إن الفكرة الكبرى التي أراد إيصالها هنا بسيطة وعميقة في آن واحد ..
ساعد صاحب الموضوع على إيصال رسالته .. ولا تجرّه إلى معارك جانبية لم يأتِ من أجلها ..
فالتركيز احترام .. والانضباط احترام .. والبقاء داخل إطار الموضوع احترام للعقول والأوقات معًا ..
سابعًا: لا تجعل القروب ساحة لتصفية الحسابات ..
أما النقطة السابعة فهي من أكثر النقاط حساسية وأهمية .. لأن بعض الناس – من حيث يشعر أو لا يشعر – يحول المساحات العامة إلى متنفس لمشكلاته الخاصة ..
وهنا كان الدكتور واضحًا جدًا .. إذا كانت لديك مشكلة مع مدير .. أو مع معلم .. أو مع موظف .. أو مع زميل .. فليس من العدل أن تطرح القضية أمام جمهور لا يملك سماع الطرف الآخر .. لأن العدالة لا تكتمل إلا بسماع الجميع ..
وكان يقول للمعلمات: إذا أردتن الحديث عن المديرة فلتكن المديرة حاضرة لتدافع عن نفسها .. ويقول للمديرات: إذا أردتن الحديث عن معلمة فلتكن المعلمة موجودة لتوضح وجهة نظرها ..
أما أن يتحول القروب إلى منصة لإلقاء التهم أو التنفيس عن الاحتقان فذلك لا يخدم الحقيقة .. بل قد يفتح أبوابًا من الفتنة وسوء الفهم والظلم لا يعلم مداها إلا الله ..
ولفت الدكتور النظر إلى أمر بالغ الأهمية يغفل عنه كثير من الناس .. وهو أن بعض ما يُكتب في لحظات الانفعال قد لا يكون مجردرأي عابر أو شكوى عابرة .. بل قد يدخل في نطاق الجرائم الإلكترونية إذا تضمن إساءة للآخرين أو اتهامًا لهم أو التشهير بهم أمام الناس دون تمكينهم من الدفاع عن أنفسهم ..
فالقروبات ليست أماكن معلقة خارج القانون .. ولا الشاشات تمنح الإنسان حصانة من المسؤولية ..
وما نكتبه قد يبقى سنوات طويلة .. وقد يقرؤه من لم يكن حاضرًا أصلًا .. وقد يُفهم على غير مرادنا .. وقد يُستخدم يومًا بطريقة لم تخطر لنا على بال ..
ولهذا كان الدكتور يؤكد أن من العدالة ومن الحكمة ومن سلامة الدين والأخلاق أن نترفع عن تحويل المنصات العامة إلى ساحات شكوى ضد أشخاص غائبين لا يملكون حق الرد أو التوضيح ..
فإذا كان لا يليق بنا أخلاقيًا أن نحاكم الناس في غيابهم .. فإنه لا يليق بنا كذلك أن نعرضهم للأذى أو التشويه عبر الوسائل الإلكترونية تحت ستار الفضفضة أو التنفيس أو سرد التجارب الشخصية ..
ولم يكن كلامه تنظيرًا مجردًا .. بل ذكر مواقف واقعية رآها بنفسه .. كيف أن كلمة عابرة قد تفتح بابًا من التأويل .. وكيف أن قصة بسيطة قد يستخرج منها آخرون معاني لم يقصدها صاحبها أصلًا .. وكيف أن الناس قد يربطون الأسماء والوقائع والأحداث ببعضها بطريقة لم تخطر على بال المتحدث نفسه ..
ولهذا كان يؤكد على مبدأ في غاية النبل ..
لا تستخدم المجالس العامة لتصفية المواقف الشخصية ..
فما كان خاصًا فليظل خاصًا .. وما كان بين شخصين فلا يجوز أن يتحول إلى قضية عامة دون حق ..
ثامنًا: الاقتصاد في التهاني والتعازي… حفاظًا على الهدف ..
ومن الملاحظات التي تبدو صغيرة لكنها في الحقيقة مؤثرة جدًا في جودة أي قروب معرفي .. ما يتعلق بسيل التهاني والتبريكات والتعازي داخل المجموعات ..
فالنفوس الكريمة تحب أن تفرح لإنجاز الآخرين .. وتحب أن تواسي المصابين .. وهذا خلق جميل لا خلاف عليه ..
لكن السؤال .. كيف نفعل ذلك دون أن نضيع الهدف الذي أنشئ القروب من أجله .. ؟
كان الدكتور يرى أن كثرة الرسائل المتتابعة في التهاني أو التعازي قد تشتت مسار الحوار العلمي أو التدريبي .. فقد يكون أحد الأعضاء بدأ طرح فكرة مهمة .. أو شرع في شرح موضوع يحتاج إلى متابعة .. ثم تتدفق عشرات الرسائل في مناسبة معينة .. فيختفي الموضوع .. ويضيع تسلسله .. ويصعب على من يعود بعد أيام أن يفهم أين بدأ النقاش وأين انتهى
..

ولذلك كان يقترح حلًا راقيًا يحفظ المشاعر ويحفظ الهدف معًا .. وهو أن تكون المباركات والتعازي الخاصة عبر الرسائل الخاصة قدر الإمكان .. فهي أصدق للقلب .. وأقرب للمودة .. وأبعد عن تشتيت القروب .. وهي في الوقت نفسه تحفظ للمجموعة رسالتها الأساسية ..
فليس المقصود منع المشاعر .. ولا منع اللطف .. ولا منع التقدير .. بل تنظيمه بطريقة لا تضر بالمصلحة العامة ..
ما الذي تعلمته من كل ذلك؟
وأنا أستمع لذلك الحديث الطويل .. لم أعد أراه حديثًا عن واتساب .. ولا عن مجموعات إلكترونية .. ولا عن رسائل ومداخلات وتعليقات ..
كنت أراه حديثًا عن الحياة .. عن أدب الاختلاف .. عن احترام الأدوار .. عن معرفة متى نتكلم .. ومتى نصمت .. ومتى نسأل .. ومتى نكتفي بالإنصات ..
لقد أدركت أن كثيرًا من الفوضى التي نشتكي منها ليست بسبب قلة العلم .. بل بسبب غياب النظام .. وليست بسبب نقص العقول .. بل بسبب تزاحمها ..
فالعقول اللامعة إذا تحدثت جميعها في اللحظة نفسها .. ضاع النور .. تمامًا كما أن ألف سيارة متحركة في تقاطع واحد لا تصنع حركة أسرع .. بل تصنع ازدحامًا أكبر ..
ومن هنا جاءت عبقرية ذلك التشبيه البسيط الذي ظل يتردد في ذهني طوال الحديث ..
“شرطي المرور” ..
ذلك الشخص الذي لا يمنع الناس من الوصول .. ولا يحتكر الطريق لنفسه .. ولا يصادر حق أحد في الحركة .. كل ما يفعله أنه ينظم السير .. فيمر الجميع بأمان .. ويصل الجميع بسلام ..
في النهاية .. لا يحتاج أي مجتمع إلى مزيد من المتحدثين بقدر حاجته إلى مزيد من المنصتين .. ولا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة بقدر حاجته إلى مزيد من الوعي ..
فالكلمة الجميلة ليست دائمًا هي الكلمة التي تُقال .. أحيانًا تكون الكلمة الأجمل هي التي نؤجلها .. والرأي الأحكم هو الذي نختار له توقيته المناسب .. والمشاركة الأذكى هي التي تضيف معنى لا تشويشًا   ..
ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من كل ذلك أن الحوار الناجح ليس ساحة لإثبات الحضور .. بل مساحة لصناعة الفهم ..
فإذا تعلمنا كيف ننصت .. وكيف ننتظر دورنا .. وكيف نحترم الفكرة حتى تكتمل .. وكيف نضع المصلحة العامة فوق رغبتنا في التعليق والظهور .. فإننا لا ننجح في قروبات الواتساب فحسب .. بل ننجح في أسرنا .. وفي أعمالنا .. وفي صداقاتنا .. وفي كل طريق نسير فيه مع الناس ..
لأن الحياة كلها في نهاية الأمر ليست إلا طريقًا طويلًا .. وما أجمل أن نجد فيه من يعرف متى يرفع الإشارة الخضراء .. ومتى يطلب منا التوقف قليلًا .. حتى يصل الجميع بسلام
..

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى 

جدة 

الاربعاء ٩ محرم ١٤٤٨

٢٤ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *