في صباحٍ هادئٍ بعيدٍ عن الوطن ..
ومن غرفةٍ في فندقٍ لا يشبه الأمكنة التي يألفها القلب ..
جلس الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني يتحدث إلى مستمعيه كما يتحدث الأب إلى أبنائه حين يلتفون حوله في أمسية عائلية دافئة ..
كان هناك شيءٌ يزعجه في المكان ..
موسيقى مرتفعة لا تنسجم مع طبعه المحافظ ولا مع هدوئه الذي اعتاده ..
لكنه تجاوزها كما يتجاوز الإنسان كثيرًا من ضوضاء الحياة حين يكون لديه ما هو أهم من الضجيج ..
كان يريد أن يروي حكاية ..
بل حكايةً سبق أن رواها ..
وربما كتبها من قبل ..
وربما سمعها بعض الحاضرين أكثر من مرة ..
لكنه لم ير في ذلك أي حرج ..
بل وجد نفسه يبتسم وهو يتذكر والده الذي تجاوز التسعين من عمره ..
وما زال يعيد القصص ذاتها بين حين وآخر ..
القصص نفسها ..
الأحداث نفسها ..
الأسماء نفسها ..
والابن يعرف التفاصيل كلها ..
يعرف أين تبدأ الحكاية ..
وأين تنتهي ..
ويكاد يحفظ الحوار عن ظهر قلب ..
ومع ذلك يجلس منصتًا كأنها تُروى للمرة الأولى ..
فليس كل ما يُعاد مكررًا ..
وليس كل ما نعرفه فقد قيمته ..
فالإنسان يتغير ..
وينضج ..
وتتسع رؤيته ..
فتبقى القصة نفسها ..
لكن القارئ ليس هو القارئ ..
والمستمع ليس هو المستمع ..
ولذلك كان القرآن الكريم يعيد قصة موسى عليه السلام في مواضع متعددة ..
وليست الحكمة في التكرار نفسه ..
بل في أن كل موضع يكشف زاوية جديدة ..
وكل قراءة تفتح بابًا لم يكن مفتوحًا من قبل ..
ومن هنا عاد الدكتور مسفر إلى واحدة من الحكايات التي تركت أثرًا عميقًا في ذاكرته ..
حكايةٌ كتبها في كتابه «حكاياتي مع التدريب» ..
لكنها لم تكن حكاية تدريب فحسب ..
بل كانت حكاية إنسان ..
وحكاية تقدير ..
وحكاية قيادة ..
وحكاية ألمٍ خفي لا يراه الناس ..
وحكاية رجلٍ امتلك كثيرًا من القدرات ..
لكنه كاد يضيع وسط معركةٍ لم يكن يقاتل فيها أحدًا سوى نفسه ..
وكان عنوانها ..
الدكتور التائه
بدأت الحكاية يوم أبلغ أحد المراكز التدريبية الدكتور مسفر أن مدرسة تتبع لشركة بترول كبرى في إحدى الدول العربية ترغب في إقامة برنامج تدريبي لمعلميها ..
بالنسبة لأي مدرب ..
قد يبدو الأمر برنامجًا جديدًا لا أكثر ..
لكن بالنسبة له كانت تجربة مختلفة ..
ومرحلة جديدة ..
واختبارًا من نوع خاص ..
فمثل هذه الجهات لا تختار بسهولة ..
ولا تمنح ثقتها بسهولة ..
وكان يشعر في داخله أنه وصل إلى مرحلة أصبح قادرًا فيها على تقديم نفسه في البيئات الأكثر احترافية والأعلى مستوى ..
أو هكذا كان يظن ..
وحين وصل إلى مقر البرنامج بدأ كعادته يستقبل المتدربين واحدًا تلو الآخر ..
ومن اللحظات الأولى شعر أن أمامه مجموعة مختلفة تمامًا عما اعتاده ..
كانت طريقة السلام مختلفة ..
واللباقة مختلفة ..
والأناقة مختلفة ..
حتى الأحاديث الجانبية التي تسبق البرامج التدريبية كانت مختلفة ..
كان بعضهم يسأل بعضًا عن الدول التي سبق أن درّسوا فيها ..
وكانت الأسماء التي تتردد في الأحاديث توحي بخبرات طويلة وتجارب واسعة وأعمار قضيت في التعليم داخل أكثر من دولة ..
وحين بدأت فقرة التعارف ازداد هذا الشعور ..
فكل واحد منهم كان يحمل قصة مهنية ثرية ..
وخبرة ممتدة ..
ومسيرة طويلة ..
حتى إن أحد المعلمين ذكر أنه سبق أن عمل في المملكة العربية السعودية ..
وأنه قام بتدريس عدد من الأمراء في أحد المعاهد بمدينة الرياض ..
وتحدث بإعجاب بالغ عن تلك المرحلة ..
قال إنها كانت من أجمل سنوات عمره ..
وتحدث عن الانضباط ..
والجدية ..
والاحترام الكبير الذي كان يبديه الطلاب لمعلميهم ..
ثم ذكر أسماء شخصيات كثيرة ..
ومن بينها اسم الأمير محمد بن سلمان ..
وكان الدكتور مسفر يذكر لاحقًا أن تلك كانت أول مرة يسمع فيها هذا الاسم ..
فالحديث كان في سنوات سبقت حضوره الكبير في المشهد العام ..
ولم يكن ما لفت انتباهه الاسم فقط ..
بل ما رواه ذلك المعلم عن البيئة التربوية التي عاش فيها ..
كان يتحدث عن حزمٍ واضح ..
وانضباطٍ عالٍ ..
واحترامٍ شديد للمعلم ..
وكان يذكر أن أولياء الأمور لم يكونوا يقبلون التهاون في التربية أو التجاوز في السلوك ..
حتى إنه نقل ما كان يسمعه عن جدية الملك سلمان في تربية أبنائه وحرصه على صناعة شخصيات تتحمل المسؤولية ..
وكان يتحدث عن ذلك بإعجاب واضح ..
انتهت فقرة التعارف ..
وبقي أثرها في نفس الدكتور ..
لقد أدرك أنه أمام فريق ليس عاديًا ..
وأن نجاح البرنامج هذه المرة لن يكون أمرًا يمكن أخذه ببساطة ..
فالمشاركون ليسوا مبتدئين ..
بل معلمون يحملون حصاد سنوات طويلة من الخبرة ..
بل إن همسات كثيرة كانت تؤكد أن هؤلاء من أعلى المعلمين أجرًا في العالم ..
وأن اختيارهم يتم وفق معايير دقيقة للغاية ..
وهنا شعر أنه أمام اختبار حقيقي ..
اختبار للثقة بالنفس ..
واختبار للقدرة على التأثير ..
واختبار لمدى ما يمكن أن يقدمه أمام هذه النخبة ..
ومع ذلك بدأ برنامجه مستعينًا بالله ..
وموقنًا أن مكاسبه من هذه التجربة ستكون كبيرة مهما كانت النتائج ..
وكان يرافقه كعادته شاب اسمه عبدالرحمن ..
مدير تسويق في المركز التدريبي ..
شاب هادئ بصورة لافتة ..
محبوب ..
جدي ..
يجيد التعامل مع المواقف المفاجئة ..
حتى إن الدكتور كان يقول إنه من الأشخاص الذين تجبرك أخلاقهم على محبتهم ..
وكان عبدالرحمن يعرف كثيرًا من التفاصيل المتعلقة بالمتدربين والجهات التي يزورونها ..
ولفت انتباه الدكتور اهتمامه الكبير بهذه الشركة تحديدًا ..
وكأنه يرى فيها مكسبًا مهمًا للمركز ..
بدأ البرنامج ..
وكان التفاعل رائعًا ..
والحضور متجاوبين ..
خصوصًا أصحاب الخبرات الكبيرة ..
لكن وسط ذلك كله ..
بدأ شيء صغير يلفت انتباهه ..
شيء لا يكاد يراه أحد ..
إلا الشخص الذي يقف أمام القاعة كلها ..
كان هناك متدرب واحد ..
رجل يحمل شهادة الدكتوراه كما ذكر في التعارف ..
كان ممتلئ الجسد ..
أسمر البشرة قليلًا ..
تعلو وجهه حمرة خفيفة ..
أما شعره فكان شديد السواد ..
لامعًا بصورة لافتة ..
حتى إن أضواء القاعة كانت تنعكس عليه بوضوح ..
ومنذ الدقائق الأولى بدأ يمارس نوعًا غريبًا من السلوك ..
لم يكن يقاطع ..
ولم يكن يرفع صوته ..
ولم يكن يفعل شيئًا يمكن الإمساك به مباشرة ..
بل كان يمارس ما يمكن تسميته بالتشويش الذكي ..
كان يهمس باستمرار لمن يجلس على يمينه ..
ثم يلتفت إلى من يجلس على يساره ..
ثم يعود للأول ..
ثم للثاني ..
والأغرب أن الرجلين اللذين بجواره لم يكونا مرتاحين ..
كانت ملامحهما تقول بوضوح إنهما يريدان متابعة البرنامج ..
لكن هذا المتدرب كان يصر على إشغالهما بالحديث ..
ثم ظهر أمر آخر أكثر غرابة ..
كان يتعمد ألا ينظر إلى المدرب ..
بل يجعل وجهه في اتجاه الجدار المقابل ..
وكأنه يريد أن يقول بصمت ..
أنا غير مهتم ..
هذا البرنامج لا يمثل لي شيئًا ..
وأنت لا تمثل لي شيئًا ..
وكان ذكاؤه يكمن في أنه يفعل ذلك بطريقة لا تسمح لأحد أن يشتكي منه ..
فلو قيل له ..
ماذا فعلت؟ ..
لأجاب ببساطة ..
لا شيء ..
ولن يجد أحد دليلًا واضحًا يدينه ..
وهنا بدأت المعركة الحقيقية ..
كانت الدقائق الأولى كافية ليكتشف الدكتور أن هذا المتدرب لا يريد أن يتعلم ..
لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يُطرد ..
ولا يريد أن يُواجه ..
ولا يريد أن يُمسك عليه خطأ واضح ..
إنه يمارس نوعًا آخر من المقاومة ..
مقاومة صامتة ..
ذكية ..
مرهقة ..
تستنزف المدرب أكثر مما تستنزف القاعة ..
وفي مثل هذه اللحظات يقع كثير من الناس في الفخ ..
فبدل أن يقودوا المشهد ..
يصبحون أسرى لشخص واحد داخله ..
فتتحول القاعة كلها إلى متفرج على معركة جانبية ..
ويضيع الهدف الأساسي ..
ويضيع بقية الحضور ..
ويضيع الجهد كله ..
يقول الدكتور إنه منح الرجل قرابة عشر دقائق ..
راقبه خلالها بهدوء ..
وكانت النتيجة واضحة ..
الرجل لا يتصرف بعفوية ..
بل اتخذ قرارًا مسبقًا ..
قرار التشويش ..
وقرار العبث ..
وقرار سحب جزء من طاقة المدرب وتركيزه إليه ..
وهنا لم يكن أمامه سوى خيارين ..
إما أن ينشغل به ..
أو ينشغل بمن جاء من أجلهم ..
وكانت تلك اللحظة هي اللحظة التي استدعى فيها واحدة من الاستراتيجيات التي كثيرًا ما يستخدمها في حياته وتدريبه ..
استراتيجية يسميها ..
المربع المضغوط ..
وهي تقوم على فكرة شديدة البساطة ..
لكنها شديدة العمق ..
فكثير من المشكلات لا تهزمنا بسبب حجمها الحقيقي ..
بل بسبب الحجم الذي نعطيها إياه داخل عقولنا ..
أحيانًا تكون المشكلة صغيرة ..
لكننا نضعها في منتصف الشاشة ..
ونكبرها ..
ونعيد النظر إليها ..
ونحللها ..
ونناقشها ..
ونحملها معنا إلى البيت ..
ثم إلى النوم ..
ثم إلى العمل ..
حتى تصبح أكبر من حجمها الحقيقي بعشرات المرات ..
أما حين تُضغط ..
وتُصغّر ..
وتوضع في زاوية بعيدة من العقل ..
فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على السيطرة ..
وكان الدكتور يقول لاحقًا وهو يشرح الفكرة ..
لو أنك فتحت برنامجًا للكتابة وجعلت حجم الخط اثنين وسبعين فسيملأ الشاشة كلها ..
أما إذا جعلته بحجم اثنين أو ثلاثة فلن تكاد تراه ..
المشكلة نفسها ..
لكن طريقة عرضها مختلفة ..
وهكذا فعل مع ذلك المتدرب ..
أدخله في مربع صغير داخل عقله ..
ثم بدأ يضغطه أكثر ..
وأكثر ..
وأكثر ..
حتى أصبح مجرد نقطة بعيدة ..
ثم عاد إلى بقية المتدربين ..
إلى الأسئلة ..
إلى التفاعل ..
إلى الضحكات ..
إلى النقاشات ..
إلى المهمة التي جاء من أجلها ..
ولم ينس الرجل تمامًا ..
لكنه لم يعد مركز عالمه ..
كان يلتفت إليه بين حين وآخر ..
كل ربع ساعة تقريبًا ..
يلقي نظرة خاطفة ..
فيجده مستمرًا في سلوكه ..
ثم يعود إلى برنامجه ..
وكأن شيئًا لم يكن ..
وهكذا انتهت الفترة الأولى ..
وحين خرج ليستريح قليلًا فوجئ بمشهد لم يكن يتوقعه ..
عبدالرحمن ..
ذلك الشاب الهادئ الذي لا يكاد يغضب ..
كان في حالة انفعال غير مألوفة ..
حتى إن الدكتور شعر للحظة أنه أمام شخص آخر ..
قال له عبدالرحمن ..
دكتور ..
هل انتهيت من هذا المتدرب؟ ..
استغرب ..
وقال ..
أي متدرب؟ ..
قال ..
الذي يجلس في المجموعة التي على يسارك ..
ذلك الرجل ..
ألا ترى ما يفعله؟ ..
ألا ترى وقاحته؟ ..
ألا ترى أنه يعطيك ظهره؟ ..
ويشوش على من حوله؟ ..
ويتعمد إفساد الأجواء؟ ..
ابتسم الدكتور ..
وقال بهدوء ..
تعال أولًا نشرب الشاي ..
ثم نتحدث ..
وحاول أن يغير الموضوع ..
بل إنه قال له ممازحًا ..
يكفي أن هذا الرجل نجح في شيء واحد ..
لقد أخرجك من هدوئك لأول مرة ..
أنا سعيد لأنني رأيت عبدالرحمن غاضبًا ..
ثم مضيا إلى البوفيه المفتوح ..
وأصر الدكتور ألا يعيد فتح المربع المضغوط ..
كان يعرف أن الحديث الطويل عن الرجل يعني إعادة تكبيره ..
وهو لا يريد ذلك ..
وعادت الفترة الثانية ..
وعاد المتدرب إلى عاداته نفسها ..
همسات ..
تعليقات جانبية ..
التفات بعيد عن المدرب ..
حضور جسدي ..
وغياب ذهني متعمد ..
لكن الدكتور بقي على قراره ..
أما عبدالرحمن فكان يغلي من الداخل ..
انتهى اليوم الأول ..
وكان من مهام عبدالرحمن أن يوصل الدكتور إلى الفندق ..
وفي السيارة بدا واضحًا أن القضية لم تغادر ذهنه ..
كان ما يزال مستاءً ..
وما يزال يشعر بالغضب ..
وما يزال يرى أن ما حدث لا ينبغي السكوت عليه ..
أما الدكتور فكان يفكر بطريقة أخرى ..
كان يشعر أن وراء هذا السلوك قصة لم تُكشف بعد ..
وأن هذا الرجل لا يشبه ما يحاول أن يظهره ..
وحين اقتربا من الفندق قال لعبدالرحمن ..
أريد منك غدًا أن تأتي مبكرًا ..
قبل البرنامج بوقت طويل ..
أريد أن نكون في القاعة قبل الجميع ..
ثم سأله ..
هل تتذكر من كان أول شخص وجدناه اليوم عندما دخلنا القاعة؟ ..
فقال عبدالرحمن ..
نعم ..
ذلك المتدرب ..
قال ..
وأنا أظن أنه سيكون هناك غدًا أيضًا ..
لذلك تعال مبكرًا ..
ولم يشرح أكثر ..
لكن بدا واضحًا أن شيئًا ما يتشكل في ذهنه ..
وفي تلك الليلة ظل يفكر ..
ليس في كيفية معاقبة الرجل ..
ولا في كيفية إحراجه أمام الآخرين ..
ولا في كيفية الانتصار عليه ..
بل في سؤال آخر ..
سؤال أكثر أهمية ..
ماذا لو لم يكن هذا الرجل مشكلة؟ ..
ماذا لو كان عرضًا لمشكلة أكبر؟ ..
ماذا لو كان السلوك مجرد قناع؟ ..
وماذا لو كان خلف القناع إنسان آخر مختلف تمامًا؟ ..
ثم جاءت اللحظة التي انقلب فيها المشهد كله ..
اللحظة التي يظن فيها كثير من المدربين أن المواجهة ستكون صدامًا ..
بينما كانت في حقيقتها محاولة لإنقاذ إنسان من نفسه ..
في صباح اليوم الثاني ..
وصل الدكتور مسفر إلى القاعة مبكرًا كما خطط تمامًا ..
وكان في داخله شعورٌ لا يكاد يخطئ ..
ذلك المتدرب سيأتي مبكرًا ..
لا يعرف لماذا كان متأكدًا من ذلك ..
لكنه كان يشعر أن الشخص الذي يقضي يومه كله في إرسال الرسائل الخفية للآخرين لا يستطيع أن يتأخر عن مسرح رسائله ..
فتح باب القاعة …
دخل الدكتور وعبدالرحمن قبل الجميع ..
وكان المشهد كما توقع تمامًا ..
القاعة ما تزال شبه فارغة ..
وأضواء الصباح الهادئة تتسلل عبر النوافذ ..
وعند البوفيه المفتوح ..
كان الرجل هناك ..
واقفًا يعطيهما ظهره ..
منشغلًا باختيار الطعام ..
يتنقل بين المعجنات وورق العنب والأطباق المختلفة في هدوء تام ..
ابتسم الدكتور في داخله ..
وقال لنفسه ..
إذن حدسي كان صحيحًا ..
ثم تقدم نحوه مباشرة ..
ولم ينتظر حتى يلتفت ..
بل اقترب منه حتى دخل في مساحته الشخصية ..
ووضع يده على كتفه ..
وقال بصوت هادئ ..
كيف حالك يا دكتور ..
كانت المفاجأة واضحة ..
ارتبك الرجل ..
والتفت بسرعة ..
وكأنه لم يكن يتوقع هذه الخطوة أبدًا ..
فهو كان ينتظر تجاهلًا ..
أو مواجهة ..
أو شكوى ..
أما هذا الاقتراب الهادئ فلم يكن ضمن حساباته ..
وكانت الرسالة الأولى قد وصلت بالفعل ..
رسالة تقول ..
أنا أراك ..
وأعرف ما تفعل ..
ولست خائفًا منك ..
ولست غاضبًا منك ..
لكنني حاضر ..
وحاضر بقوة ..
لكنني أيضًا لا أحاربك ..
وكان الدكتور يدرك جيدًا ما يسميه المختصون بالمسافات الإنسانية ..
هناك مسافة عامة ..
ومسافة اجتماعية ..
ومسافة شخصية ..
ومسافة حميمية ..
وقد اختار عمدًا أن ينتقل إلى المسافة الشخصية ..
لا ليكسر الرجل ..
بل ليكسر الجدار الذي بناه حول نفسه ..
ثم قال له جملة غريبة ..
جملة ستغير كل شيء بعد قليل ..
قال ..
يا دكتور ..
عندي شعور أنك أمس لم تكن أنت ..
بل كان هناك شخص آخر يتحدث ويتصرف بدلاً منك ..
شخص لا يشبهك ..
شخص أظن أنك ترفضه من الداخل ..
لكن لا أدري كيف استطاع أن يسيطر عليك ..
صمت الرجل ..
ثم نظر إليه طويلًا ..
وكأن أحدًا لمس شيئًا مخفيًا في داخله ..
ثم قال بهدوء مختلف تمامًا عن الأمس ..
أستاذ ..
هل يسمح وقتك أن نجلس قليلًا ..
فقال الدكتور ..
بشرط واحد ..
أن تساعدني في اختيار ألذ ما في هذا البوفيه ..
وهنا ظهرت على وجه الرجل ابتسامة مرتبكة ..
ابتسامة كانت أول إشارة إلى أن القناع بدأ يتصدع ..
وأن الحكاية الحقيقية ..
لم تبدأ بعد ..
جلسا في زاوية هادئة من القاعة ..
بعيدًا عن بقية المتدربين ..
وبعيدًا عن الضوضاء ..
وبعيدًا عن الأدوار التي كان كل واحد منهما يؤديها أمام الآخرين ..
وفي الجهة المقابلة كان عبدالرحمن يراقب المشهد من بعيد ..
تملؤه الحيرة ..
والفضول ..
والدهشة ..
فهو لا يعرف ماذا يدور ..
ولا يعرف ماذا يريد الدكتور من هذا الرجل الذي أفسد عليه هدوءه طوال اليوم السابق ..
أما الرجل نفسه فقد بدا مختلفًا تمامًا ..
اختفت نظرات التحدي ..
واختفى ذلك البرود المتعمد ..
واختفى ذلك الوجه الذي كان يعطي الجدار أكثر مما يعطي المدرب ..
وكأن شخصًا آخر جلس على الكرسي ..
أو كأن القناع الذي ظل يرتديه منذ الأمس بدأ يسقط قطعةً قطعة ..
ولم يحتج الدكتور إلى أسئلة كثيرة ..
فبعض البشر حين يجدون من يصغي إليهم بصدق ..
يتحدثون ..
ويتحدثون ..
ويتحدثون ..
وكأنهم كانوا يحملون الكلمات في صدورهم منذ سنوات ..
ثم قال الرجل أخيرًا ..
يا دكتور ..
أنا شخص محبط بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ..
ثم سكت قليلًا ..
وكأنه يبحث عن طريقة يصف بها حجم ما يشعر به ..
ثم أكمل ..
أنا لا قيمة لي في هذا البلد ..
قالها بمرارة ..
لا كمن يشتكي موقفًا عابرًا ..
بل كمن يحمل هذا الشعور منذ زمن طويل ..
ثم أضاف ..
هل تعلم أنني أحمل شهادتين دكتوراه ..
ذكر الأولى التي عرف بها نفسه في فقرة التعارف ..
ثم قال ..
أما الثانية فهي في عسر القراءة ..
كان يتحدث وكأنه يقدم ملفًا كاملًا عن حياته ..
ملفًا لم يسأل عنه أحد ..
أو هكذا كان يظن ..
ثم عاد يقول ..
أنا في أسوأ حالاتي ..
أرجوك ..
ساعدني ..
كان المشهد غريبًا ..
الرجل نفسه الذي أمضى يومًا كاملًا في التشويش ..
والسخرية ..
وإرسال الرسائل المستفزة ..
يجلس الآن طالبًا المساعدة ..
ولم يكن في صوته تكلف ..
ولا تمثيل ..
ولا محاولة لكسب التعاطف ..
بل كان هناك ألم حقيقي ..
ألم شعر به الدكتور وهو يستمع إليه ..
ومع ذلك لم يذهب إلى المواساة المباشرة ..
ولم يندفع إلى تقديم الحلول ..
بل بدأ من النقطة التي يعرف أنها الأكثر أهمية ..
نقطة المواجهة مع الذات ..
فقال له ..
اسمح لي بسؤال ..
قال ..
تفضل ..
قال ..
كم مدربًا قبلي مارست معه الأسلوب نفسه الذي مارسته معي بالأمس ..
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة ..
وكأنه يعرف الإجابة مسبقًا ..
ثم قال ..
كثير ..
قال الدكتور ..
وهل نفعك ذلك ..
سكت قليلًا ..
ثم قال ..
للأسف لا ..
قال ..
إذن لماذا تستمر ..
لماذا لا تجرب طريقة أخرى ..
لماذا لا تحاول أن تثبت نفسك بطريقة إيجابية ..
نظر إليه الرجل باستغراب ..
وقال ..
وهل سيفيد ذلك ..
فقال الدكتور ..
أنت جربت الطريق السلبي مرات كثيرة ..
وقلت بنفسك إنه لم ينفع ..
فلماذا لا تعطي الطريق الآخر فرصة ..
ماذا ستخسر ..
كان السؤال بسيطًا ..
لكن أثره بدا واضحًا ..
فكثير من الناس يكررون السلوك نفسه سنوات طويلة ..
ثم ينتظرون نتيجة مختلفة ..
وكأنهم يدورون في دائرة مغلقة لا يرونها ..
ثم عاد الرجل ليسأل من جديد ..
دكتور ..
هل تستطيع مساعدتي ..
وهنا جاءت الإجابة التي ربما غيرت مسار اليوم كله ..
قال له ..
نعم ..
لكن عندما تقرر أن تساعد نفسك أولًا ..
اليوم أمامك فرصة ..
فرصة أن تقدم للناس ذاتك الحقيقية ..
ذاتك الجميلة ..
أن تنزع عن نفسك ذلك القناع الذي أتعبك قبل أن يتعب الآخرين ..
أريدك أن تكون فارس هذا اليوم ..
لا متفرجًا ..
ولا معطّلًا ..
ولا مشوشًا ..
أريدك أن تكون أفضل نسخة منك ..
نظر الرجل إليه طويلًا ..
ثم قال ..
أبشر ..
كانت كلمة قصيرة ..
لكن شيئًا في نبرتها جعل الدكتور يشعر أنها صادقة ..
وكأن الرجل اتخذ قرارًا داخليًا في تلك اللحظة ..
قرارًا لم يكن يتوقع هو نفسه أن يتخذه ..
ثم قال فجأة ..
أريد أن أدرب معك ..
ابتسم الدكتور ..
وقال ..
أبشر ..
لكن أثبت نفسك أولًا ..
وأرني ما عندك ..
في تلك اللحظة ..
لم يكن الدكتور يمنحه حلًا سحريًا ..
ولا كان يعالجه نفسيًا ..
ولا كان يلقي عليه محاضرة تربوية ..
كان فقط يعيده إلى نفسه ..
وبدأ اليوم الثاني ..
وهنا حدث ما لم يكن أحد يتوقعه ..
لا الدكتور ..
ولا عبدالرحمن ..
ولا بقية المتدربين ..
ولا ربما الرجل نفسه ..
فمنذ الدقائق الأولى بدا وكأن شخصًا آخر دخل القاعة ..
الشخص نفسه ..
والملابس نفسها ..
والوجه نفسه ..
لكن الروح مختلفة تمامًا ..
اختفت الهمسات ..
واختفت النظرات الساخرة ..
واختفى التشويش ..
وحل مكانها حضور قوي ..
ومشاركة فاعلة ..
وأسئلة ذكية ..
وتعليقات عميقة ..
وأفكار لافتة ..
وبدأ الجميع يكتشفون ما كان مختبئًا خلف ذلك السلوك المزعج ..
عقلًا كبيرًا ..
ومعرفة واسعة ..
وخبرة حقيقية ..
وقدرة مدهشة على التأثير ..
وهنا حدث التحول الذي أدهش الجميع ..
اختفى الرجل الذي كان ينظر إلى الجدار ..
واختفى الرجل الذي يهمس للآخرين ..
واختفى الرجل الذي يحاول إثبات وجوده عبر التشويش ..
وظهر شخص آخر بالكامل ..
شخص مشارك ..
شخص متفاعل ..
شخص حاضر ..
شخص يقود النقاشات ..
شخص يضيف أفكارًا مدهشة ..
بل إن الدكتور اكتشف شيئًا لم يكن يعرفه ..
أن هذا الرجل لم يكن مجرد مشارك عادي ..
بل كان من أكثر الحاضرين علمًا وعمقًا وتأثيرًا ..
طاقته نفسها لم تتغير ..
وعقله نفسه لم يتغير ..
وقدراته نفسها لم تتغير ..
الذي تغير فقط هو اتجاه تلك الطاقة ..
فبعد أن كانت تُستهلك في التشويش صارت تُستهلك في البناء ..
وبعد أن كانت تُستخدم في الهدم صارت تُستخدم في الإضافة ..
وهنا يتجلى أحد أعظم الدروس التربوية ..
كثير من المشكلات السلوكية ليست نقصًا في القدرات ..
بل سوء توجيه لها ..
فبعض الطلاب الذين يرهقون معلميهم يملكون قدرات قيادية مذهلة لكنها تبحث عن منفذ خاطئ ..
وبعض الموظفين المزعجين يملكون طاقات استثنائية لكنها فقدت المعنى ..
وبعض الأبناء المتمردين ليسوا ضعفاء بل ممتلئون قوة لم تُوجَّه ..
ولذلك فإن القائد الحقيقي ليس من يكتشف الخطأ فقط ..
بل من يكتشف الإنسان المختبئ خلف الخطأ ..
حتى إن الدكتور قال لاحقًا إنه اكتشف أن الرجل كان في الحقيقة القائد الخفي للفريق كله ..
القائد الذي لم يكن ظاهرًا ..
لكنه كان مؤثرًا بصورة لا يتخيلها أحد ..
بل إن أكثر ما أدهشه لم يكن تفاعله فقط ..
بل ما فعله بعد ذلك ..
فقد أحضر ورقة ..
وكتب فيها طلبًا رسميًا ..
ثم أخذ يطوف بها على المتدربين واحدًا واحدًا ..
وكان مضمونها أن يكون الدكتور مسفر المدرب الحصري للشركة ..
وأن تستمر الاستفادة منه في برامجها القادمة ..
والأغرب أن الجميع تقريبًا تسابقوا إلى التوقيع ..
وكان الدكتور يمزح لاحقًا وهو يروي القصة قائلاً ..
إلى اليوم لا أدري ..
هل وقعوا إعجابًا بي ..
أم خوفًا منه ..
لكن النتيجة كانت أن الورقة امتلأت بالتواقيع ..
وامتلأت القاعة بطاقة مختلفة تمامًا ..
ولم يعد الرجل مصدر تشويش ..
بل أصبح أحد أهم أسباب النجاح ..
أما عبدالرحمن ..
فقد كان يعيش حالة أخرى تمامًا ..
كان ينظر إلى الرجل وكأنه لا يصدق ما يراه ..
هل هذا هو الشخص نفسه ..
هل هذا الذي كان بالأمس يعطي وجهه للجدار ..
هل هذا الذي كان يشوش على من حوله ..
هل هذا الذي أشعل غضبه حتى كاد يخرجه عن هدوئه المعروف ..
وحين انتهى البرنامج ..
وغادر الجميع ..
التفت إلى الدكتور وقال بذهول صادق ..
دكتور ..
ماذا فعلت بالرجل ..
أقسم بالله أنه ليس الشخص نفسه ..
ماذا صنعت به ..
فضحك الدكتور ..
وقال ..
ألم تنتبه ..
قال ..
إلى ماذا ..
قال ..
أنا لم أخبرك أن لي مهنة أخرى ..
أنا لست مدربًا فقط ..
أنا ساحر محترف ..
أما رأيت الطحين الذي نثرته فوق رأسه صباحًا ..
فضحك عبدالرحمن ..
وقال ..
دع المزاح جانبًا ..
وأخبرني ..
ماذا فعلت فعلًا ..
وهنا عاد الدكتور إلى الجواب الحقيقي ..
الجواب الذي يلخص القصة كلها ..
قال ..
لم أفعل شيئًا خارقًا ..
كل ما في الأمر أنني وجدت شخصًا مبدعًا ..
لكنّه لم يجد التقدير الذي كان ينتظره ..
فاستبدل الإبداع بالتخريب ..
واستبدل التأثير بالتشويش ..
واستبدل البناء بالاعتراض ..
وكل ما فعلته ..
أنني حاولت أن أعيده إلى فطرته ..
إلى نفسه الحقيقية ..
إلى ذلك الإنسان الذي ضاع خلف طبقات من الإحباط ..
ثم سكت قليلًا ..
وأضاف بصوت هادئ يحمل خلاصة سنوات طويلة من الخبرة ..
ما أصعب الحياة ..
حين يفقد الإنسان نفسه ..
وما أصعبها أكثر ..
حين يعجز عن حل مشكلاته ..
فبعض الناس لا تهزمهم الظروف ..
ولا تهزمهم قلة القدرات ..
ولا تهزمهم قلة الفرص ..
بل يهزمهم ذلك الشرخ الصغير الذي يتسع داخلهم شيئًا فشيئًا ..
حتى يصبحوا غرباء عن أنفسهم ..
وحينها لا يعودون يرون العالم كما هو ..
بل كما تمليه جراحهم ..
وعندها قد يتحول المبدع إلى معطل ..
وصاحب الرسالة إلى ناقد دائم ..
وصاحب التأثير إلى مصدر تشويش ..
لا لأنه سيئ ..
بل لأنه تائه ..
ولهذا ظل الدكتور يتذكره سنوات طويلة باسم واحد ..
الدكتور التائه ..
ولعل هذا الموقف كله كما يراه الدكتور مسفر القحطاني ..
لا ينبغي أن يُقرأ فقط كقصة داخل قاعة تدريب ..
بل كنافذة أوسع على معنى أن تكون مدربًا ..
فالتدريب ليس لحظة إلقاء ولا مهارة عرض فقط ..
بل هو منظومة عظيمة من المهارات الكبيرة والنوعية ..
من يخطط ليكون مدربًا يجب أن يفهم نقطة مهمة جدًا ..
أن عليه أن يحدد المستوى الذي يريد أن يضع نفسه فيه ..
هل يريد القمة والمال والشهرة ..
أم يريد حضورًا عاديًا يمر مع الوقت ..
أم يكتفي بصورة شكلية لمدرب دون أثر حقيقي ..
فلكل خيار ثمنه الكامل ..
فمن يريد القمة ..
عليه أن يدفع المقابل كاملًا ..
من الوقت ..
ومن الجهد ..
ومن المال ..
ومن السهر ..
ومن التعلم المستمر ..
ومن إعادة بناء نفسه كل مرة أمام جمهور جديد ..
ومن مراجعة أخطائه بعد كل تجربة ..
ومن تطوير أدواته بلا توقف ..
ومن تحمل ضغط التوقعات العالية ..
أما من يريد أن يكون “بين بين” ..
فله أيضًا نتيجة “بين بين” ..
حضور غير ثابت ..
وتأثير محدود ..
وصوت يسمع لحظة ثم يختفي ..
أما من يختار أن يكون مدربًا كرتونيًا ..
مجرد شكل بلا عمق ..
وصورة بلا أثر ..
فهذا طريقه أسهل في البداية ..
لكن أثره يختفي بسرعة ..
لأن الجمهور لا يحتفظ إلا بما يلمسه بصدق ..
ثم تأتي الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها ..
حسب قيمة الهدف وحجمه يكون المقابل ..
فكل أثر عظيم خلفه ثمن عظيم ..
وكل تأثير عابر خلفه جهد عابر ..
ولذلك لم يكن ما حدث داخل تلك القاعة مجرد مواجهة مع متدرب ..
بل كان مواجهة مع معنى أعمق ..
معنى أن يكون المدرب قادرًا على قراءة الإنسان ..
لا مجرد إدارة القاعة ..
وأن يكون قادرًا على تحويل السلوك من ضجيج إلى رسالة ..
ومن مقاومة إلى طاقة ..
ومن فقدان معنى إلى استعادة ذات ..
وهنا فقط نفهم أن التدريب الحقيقي ليس ما يُقال في القاعة ..
بل ما يتغير في الإنسان بعدها .
ولم يكن الدكتور يدرك يومها أن هذه الحادثة التي بدت في ظاهرها موقفًا عابرًا داخل برنامج تدريبي ستبقى عالقة في ذاكرته كل هذه السنوات ..
لا بسبب غرابة ما حدث فحسب ..
بل بسبب ما كشفه الموقف من طبائع البشر ..
وتعقيدات النفس الإنسانية ..
وأسرار التأثير والتربية والقيادة ..
فبعض المواقف تنتهي بانتهاء يومها ..
وبعضها يظل يفتح للإنسان أبوابًا جديدة من الفهم كلما عاد إليه وتأمله من زاوية مختلفة ..
**وهنا تنتهي الحكاية كما وقعت بأحداثها وتفاصيلها وشخوصها ..
لا كما نتمنى أن تكون ..
ولا كما نحب أن نتذكرها ..
بل كما عاشها أصحابها بكل ما فيها من ارتباكٍ وألمٍ ومحاولةٍ وفهمٍ وتحول ..
غير أن قيمة المواقف العظيمة لا تتوقف عند حدود سردها ..
فبعض القصص تنتهي أحداثها في دقائق أو أيام ..
بينما تبدأ دلالاتها الحقيقية بعد ذلك بسنوات ..
ولهذا فإن ما سبق لم يكن سوى الرواية الكاملة للمشهد ..
أما الرحلة الأعمق فتبدأ الآن ..
رحلة التأمل في ما وراء الكلمات ..
وقراءة ما اختبأ خلف السلوك ..
واستخراج الدروس التي تتجاوز شخصًا واحدًا أو قاعة تدريب واحدة لتصل إلى المدرسة والجامعة والأسرة والمؤسسة ..
بل وإلى كل موقع يقف فيه إنسان مسؤولًا عن إنسان آخر ..**
وإذا كانت الحكاية قد انتهت عند هذا الحد من حيث الوقائع والأحداث ..
فإن معانيها الحقيقية لم تبدأ إلا بعد ذلك ..
فالقصة التي تبدو للوهلة الأولى قصة متدرب مشاغب ومدرب نجح في احتوائه ..
تخفي وراءها طبقات أعمق بكثير تتعلق بالنفس البشرية والتربية والقيادة وصناعة الإنسان ..
حين لا تكون المشكلة في السلوك… بل في الجرح الذي يقف خلفه ..
لو توقفنا عند ظاهر القصة لبدت لنا حكاية مدرب واجه متدربًا مشاغبًا ثم نجح في احتوائه ..
لكن هذه القراءة السطحية تظلم الموقف كثيرًا ..
فالقصة في حقيقتها لم تكن عن التشويش ..
ولم تكن عن التدريب ..
ولم تكن حتى عن إدارة قاعة تعليمية ..
القصة كانت عن سؤال إنساني عميق ..
ماذا يحدث للإنسان حين يشعر أنه غير مرئي؟ ..
فهذا المتدرب لم يكن جاهلًا ..
ولم يكن محدود الخبرة ..
ولم يكن ضعيف القدرات ..
بل كان يحمل شهادتين للدكتوراه ..
ويمتلك معرفة واسعة ..
ويملك من القدرات ما جعله في اليوم الثاني يتحول إلى أكثر المشاركين تأثيرًا وحضورًا ..
لكن المشكلة لم تكن في قدراته ..
كانت في المسافة المؤلمة بين ما يعتقد أنه يستحقه من تقدير ..
وما يشعر أنه يحصل عليه في الواقع ..
وهذه الفجوة تحديدًا هي التي تصنع كثيرًا من السلوكيات التي نخطئ في تفسيرها داخل المدارس والجامعات والمؤسسات ..
فكم من طالب نصفه بالمشاغب بينما هو في الحقيقة يصرخ طلبًا للاعتراف بوجوده ..
وكم من معلم نصفه بالصعب بينما يحمل في داخله سنوات من الإحباط لم يسمعها أحد ..
وكم من موظف نصفه بالمعارض بينما هو في الأصل شخص يشعر أن خبرته لا تجد مكانها الطبيعي ..
إن الإنسان حين يعجز عن التعبير عن ألمه بصورة ناضجة ..
كثيرًا ما يعبر عنه بصورة مزعجة ..
وهنا تبدأ واحدة من أهم القضايا التربوية في هذا الموقف كله ..
فالمربي الناجح لا يكتفي برؤية السلوك ..
بل يحاول رؤية ما وراء السلوك ..
لأن السلوك في كثير من الأحيان ليس المشكلة ..
بل هو العرض الظاهر لمشكلة أعمق ..
فالطفل الغاضب ليس دائمًا طفلًا سيئًا ..
والمراهق المتمرد ليس دائمًا مراهقًا فاسدًا ..
والمعلم المستفز ليس دائمًا إنسانًا شريرًا ..
بل قد يكون كل واحد منهم يحمل قصة لا يراها أحد ..
وهنا تظهر عبقرية ما فعله الدكتور مسفر ..
فهو لم يدخل مع الرجل في معركة كسر إرادات ..
ولم يحاول فضحه أمام الآخرين ..
ولم يستخدم سلطته داخل القاعة التدريبية لإسكاته ..
بل اختار طريقًا أصعب بكثير ..
طريق الفهم ..
لأن العقوبة قد توقف السلوك ..
أما الفهم فقد يغير الإنسان نفسه ..
وهذا هو الفرق بين من يدير الناس ..
ومن يبني الناس ..
ومن أجمل ما يكشفه هذا الموقف أن كثيرًا من الطاقات المهدرة في المؤسسات ليست طاقات ناقصة ..
بل طاقات تائهة ..
فالفرق بين الشخص الذي كان يهمس ويشوش في اليوم الأول ..
والشخص الذي قاد التفاعل في اليوم الثاني ..
لم يكن فرقًا في الذكاء ..
ولا في الخبرة ..
ولا في الشهادات ..
ولا في الإمكانات ..
كل ما تغير هو الاتجاه ..
وهنا تبرز حقيقة تربوية خطيرة ..
**ليست كل الطاقات تحتاج إلى زيادة ..
بعض الطاقات تحتاج فقط إلى إعادة توجيه ..**
فالمدرسة التي تفقد طالبًا موهوبًا بسبب الإهمال تخسر ثروة ..
والإدارة التي تهمل موظفًا مبدعًا حتى يتحول إلى مصدر إزعاج تخسر ثروة ..
والأسرة التي لا ترى قدرات أبنائها إلا بعد فوات الأوان تخسر ثروة ..
لأن الطاقة إذا لم تجد طريقها إلى البناء ..
قد تبحث عن طريق آخر لإثبات وجودها ..
وهذا ما حدث تمامًا مع الدكتور التائه ..
فهو لم يتوقف عن التأثير ..
لكنه انتقل من التأثير الإيجابي إلى التأثير السلبي ..
ومن البناء إلى التشويش ..
ومن الإبداع إلى الاحتجاج ..
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يشغل كل قائد تربوي ليس ..
كيف أوقف السلوك المزعج؟ ..
بل ..
كيف أكتشف القيمة المختبئة خلف السلوك المزعج ؟ ..
لأن هناك فرقًا هائلًا بين من يطفئ الحريق ..
ومن يمنع اشتعاله من الأصل ..
ثم إن الموقف يفتح بابًا آخر لا يقل أهمية ..
باب القيادة ..
فالناس كثيرًا ما يظنون أن القيادة تعني الحزم فقط ..
أو اللين فقط ..
بينما يكشف هذا الموقف أن القيادة الحقيقية هي القدرة على الجمع بين الأمرين ..
فالدكتور حين وضع يده على كتف الرجل لم يكن متوسلًا رضاه ..
ولم يكن خائفًا منه ..
ولم يكن يحاول استرضاءه ..
لقد أثبت حضوره أولًا ..
ثم أظهر تعاطفه ثانيًا ..
وهذا درس بالغ الأهمية لكل مدير مدرسة ..
ولكل قائد تربوي ..
ولكل أب وأم ..
فالتعاطف بلا قوة قد يُفهم ضعفًا ..
والقوة بلا تعاطف قد تُفهم قسوة ..
أما حين تجتمع القوة مع الرحمة ..
فإنها تصنع التأثير الذي يدوم ..
وهذا ما يفسر لماذا تحترم الشعوب قادتها العظام ..
ولماذا تبقى بعض الشخصيات التربوية حاضرة في الذاكرة لعقود ..
لأنها لم تكن قاسية فقط ..
ولم تكن لطيفة فقط ..
بل كانت عادلة وقوية ورحيمة في الوقت نفسه ..
وهذا هو التوازن الأصعب ..
وهو التوازن الذي يصنع الرجال ..
ويبني المؤسسات ..
ويصنع الأوطان ..
.غير أن هذه الدروس كلها لا تزال تقف عند ظاهر المشهد ..
أما إذا أردنا أن ننفذ إلى العمق الحقيقي للحكاية ..
فسنجد أن هناك أسئلة أكبر من التدريب ..
وأبعد من القاعة ..
وأعمق من ذلك الموقف كله ..
لأن الدكتور مسفر نفسه لم يكن يقصد أن يروي قصة رجل مشاغب في دورة تدريبية ..
بل كان يفتح نافذة على قضية أكبر بكثير ..
كيف يفقد الإنسان نفسه ..؟
كيف يتحول الإبداع إلى تخريب .. ؟
كيف يصنع الإحباط نسخة مشوهة من أصحاب المواهب .. ؟
كيف يمكن لقائد أو مدير أو معلم أن يعيد إنسانًا إلى فطرته .. ؟
ولماذا يفشل كثير من الناس لأنهم يعالجون السلوك الظاهر ولا يلتفتون إلى الألم المختبئ خلفه .. ؟
كل هذه الأسئلة تتقاطع في نقطة واحدة .. وفي شخصية واحدة .. ذلك الرجل الذي أطلق عليه الدكتور مسفر اسم «الدكتور التائه» ..
ولعل أول ما ينبغي أن نتوقف عنده قبل أي درس تربوي أو قيادي هو سؤال جوهري :
ماذا كان يحدث داخل الدكتور التائه ؟
هنا تبدأ الإجابة الحقيقية للحكاية ..
أولًا: القراءة النفسية ..
كيف يمكن لإنسان يحمل شهادتي دكتوراه أن يصل إلى مرحلة يجلس فيها في قاعة تدريبية ويمارس التشويش المتعمد ..
هنا لا نتحدث عن نقص علم ..
بل عن جوع نفسي ..
جوع إلى التقدير ..
وجوع إلى الاعتراف ..
وجوع إلى الشعور بالقيمة ..
فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده ..
بل يعيش أيضًا بإحساسه أنه مرئي ومسموع ومقدر ..
ولهذا قال الرجل ..
أنا لا قيمة لي في هذا البلد ..
وهذه الجملة وحدها تستحق دراسة كاملة ..
لأنها تكشف أن المشكلة لم تكن في الدورة ..
ولا في المدرب ..
ولا في القاعة ..
بل في قصة أعمق بكثير كان يحملها معه أينما ذهب ..
ثانيًا: المربع المضغوط ..
وهنا يمكن استخراج واحدة من أجمل الأفكار القيادية والتربوية التي طرحها الدكتور مسفر ..
فكثير من المديرين والمعلمين والآباء يهزمهم شخص واحد ..
طالب واحد ..
موظف واحد ..
متدرب واحد ..
ابن واحد ..
فيتحول إلى مركز المشهد كله ..
بينما بقية الناجحين يختفون من الصورة ..
وهنا تظهر عبقرية المربع المضغوط ..
فالمشكلة ليست في حجم المشكلة ..
بل في المساحة التي نعطيها لها داخل عقولنا ..
ثالثًا: لماذا نجحت المواجهة؟ ..
لأن الدكتور لم يختر أحد الطريقين الشائعين ..
لا التجاهل الأبدي ..
ولا المواجهة العدوانية ..
بل اختار ما يمكن تسميته ..
الحزم الرحيم ..
اقترب منه ..
لامس كتفه ..
كسر الحاجز ..
أثبت حضوره ..
ثم فتح باب الحوار ..
أرسل له رسالة مزدوجة ..
أنا لست خائفًا منك ..
وفي الوقت نفسه أنا لا أكرهك ..
وهذا من أصعب أشكال القيادة ..
رابعًا: الدرس التربوي للمدارس ..
كم طالبًا نراه مشاغبًا بينما هو في الحقيقة مجروح ..
وكم موظفًا نراه معارضًا بينما هو في الحقيقة محبط ..
وكم معلمًا نصفه بالصعوبة بينما هو في الحقيقة يشعر أنه مهمش ..
ليس كل سلوك سيئ ناتجًا عن سوء ..
أحيانًا يكون صرخة استغاثة ترتدي ثوب الإزعاج ..
خامسًا: الدرس للآباء والأمهات ..
بعض الأبناء لا يحتاجون محاضرة ..
ولا عقوبة ..
ولا صراخًا ..
بل يحتاجون شخصًا يراهم كما هم ..
تمامًا كما رأى الدكتور ذلك الرجل خلف السلوك ..
لا أمام السلوك ..
سادسًا: الدرس للقيادات العليا ..
في المؤسسات الكبرى لا تخسر المواهب غالبًا بسبب ضعف الكفاءة ..
بل بسبب سوء إدارة التقدير ..
فالطاقة البشرية إذا وجدت الاعتراف ازدهرت ..
وإذا فقدته قد تتحول من البناء إلى المقاومة ..
ومن العطاء إلى الانسحاب ..
ومن الإبداع إلى التشويش ..
ولهذا فإن أعظم القادة ليسوا من يكتشفون الموهوبين فقط ..
بل من يعرفون كيف يحافظون عليهم قبل أن يتحول إحباطهم إلى معاول هدم لأنفسهم ولغيرهم ..
سابعًا: لماذا أعاد الدكتور القصة؟ ..
وهنا نعود إلى المقدمة الجميلة التي تحدث فيها عن والده ..
وعن تكرار القصص ..
وعن متعته وهو يسمع القصة نفسها مرة بعد مرة ..
فالقصص العظيمة لا تتكرر لأن الناس نسوها ..
بل لأنها لم تستنفد معانيها بعد ..
ولهذا تكررت مواقف الأنبياء ..
وتكررت الأمثال ..
لأن الإنسان كلما نضج عاد إلى القصة نفسها فوجد فيها معنى جديدًا لم يكن يراه من قبل ..
ولهذا لم يكن الدكتور يعيد القصة ..
بل كان يعيد اكتشافها ..
ويمنحنا فرصة جديدة لاكتشافها معه ..
ولعل من أعجب ما نتعلمه من مثل هذه المواقف أن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الناس كما ينظر بعضهم إلى بعض ..
فقد يرى الناس سلوكًا منفّرًا ..
ويرى الله قلبًا مثقلًا بالألم ..
وقد يرى الناس إنسانًا فاشلًا أو مزعجًا ..
بينما يكون في داخله خير كثير لم يجد من يوقظه أو يدلّه على الطريق .. والجميل أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق إنسانًا عبثًا ..
فكل نفس أودع الله فيه طاقة ..
وكل قلب أودع الله فيه خيرًا ..
وكل إنسان يحمل بابًا من أبواب النفع قد لا يراه الناس ..
لكن بعض تلك الأبواب تغلقها خيبات متراكمة ..
أو كلمات جارحة ..
أو شعور طويل بالخذلان و عدم التقدير ..
فيأتي من يوقظ ما أودعه الله فيه ..
لا بالتعنيف
ولا بالإقصاء
بل بكلمة طيبة
وقد صدق الله تعالى حين قال :
﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾
فكم من كلمة أحيت قلبًا
وكم من كلمة أعادت إنسانًا إلى نفسه .
ولذلك كانت رسالة الأنبياء والمربين والمصلحين عبر التاريخ أعمق من مجرد معالجة الأخطاء ..
لقد كانت محاولة دائمة للوصول إلى الإنسان المختبئ خلف تلك الأخطاء ..
وإعادته إلى فطرته التي فطره الله عليها ..
وربما لم يكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الحكاية أن الدكتور التائه تغيّر خلال ساعات قليلة ..
بل أن رجلاً واحدًا قرر أن ينظر خلف السلوك بدلًا من أن يحاكمه ..
فبينما كان الجميع يرى متدربًا مشاغبًا ..
كان هناك من يرى إنسانًا ضائعًا يبحث عن نفسه ..
وهنا يكمن الفرق بين الإدارة والقيادة ..
وبين العقاب والإصلاح ..
وبين من يكتفي بوصف المشكلة ..
ومن يجرؤ على البحث عن جذورها ..
فكم من موهبة ضاعت لأنها لم تجد من يفهمها ..
وكم من قائد وُلد لأن أحدًا منحه فرصة جديدة ..
وكم من إنسان كان يمكن أن يصبح عبئًا على من حوله ..
لولا أن أحدهم آمن أن خلف الضجيج روحًا تستحق الإنصات ..
ولعل السؤال الذي يبقى بعد انتهاء القصة كلها ليس ..
كيف تعامل الدكتور مع المتدرب ..
بل ..
كم شخصًا حولنا اليوم يبدو مزعجًا في الظاهر ..
بينما يخفي في داخله قصة لم يسمعها أحد بعد .. ؟؟
وهنا تنتهي الحكاية
لكن الدرس الحقيقي يبدأ من هنا ..
لأن المتدرب التائه لم يكن شخصًا واحدًا يجلس في قاعة تدريب بإحدى شركات البترول ..
بل ربما يسكن في مدرسة
أو إدارة تعليم
أو وزارة
أو مؤسسة
أو بيت
أو ربما يسكن داخل بعضنا دون أن نشعر ..
فكم من طالب تحوّل إلى مصدر إزعاج لأنه لم يجد من يرى قيمته ؟
وكم من معلم أرهق مدرسته لأنه شعر أن أحدًا لا يقدّر ما يملك ؟
وكم من موظف استبدل الإبداع بالاعتراض ؟
وكم من قائد خسر أعظم رجاله لأنه رأى الخطأ ولم ير الإنسان المختبئ خلف الخطأ ؟
و صدقوني لم تكن القصة في حقيقتها قصة مدرب ومتدرب ..
ولا قصة برنامج تدريبي انتهى بنجاح ..
ولا قصة رجل كتب ورقة وجمع عليها التواقيع ..
بل كانت قصة إنسان كاد أن يضيع من نفسه ..
وقصة موهبة عظيمة كانت تستنزف قوتها في الاتجاه الخطأ ..
وقصة كلمة صادقة وصلت إلى قلب لم يكن ينتظر من يسمعه ..
فما أكثر الذين يبدون لنا مصدر إزعاج ..
بينما هم في الحقيقة مصدر ألم .
وما أكثر الذين نحكم عليهم من ظاهر سلوكهم ..
بينما لو اقتربنا قليلًا لاكتشفنا أن خلف الضجيج قصة لم تُروَ بعد ..
ولعل أعظم ما حدث في ذلك الصباح ..
أن الرجل لم يتغير إلى شخص آخر ..
بل عاد إلى الشخص الذي خلقه الله عليه أول مرة ..
عاد إلى فطرته ..
وربما لهذا السبب لا تنتهي هذه الحكاية عند ذلك الصباح .. فالدكتور التائه لم يكن رجلًا واحدًا في قاعة تدريب .. بل رمزًا لكل إنسان أضاع الطريق إلى نفسه ثم انتظر من يمد له يدًا تعيده إليها ..
ولعل السؤال الذي يبقى مع القارئ بعد أن يطوي هذه الصفحة ليس : ماذا فعل المدرب بذلك المتدرب ؟ .. بل : كم شخصًا نعبره كل يوم ونحكم عليه من ظاهر سلوكه .. بينما كان يحتاج فقط إلى من يفهم ألمه قبل أن يحاكم تصرفاته ؟ .. وكم “دكتورًا تائهًا” ما زال حولنا اليوم ينتظر من يراه كما هو .. لا كما يبدو ؟
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

ولمن أراد أن يعود إلى الحكاية في صورتها الأصلية .. كما رواها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بنفسه .. وبكلماته التي خرجت من تجربته المباشرة .. فسيجدها في الرابط الآتي ..
أثر لاينسى
جدة
السبت ٥ محرم ١٤٤٨
٢٠ يونيو ٢٠٢٦

