وسط الفحيح 🐍 يولد الضوء✨

screenshot ٢٠٢٦٠٦٢١ ٠١٥٢٤٣ gallery


بعض الحوارات تبدأ بفكرة .. ثم تنتهي بمقال ..
وبعض المجالس تبدأ برسالة عابرة في مجموعة واتساب .. ثم تتسع شيئاً فشيئاً حتى تتحول إلى مرآة تعكس طبائع البشر وأحلامهم وانكساراتهم ونجاحاتهم وأسرار تأثيرهم في الحياة ..
كان الحديث في بدايته بسيطاً ..
دعا الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني أعضاء المجموعة (مدربون ومدربات مبدعات ) إلى أن يصنع كل واحد منهم نسخته الجديدة .. وأن يفتش عن محيطه الأزرق الخاص الذي يميزه عن الآخرين .. وأن يكف عن استهلاك عمره في تقليد الآخرين أو مقارنتهم ..
قال إن الناس تميل بطبيعتها إلى النسخ الأصلية .. أما النسخ المقلدة فسرعان ما تتلاشى ..
وقال إن المقارنة الحقيقية ليست بيني وبين غيري .. بل بيني وبين نفسي ..
بين نسخة الأمس ونسخة اليوم ..
وبين أنا التي كنتها… وأنا التي أسعى لأن أكونها ..
ومن هنا بدأت الحوارات تتدفق ..
تحدثت الأستاذة عائشة الزهراني عن ضرورة مغادرة منطقة الراحة والتعرف على الإمكانات الكامنة داخل الإنسان ..
ورأت الأستاذة جواهر المراغي أن الإنسان خُلق ليترك أثراً .. وأن الفكرة الواعية قد تتحول إلى دوائر واسعة من التأثير تشبه الحجر حين يسقط في الماء الراكد ..
أما الأستاذة حصة الحربي فلفتت الانتباه إلى قضية بالغة الأهمية؛ فالأفكار وحدها لا تصنع النجاح، وإنما يحسم الأمر أولئك الذين يحولون أفكارهم إلى أفعال، أما المترددون فيبقون أسرى المسافة الفاصلة بين الرغبة والتنفيذ ..
وكانت تلك الفكرة بذاتها هي البذرة الأولى التي ستنمو لاحقاً داخل الحوار كله ..
وبينما كان الجميع يتحدث عن النسخ الجديدة من الذات .. وعن الإنجازات التي ينبغي أن تكتب في سجل كل عام .. وقع حدث صغير في ظاهره .. كبير في معناه ..
دخل إلى المجموعة الأستاذ علاء ..
لم يدخل حاملاً شهادة يلوّح بها .. ولا ألقاباً يضعها أمام اسمه ..
ولم يدخل مزهواً بلقب أو جائزة ..
بل دخل ومعه قصة نجاح هادئة تشبه أصحابها ..
دخل بهدوء يشبه كثيراً أولئك الذين يقضون سنوات طويلة في العمل قبل أن يراهم الناس ..
رحب به الجميع ..
رحبت به الأستاذة شريفة الغامدي، والأستاذة مها الشهري، والأستاذة سناء العليوي، والأستاذة سارة الحربي، والأستاذة حياة، والأستاذة صباح المولد، والأستاذة أمينة المحمود، وغيرهن من المبدعات ..
أما الدكتور مسفر القحطاني فاستعاد سنوات مضت حين وصفه بأنه من أبرز معلمي الصفوف الأولية علماً وخلقاً وجمال نفس ..
ثم بدأ الأستاذ علاء يتحدث عن تجربته ..
خمسون كتاباً ..
قراءة وتلخيصاً واستنباطاً ..
مراحل من التصفية ..
ولجان مناقشة ..
وساعات طويلة من الحوار المعرفي والنقدي ..
حتى انتهت الرحلة بحصوله على المركز الأول ..

img 20260620 wa0053(1)


وهنا بدت المفارقة الجميلة ..
ففي الوقت الذي كان الجميع يتحدث عن صناعة النسخة الجديدة من الذات .. كان أمامهم نموذج حي لإنسان لم يكتف بالحديث عن التطوير .. بل عاشه خطوة خطوة ..
لم يكن الأستاذ علاء ضيفاً على الفكرة ..
بل كان أحد أجوبتها ..
وفي أثناء الحديث .. لم تكتفِ الأستاذة أمينة محمد المحمود بالتهنئة أو الثناء .. بل اختارت أن تُجسّد فكرة النجاح في صورة بلاغية آسرة .. وكأنها تعيد للأفكار حياتها الأولى قبل أن تصبح إنجازات ..
فكتبت أن الفكرة ليست سوى بذرة .. وأن القرار هو لحظة غرسها .. والعمل هو سقيها .. والصبر رعايتها .. والإصرار حمايتها .. أما الإنجاز فهو الثمرة التي يراها الناس في النهاية ..
ثم ختمت تصويرها البليغ بأن الأفكار التي تبقى حبيسة الأذهان دون عمل .. مصيرها الذبول كما تذبل البذور التي لم تجد أرضاً تُزرع فيها ..

gemini generated image phgugephgugephgu


وكانت تلك الصورة البلاغية تختصر رحلة الأستاذ علاء نفسها .. بل تختصر رحلة كل إنجاز حقيقي .. فالثمرة التي يراها الناس في لحظة التتويج ليست إلا آخر ما في الحكاية .. أما أولها فبذرة صغيرة آمن بها صاحبها حين لم يكن يراها أحد ..
لكن الحوارات لا تكشف دائماً عن الضوء فقط ..
أحياناً تكشف عن الظلال أيضاً ..
ومن هنا ظهرت الشخصية التي أطلق عليها الدكتور مسفر اسم “الحية” ..
لم تكن حية بالمعنى الحرفي ..
بل نموذجاً بشرياً يتكرر في أماكن كثيرة ..
في المؤسسات ..
وفي بيئات العمل ..
وفي المجتمعات المهنية ..
وفي مجموعات التواصل ..
شخص لا يبني شيئاً بيده .. لكنه يتقن هدم ما يبنيه الآخرون ..
شخص لا ينافسك بالإنجاز .. بل يحاول إقناعك بأن تتوقف عن الإنجاز ..
وروى الدكتور مسفر قصة إحدى المشاركات التي كانت حاضرة بقوة وتأثير .. ثم اختفت فجأة ..
وعندما سألها بعد غياب طويل .. اكتشف أنها انسحبت بسبب كلمات نقلتها إليها إحدى النساء وأوحت لها بأنها غير مرحب بها
..

كلمة واحدة فقط ..
لكنها كانت كافية لتزرع الشك ..
وكثيراً ما تبدأ الهزائم الكبيرة بمثل هذه الكلمات الصغيرة ..
هنا انفتح باب عميق من التأمل ..
تحدثت الأستاذة جواهر عن ضرورة ألا يسمح الإنسان لأحد بأن يوقفه أو يعيده إلى الخلف ..
وتحدثت الأستاذة وداد حديثاً صادقاً عن تجربة شخصية مرت بها حين واجهت التقليل والتشكيك والسخرية في بدايات مشاركاتها المهنية ..
كانت تراجع معلوماتها وتبحث عن مصادرها وتبذل جهدها ..
لكن السخرية المتكررة بدأت تسرق منها ثقتها بنفسها ..
حتى انتهى الأمر بانسحابها ..
ثم احتاجت سنوات لتكتشف أن المشكلة لم تكن في قدراتها ..
بل في الطريقة التي سمحت بها للآخرين أن يعيدوا تعريفها أمام نفسها
..
وكانت عبارتها من أجمل ما قيل في الحوار كله ..
“لم أفقد شخصيتي .. بل فقدت نسختي الساذجة واكتسبت نسخة أكثر وعياً .”
وفي هذه الجملة وحدها تختبئ رحلة كاملة من النضج ..
ثم جاء الأستاذ علاء مرة أخرى ..
لكن هذه المرة من زاوية أخرى ..
لم يتحدث عن الجوائز ..
ولم يتحدث عن القراءة ..
بل تحدث عن الإنسان نفسه ..
عن أولئك الذين يحملون مثاليات عالية جداً ..
ثم يصطدمون بواقع أقل مثالية مما يتخيلون ..
كيف يتحول بعضهم من الحلم إلى القسوة ..
ومن التوقعات الجميلة إلى الإحباط ..
ومن الإحباط إلى إيذاء الآخرين ..
وكأنه كان يقدم تفسيراً مختلفاً للحية ..
فربما ليست كل الحيات شراً خالصاً ..
ربما بعضها جروح قديمة لم تجد طريقها الصحيح للشفاء ..
وربما بعض السموم تبدأ من أحلام جميلة انكسرت بطريقة خاطئة ..
ومع امتداد الحوار ..
بدأت الأفكار تتشابك بطريقة مدهشة ..
الأستاذة صباح المولد تحدثت عن أثر القادة في تشكيل البيئات ..
والأستاذة أمينة صاغت قاعدة قيادية عميقة حين قالت :
“النتائج ليست انعكاساً لقدرات الأفراد فقط .. بل انعكاساً للبيئة التي صنعها القائد . “
ثم أضافت الأستاذة صباح عبارة لا تنسى ..
“إذا غاب المدير وجدنا أثره .”
وهنا بدا أن الموضوع كله يعود إلى نقطة واحدة ..
الأثر ..
ليس ما نفعله لأنفسنا ..
بل ما يبقى في الآخرين بعدنا ..
وفي آخر الليل ..
حين هدأت النقاشات ..
جاءت الكلمات التي ربما كانت أصدق من كل ما سبق ..
قالت الأستاذة سناء العليوي :
“أشعر بأن العطاء هنا غذاء روحي .”
وقالت الأستاذة أمينة إن بعض المجالس لا تكون مكاناً لتبادل المعلومات فقط ..
بل تتحول إلى غذاء للعقل والروح معاً ..
وقالت الأستاذة حصة الحربي:
“رب كلمة قالت لسامعها حان الوقت للانطلاق إلى فضاء الإبداع والتميز .”
ثم كتب الأستاذ علاء تأملاً جميلاً عن الإنسان الذي لا يقيس الحياة بما جمعه لنفسه ..
بل بما تسرب منه إلى الآخرين دون أن ينتبه ..
وأن ليس كل أثر يُرى فوراً ..
فبعض الناس يجعلون الحياة أقل قسوة على من حولهم ..
دون أن يدركوا حجم ما فعلوه ..
وهنا فقط اكتملت الصورة ..
فالحياة ليست خالية من الحيات ..
ولن تكون ..
وسيظل في كل مجتمع وظيفي أو معرفي أو إنساني من يتقن النفخ في الشكوك أكثر من إتقانه بناء الأحلام ..
لكن الحقيقة الأعمق أن الفحيح لم يكن يوماً هو القصة ..
القصة كانت دائماً عن أولئك الذين واصلوا السير رغم الفحيح ..
عن الإنسان الذي يقرأ خمسين كتاباً رغم المثبطين ..
وعن المرأة التي تعود للمشاركة بعد سنوات من الانكسار ..
وعن القائد الذي يزرع أثراً يبقى بعد غيابه ..
وعن الكلمة الطيبة التي توقظ همة نائمة ..
وعن مجلس معرفي يجعل أصحابه يشتاقون إليه إذا ابتعدوا عنه ..
لهذا فإن أخطر ما تفعله الحية ليس أن تنفث سمها ..
بل أن تقنعك بأن تتوقف ..
فإذا واصلت طريقك فقد هُزمت قبل أن تنتصر ..
وإذا حولت سمها إلى وعي ..
وألمها إلى خبرة ..
ومحاولاتها إلى وقود للانطلاق ..
فإن الله قد يجعل من ذلك الفحيح نفسه سبباً في رفعة لم تكن لتبلغها لولا أنه مر بك يوماً ..
ولهذا قيل :
ليس المهم أن نعيش بعيداً عن الحيات ..
فذلك مستحيل ..
ولكن المهم أن نعيش بحيث لا يتحكم فحيحها في اتجاه خطانا ..
وربما كانت المفارقة الأجمل أن هذا الحوار كله لم يبدأ بقصة حية ..
ولا بقصة فائز ..
ولا حتى بفكرة عن النجاح ..
بل بدأ بسؤال بسيط : كيف نصنع نسخة أفضل من أنفسنا ؟
ثم أخذت كل روح تضع شيئاً من تجربتها على الطاولة ..
هذا يضع نجاحه ..
وتلك تضع عثرتها ..
وآخر يضع حكمته ..
وأخرى تضع شغفها بالمعرفة ..
وهكذا اكتشف الجميع أن الإنسان لا يكبر وحده كما يظن ..
بل يكبر حين يجاور العقول التي تذكره بما يستطيع أن يكونه ..
ولعل هذا هو السر الذي جعل بعضهم يصف هذا المجلس بأنه غذاء للروح ..
فالأرواح مثل العقول تذبل في العزلة ..
وتزهر في المجالس التي يجتمع فيها العلم بالأخلاق ..
والخبرة بالتواضع ..
والحوار بالاحترام ..
ولعل أجمل ما خرج به ذلك الحوار أن الخير ما زال يعرف طريقه إلى أهله ..
وأن المعرفة حين تصاحبها الأخلاق لا تبقى معلوماتٍ متبادلة ..
بل تتحول إلى وطنٍ صغير يجد فيه الناس ما يفتقدونه خارج أسواره
..

ففي زمن يكثر فيه التشويش ..
وتعلو فيه أحياناً أصوات الفحيح التي قد تثبط همة أو تعطل عملاً أو تفسد فرحة ..
يبقى هناك أناس اختاروا طريقاً آخر ..
طريق البناء والتشجيع والإلهام ..
وليس كل طريق يخلو من الحيات ..
كما لا تخلو رحلة من العقبات ..
لكن العاقل لا ينشغل بعدِّ الأنياب بقدر ما ينشغل بزراعة الأشجار ..
فكم من فحيحٍ أرهق النفوس ..
وكم من كلمةٍ مثبطة عطلت خطوات واعدة ..
غير أن الحقيقة التي لا تتغير هي أن السم لا يصنع حياة ..
وأن الفحيح لا يبني مجداً ..
وأن ما يبقى في الأرض ليس الضجيج بل الثمر ..
ولهذا لم يكن أجمل ما في ذلك اليوم فوزُ فائز ..
ولا قصةُ جائزة ..
ولا حتى حكايةُ حيةٍ حاولت أن تبث سمها في الطريق ..
بل كان أجمل ما فيه أن المعرفة ما زالت قادرة على أن تجمع القلوب ..
وأن الكلمة الصادقة ما زالت قادرة على أن تصنع أثراً ..
وأن الإنسان حين يجد بيئة تؤمن به يصبح أكثر قدرة على أن يؤمن بنفسه ..
فإذا كان لكل أرض ما ينبت فيها ..
فإن أرض المعرفة لا تنبت إلا إنساناً أكثر وعياً ..
وأكثر رحمة ..
وأكثر قدرة على مواصلة الطريق ..
ويبقى الفحيح فحيحاً ..
ويبقى الضوء ضوءاً ..
وفي النهاية لا يتذكر الناس صوت الفحيح ..
بل يتذكرون أين وُلد الضوء ..
وسط الفحيح  ..  يولد الضوء

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى
جدة
الأحد ٦ محرم ١٤٤٨
٢١ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *