هناك مشكلات لا تؤلمنا لأنها صعبة ..
بل لأنها تكشف لنا فجأة أننا لم نكن نفهمها كما كنا نظن ..
ففي الحياة أشياء كثيرة نقترب منها بثقة .. نتحدث عنها بطلاقة .. ونوزع حولها النصائح والآراء .. حتى إذا اقتربنا من جوهرها اكتشفنا أن ما كنا نحمله ليس معرفة .. بل ظل معرفة ..
وهذا ما حدث في ذلك الحوار الثري الذي دار في مجموعة “مدربون ومدربات مبدعات” تحت إشراف الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
بدأ الأمر بسؤال بدا عابرًا .. لكنه كان كالحجر الذي يُلقى في بحيرة ساكنة فيوقظ دوائر لا تنتهي من التأمل ..
قال الدكتور مسفر القحطاني ..
“القضية في مثل هذه المواقف ليست في حلها .. بل في المنهجية العلمية المتبعة في حل المشكلة .”
ومن هنا بدأت الرحلة ..
رحلة لم تكن تبحث عن حل مشكلة بعينها .. بل عن فهم معنى أن نحل المشكلات أصلًا ..
أشار الدكتور مسفر إلى حقيقة يغفل عنها كثيرون .. أننا نواجه يوميًا عشرات .. بل مئات المشكلات التي تنتهي بمجرد اتخاذ قرار .. لكن انتهاء المشكلة لا يعني بالضرورة أننا أتقنا فن حلها ..
فقد يكون ما نراه حلاً جذريًا مجرد مسكن مؤقت .. يدفع المشكلة إلى الاختباء في الأعماق .. لتعود يومًا أكثر قوة وتشعبًا ..
التقطت الأستاذة عفاف العتيبي هذه الفكرة ببراعة حين وصفت بعض الحلول بأنها ..
“حلول أسبرينية تسكن الجرح ولا تعالجه .”
فلم يكن الحوار منذ تلك اللحظة عن الحلول .. بل عن الفرق بين التسكين والعلاج ..
ثم جاءت الأستاذة مها الشهري بقصة تربوية آسرة .. حين تحدثت عن مبادرة “نخبة المدربات الناشئات” .. وكيف استطاعت طفلة صغيرة أن تكتشف ما يغفل عنه كثير من الكبار .. عندما رفضت الاكتفاء بالتصالح الشكلي بين الطالبات .. وأصرت على البحث عن جذور المشكلة لا مظاهرها ..
وكأن الطفلة كانت تعيد بصوتها الصغير صياغة قاعدة كبرى من قواعد الحياة ..
إن المشكلة التي لا نفهم جذورها لا نملك حق الادعاء أننا حللناها ..
ومن زاوية أخرى .. وقفت الأستاذة سمر العلاوي عند مفهوم التصالح نفسه .. لتذكرنا بأن العدالة جزء من العلاج .. وأن التصالح الذي لا ينصف المظلوم قد يكون صورة أخرى من صور الظلم المؤجل ..
أما الأستاذة صباح محمد المولد فأخذت الحوار إلى منطقة أكثر إنسانية .. حين ذكّرت الجميع بأننا غالبًا نكون حكماء في مشكلات الآخرين .. لكننا نفقد كثيرًا من هذه الحكمة عندما نصبح نحن أصحاب الموقف ..
فالإنسان يرى الأشياء بوضوح ما دام يقف خارج الدائرة .. لكن الرؤية تختلف عندما يصبح داخلها ..
وفي لحظة ثرية بالتأمل .. أطل الدكتور بخيت بن محمد الشبلي من سلطنة عمان بقصتين عميقتين ..
الأولى عن تجربة “ميلغرام” الشهيرة .. التي كشفت كيف يمكن للإنسان أن يتخلى عن بعض قناعاته تحت تأثير الجهة الموجهة في التجربة .
والثانية عن تجربة أجراها بنفسه حول الصدق حين يتعارض مع مصلحة الابن ومستقبله ..
وهنا لم يعد الحديث عن حل المشكلات فقط .. بل عن الإنسان نفسه حين يصبح طرفًا في المشكلة ..
فكم من المبادئ تبدو ثابتة في أوقات الهدوء .. ثم تتغير ملامحها حين تختبرها الحياة ..؟
وتوالت المداخلات ..
الأستاذة هدى الخضير ربطت القدرة على حل المشكلات بعوامل متعددة .. منها الخبرة .. والمرونة .. وضبط الانفعالات .. والثقة بالنفس ..
والأستاذة سناء العليوي أعادت الجميع إلى القرآن الكريم .. مستحضرة سورة يوسف بوصفها مدرسة كاملة في فهم المشكلات وإدارتها واتخاذ القرار ..
بينما ركزت الأستاذة أمينة محمد المحمود على فكرة بالغة الأهمية ..
أن القرار السليم لا يُبنى على العاطفة ولا على الانطباعات .. بل على المعلومات الدقيقة وفهم الواقع كما هو لا كما نريده أن يكون ..
وكانت الأستاذة مرام اليزيدي تؤكد من جانب آخر أن الوصول إلى جذور المشكلة أهم من الانشغال بأعراضها .. وأن أفضل الحلول ليست دائمًا أسهلها ..
أما الأستاذة بلقيس “أم حسام” .. فقد كانت أسئلتها تفتح أبوابًا جديدة للحوار كلما ظن الجميع أنهم اقتربوا من النهاية ..
سألت ..
لماذا يجيد بعض الناس حل المشكلات بينما يعجز آخرون ..؟
ثم سألت ..
كيف ندرب أنفسنا على الوصول إلى جذور المشكلة ..؟
وكانت هذه الأسئلة في حقيقتها جزءًا من الجواب ..
لأن المعرفة تبدأ غالبًا من السؤال الجيد ..
لكن الذروة الحقيقية للحوار جاءت عندما انتقل الدكتور مسفر القحطاني من الحديث عن المشكلات إلى الحديث عن المعرفة نفسها ..
وهنا انكشف باب آخر أكثر عمقًا ..
باب “وهم المعرفة” ..
ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يظن أنه يعرف لأنه سمع .. أو حضر دورة .. أو قرأ ملخصًا سريعًا ..
ففرّق الدكتور بين المعرفة الأفقية والمعرفة الرأسية ..
بين أن تتحدث حول العلم .. وأن تتحدث عن العلم ..
بين أن تعرف أسماء الأشياء .. وأن تعرف حقيقتها ..
بين أن تمدح التفكير الناقد .. وحل المشكلات .. والقيادة .. وبين أن تغوص في أعماقها المعرفية حتى تلامس جذورها ..
ولهذا كان يؤكد أن علمًا بحجم “حل المشكلات” قد يحتاج سنوات طويلة لفهمه ..
لا لأن العلم معقد ..
بل لأننا اعتدنا أن نكتفي بالقشرة ونغادر قبل أن نصل إلى اللب ..
وفي ختام هذا الحوار الجميل .. جاءت كلمات الأستاذة ازدهار الحايك من قطر .. لتؤكد حقيقة يعرفها كل طالب علم صادق ..
كلما ازددنا علمًا .. ازددنا يقينًا بحجم ما نجهل ..
وهنا فقط تبدأ المعرفة الحقيقية ..
لا عندما نقول .. أعرف ..
بل عندما نقول .. ما زلت أتعلم ..
ولعل أجمل ما خرج به هذا الحوار كله .. أن المشكلة الكبرى في حياتنا ليست دائمًا نقص الحلول ..
بل وهم الاكتفاء ..
ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يظن أنه وصل .. بينما الطريق ما زال في أوله ..
فالعلم الحقيقي لا يمنح صاحبه شعور الامتلاء ..
بل يمنحه تواضع السائرين ..
وكلما اقترب من الحقيقة .. أدرك كم هي بعيدة ..
وكم هي جميلة رحلة البحث عنها .

أثر لاينسى
جدة
الأحد ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧
١٤ يونيو ٢٠٢٦

