في الحياة مواقف لا تُروى لتُنسى بل تُروى لتُفهم .. مواقف تشبه المرآة .. لا تعكس وجوه أصحابها فحسب .. بل تكشف خبايا النفوس .. وتعرّي ما استتر خلف الكلمات اللطيفة والوجوه الهادئة ..
وكم من إنسانٍ ظننّاه صفحةً بيضاء .. فإذا به كتابٌ مغلق لا يُقرأ إلا حين تضيق به السبل .. وكم من موقفٍ بدأ رحمةً .. وانتهى حكمةً .. وكأن الله — بلطفه الخفي — لا يبتلي القلوب الطيبة إلا ليُعلّمها .. أن النقاء لا يعني الغفلة .. وأن الإحسان لا يُعطى بلا بصيرة ..
كما قال تعالى:
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾
تأكيدًا على أن الأمانة في نقل الواقع وتقييمه جزء من العدل لا من المجاملة ..
ويظل الميزان في ذلك كله قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
فجمع بينهما .. فلا إحسان بلا عدل .. ولا عدل بلا إحسان .. وفي ذلك تأكيد أن القيم الكبرى لا تنفصل .. فالعدل ميزان .. والإحسان روح .. ولا يستقيم أحدهما دون الآخر في بناء القرار والضمير ..
وتتردد في ذهني آية كأنها مفتاح هذا الباب كله:
﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾
فأقول في نفسي .. بلى يا رب .. ولكن في ميزانك أنت سبحانك .. لا في موازين البشر ..
في تلك الليلة .. كنت أتصفح هاتفي بهدوء .. حتى استوقفتني كلمات كُتبت بروحٍ صادقة .. لا تُجيد التجميل بقدر ما تُجيد الصدق ..
كانت حكاية رواها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني — ذلك الرجل الذي عُرف في الميدان التربوي بحكمته .. وهدوئه .. ونظرته العميقة التي لا تقف عند ظاهر الأمور — حكاية لم تكن مجرد موقف إشرافي عابر .. بل كانت درسًا حيًّا .. يكشف طبائع البشر حين تُختبر ..
وقبل أن يبدأ تفاصيل الموقف .. أشار إلى معنى “أم عامر” .. وهي ضبعة في التراث العربي يُضرب بها المثل في الغدر والخيانة .. حتى أصبح يقال: مُجير أم عامر .. وكأن الاسم وحده يفتح بابًا من الحذر في قراءة النفوس وتقلباتها ..
ويُروى في بعض كتب التراث أن “أم عامر” كانت تُضرب مثلًا فيمن يُحسن إليه فيُقابل الإحسان بالغدر، حتى صار الاسم رمزًا للتحذير من الثقة المطلقة في من لا يُؤمَن جانبه .. فكان ذكرها في هذا السياق كأنه تمهيد نفسي لفهم طبيعة الموقف القادم .. وكيف يمكن للإحسان أن يُختبر حين يختلط بالطباع المختلفة للبشر ..
يقول — وأنا أنقل المعنى كما لامسني —:
دخلتُ أحد الفصول .. لا لأبحث عن خطأ .. بل لأقرأ واقعًا .. فإذا بي أمام معلمٍ لا يفتقد مهارة واحدة فحسب .. بل يكاد يفتقد أساس البناء كله ..
ضعفٌ علمي شديد .. وارتباك واضح .. وأخطاء فادحة في الإملاء لا تليق بمن يحمل رسالة التعليم .. خاصة في المراحل الأولى .. حيث تُبنى العقول قبل أن تُملأ ..
ومن أبسطها التاء المربوطة والهاء .. و(ال) الشمسية والقمرية .. وأخطاء لا يقع فيها حتى طالب مبتدئ ..
وكان قلقه ظاهرًا .. وكأنه يستشعر أن التقييم لن يكون في صالحه ..
شعرتُ — كما يقول — أن الموقف لا يحتاج قسوة .. بل احتواء ..
فاخترت أن أكون له سندًا لا عبئًا .. وقلت له بصدق:
“أنا معك .. حتى تتجاوز هذا الضعف.”
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية ..
بعض الناس يفسر اللطف على أنه ضعف ..
للأسف .. هناك من يرى التسهيل فرصة لا أمانة .. ومنفذًا لا مسؤولية .
فبدل أن يقابل الإحسان بالشكر والدعاء لمن أحسن إليه .. يتحول داخله إلى تفكير مختلف : كيف يمكن أن أستفيد أكثر ؟
وفي مثل هذا النوع من المواقف .. لا تكون المشكلة في الإحسان ذاته .. بل في طريقة تلقيه .
الحقيقة تظهر .. ولو بعد حين
فالتجارب وحدها كفيلة بكشف ما تخفيه النفوس دون حاجة إلى كثير من الشرح .
وهنا يتضح درس مهم :
لا تحمل هم كشف الناس .. فبعضهم يكشف نفسه بنفسه .. حين يُختبر على حقيقته .
لكن ما ظننته بداية إصلاح .. كان في حقيقته بداية اختبارٍ من نوعٍ آخر ..
لم يكن وعدًا عابرًا .. بل التزامًا أخلاقيًا ..
سترٌ على حاله .. تأجيلٌ لتقييمه .. طمأنةٌ لقلبه .. وإعطاء مساحة آمنة لينمو دون خوف ..
بل تجاوز الأمر إلى ما هو أبعد .. إخفاء ضعفه عن الإدارة .. حفاظًا على كرامته .. حتى مدير المدرسة لم يُخبر بتفاصيل مستواه الحقيقي ..
لكن السؤال الذي ظل معلقًا .. هل كل من مُنح الأمان .. استحقه ؟
مرت الأيام .. ولم يكن التغير بمستوى الأمل ..
كانت الخطوات بطيئة .. بل متثاقلة .. وكأن الراحة التي مُنحت له أصبحت قيدًا لا دافعًا ..
وهنا تظهر أولى الحقائق التي لا تُقال كثيرًا ..
بعض الناس إذا أمنتَ له الطريق .. جلس فيه .. ولم يسلكه ..
ومع ذلك .. استمر الصبر ..
حتى جاء وقت التقييم .. فكان القرار مشوبًا بشيء من المجاملة .. لا لضعفٍ في الحق .. بل رجاءً في الإصلاح ..
.لم يظهر تحسنٌ يُذكر في المرحلة الأولى ..
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان ..
شكوى .. اتهام بالظلم ..
خطابٌ كُتب ليُدافع .. فإذا به يُدين صاحبه ..
لماذا يتصرف بعض البشر بهذه الطريقة؟
ليس دائمًا الأمر نابعًا من خبثٍ خالص .. بل أحيانًا يكون مزيجًا من عوامل داخلية معقدة .. مثل :
ضعف الشخصية والهروب من تحمل المسؤولية ..
تضخم الأنا .. حيث يرفض الإنسان الاعتراف بتقصيره ..
عقلية “ الاستحقاق ” .. إذ يرى نفسه مظلومًا دائمًا حتى وهو المخطئ ..
الخوف الداخلي .. الذي يتحول بدلًا من أن يدفع للإصلاح إلى هجوم ودفاع غير متزن .
وهنا نقطة مهمة : ليس كل من أساء إليك كان قويًا .. أحيانًا يكون ضعيفًا .. لكنه اختار أسوأ طريقة للتعامل مع ضعفه .
وحين وصلت المعاملة إلى مدير التعليم .. ووُضع خط تحت بعض الكلمات وكأنه يقول: كيف يكون هذا معلمًا؟قمتُ بالتواصل مع مدير المدرسة .. وطلبتُ إبعاده عن تدريس الصفوف الأولية .. وأُبلغت المعلم بمراجعة إدارة التعليم بشأن معاملته .. في خطوةٍ هدفت إلى تصحيح المسار وحماية المصلحة التعليمية .
ولم تكن المشكلة في الاتهام فقط .. بل في شكل الخطاب ذاته .. أخطاء إملائية شنيعة في أبسط مهارات الصفوف الأولية .. حتى التاء المربوطة والهاء و(ال) الشمسية والقمرية كانت حاضرة فيه بصورة تكشف حجم الفجوة ..
ومن زاوية تربوية أعمق .. فإن مثل هذا الموقف يكشف إشكالية دقيقة في العمل التربوي ..
حين تختلط النية الإصلاحية بالقرار التقييمي دون معايير واضحة أو أدوات قياس دقيقة .. يتحول التقييم من كونه حكمًا مهنيًا إلى انطباع شخصي قابل للتأويل والاعتراض ..
فالتعامل مع ضعف المعلم لا يُبنى على الانطباع فقط .. بل على خط أساس واضح .. ومتابعة تطور حقيقية .. وخطة تطوير محددة تُقاس فيها خطوات التحسن لا مجرد الشعور به ..
مع تحقيق التوازن بين تطوير المعلم الضعيف بدل الاستغناء عنه بسرعة .. وضمان العدالة والشفافية في التقييم ..
وهنا تتجلى حقيقة يغفل عنها كثيرون عند إصدار الأحكام ..
أن من يشاهد الموقف عن بُعد لا يرى تعقيداته كما يراها من يعيشه ..
وأن القرارات التربوية ليست ردود أفعال لحظية ..
بل ترتبط بواقع إداري معقد وبدائل محدودة ومسؤولية تجاه الطلاب والمنظومة ..
فليست كل التوصيات السريعة صائبة ..
لأن ما يبدو بسيطًا من الخارج قد يكون شديد التعقيد داخل الميدان ..
حيث تتداخل مصلحة الطالب .. وإمكانات المدرسة .. وتوفر البدائل .. في آنٍ واحد ..
ولتوضيح الصورة بشكل أدق ..
فإن الحالة هنا لا تقع ضمن نطاق “الضعف التربوي المعتاد” ..
بل هي أدنى من ذلك في المهارات الأساسية ..
خصوصًا في جانب الإملاء وأبجديات التأسيس الأولى ..
وقد كانت طبيعة الأخطاء تشير إلى خلل في المهارات التأسيسية ذاتها ..
مما يجعل بقاءه في الصفوف الأولية مسألة ذات أثر مباشر على تكوين المتعلمين .. لا مجرد قصور فردي يمكن تجاوزه بسهولة ..
إبعادٌ عن تدريس الصفوف الأولية .. حمايةٌ للطلاب .. وللمرحلة التي لا تحتمل التجربة ..
لكن المفاجأة أن المعلم عندما أُبعد .. جاء متوسلًا ..
لا لأنه أدرك خطأه .. بل لأنه خسر امتيازات هذه المرحلة ..
وهنا انكشفت الحقيقة كاملة ..
لم يكن الصراع صراع تطوير .. بل صراع مكاسب ..
يقول الدكتور — بمرارة العارف —:
تعلمتُ درسًا لن أنساه ..
وأنا حين أغلقت الهاتف أدركت أنني لم أقرأ قصة .. بل مرآة ..
مرآة تُخبرنا أن الإحسان قيمة عظيمة .. لكنّه يحتاج إلى وعي ..
وأن القائد الحقيقي لا يُقاس فقط بقدر عطفه .. بل بقدر عدله أيضًا ..
وأن أمانة القرار مسؤولية يُسأل عنها الإنسان، قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» ..
فيتحول القرار التربوي من مجرد اجتهاد مهني إلى مسؤولية شرعية وأخلاقية تُقاس بالأثر قبل العاطفة ..
هذه الحكاية ليست عن معلمٍ أخطأ ..
بل عن كل إنسانٍ وُضِع في موضع ثقة .. فاختار أن يُضيّعها ..
وليست عن مشرفٍ أحسن ..
بل عن كل قائدٍ سيأتي يوم ويقف أمام هذا السؤال: هل أستمر في الاحتواء .. أم أُقدّم مصلحة الجميع؟
وهنا تكون الحكمة ..
أن تُحسن .. نعم .. لكن بعينٍ ترى .. وقلبٍ يزن .. وعقلٍ لا يغيب ..
ولو أُعيد النظر في مثل هذا الموقف تربويًا ..
لكان المسار الأكثر توازنًا يقوم على ..
مصارحة مبكرة وواضحة لمستوى المعلم دون تزييف ..
ولكن بلغة إنسانية تحفظ كرامته وتفتح له باب الأمل ..
ثم وضع خطة تطوير محددة المعالم ..
تربط الدعم بمدى الجدية الفعلية لا بمجرد النوايا ..
مع عدم الالتزام بأي وعود تتجاوز النظام أو تُضعف عدالة التقييم ..
لأن حماية المنظومة التعليمية لا تقل أهمية عن دعم الفرد ..
فالقائد هنا لا يُطلب منه أن يختار بين القسوة واللين ..
بل أن يمارس “وضوحًا رحيمًا” لا يُجمّل الواقع ولا يُخفيه ..
وأن تدرك — بيقينٍ لا يتزعزع — أن الطيبة التي لا يحرسها وعي .. قد تتحول إلى بابٍ يُؤتى منه ..
أعطِ فرصة .. لكن لا تعطِ كل الفرص
الفرصة الأولى رحمة .. والتكرار بدون تحسن = تمكين للخطأ .
اجعل دعمك مشروطًا بالجهد ..
“ أنا معك .. إذا رأيت منك سعيًا حقيقيًا ”
ومنذ البداية لا تتحمل مسؤولية تغيير شخص لا يريد أن يتغير .
لا تُخفِ الحقيقة عن الجهات المسؤولة بالكامل ..
الستر جميل .. لكن في العمل : المصلحة العامة مقدمة .
وثّق كل شيء
ليس سوء ظن .. بل حماية لك وله .
إذا انقلب عليك .. لا تتفاجأ كثيرًا
بعض القصص نهايتها معروفة منذ بدايتها .. لكننا نتجاهل الإشارات .
لا تسمح لتجربة سيئة أن تغيّر أصلك ..
الخطأ ليس في الإحسان ..
بل في توجيهه .
ليس كل من مددت له يدك ..
يستحق أن تمسكه طويلًا .
وليس كل من ابتسم لك ..
صادقًا في الامتنان .
لكن أيضًا :
لا تندم على خيرٍ فعلته ..
بل تعلّم كيف تضعه في المكان الصحيح .
ومن أصدق ما قيل في هذا السياق .. ما عبّر عنه الدكتور حين قال : “نعم هي دروس عميقة نتعلمها .. تكشف لنا طبيعة البشر صعودًا وهبوطًا .. طيبةً ورداءة .. سموًا ودناءة .”
أما أنا ..
فخرجت من هذه القصة بشيء أعمق من مجرد إعجاب ..
خرجت بيقينٍ هادئ ..
أن بعض دروس الحياة لا تُعطى في قاعات التدريب ..
بل تُكتب بمواقف مؤلمة ..
لتبقى فينا نورًا نهتدي به ..
كلما تشابهت علينا الوجوه .. واختلطت النوايا ..
وسلامٌ على من أحسن .. وتعلّم كيف يُحسن بوعي .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد 🍃
ولمن أراد قراءة الموقف كما كُتب بخطّ صاحبه .. فبين يديه النص كما خرج من ميدانه بلا تعديل .. ولأن بعض التفاصيل لا تُروى كما هي إلا من أصحابها .. نضع بين يديك النص الأصلي للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حفظه الله كما دوّنه ✍️🌿🕊
أثر لاينسى
جدة
الجمعة ٢٩ شوال ١٤٤٧
١٧ أبريل

