في مقاله «المربي الناجح .. فن التأثير وصناعة الأجيال» .. يضع الأستاذ عبيد بن عبدالله البرغش أيدينا على معنى يستحق أن نتوقف عنده :
أن التربية ليست ما نقوله للإنسان فحسب .. بل ما نتركه فيه بعد أن ينتهي الكلام .
وحين يجمع المربي بين القدوة والصبر والرحمة والعدل والحوار والحكمة .. فإنه لا يعالج سلوكًا عابرًا فحسب .. بل يشارك في بناء إنسان يحمل هذه القيم معه إلى حياته .
وقد استوقفتني هذه الفكرة؛ لأن الحديث عن صفات المربي الناجح يفتح سؤالًا أوسع :
كيف تنتقل هذه الصفات من قائمة نقرؤها إلى أثر نراه في نفوس من نربيهم؟
وكيف يصبح المربي حاضرًا في اختياراتهم حتى حين يغيب عنهم؟
التربية ليست أصعب ما فيها أن نعلّم الإنسان الصواب .. بل أن نعينه على اختياره حين لا نكون بقربه .
وليس أعظم أثرًا أن يستجيب لنا خوفًا من العقاب .. بل أن يحمل منّا قيمةً تهديه حين يغيب صوتنا .
وقد جمع الأستاذ عبيد عشر صفات للمربي الناجح .. تبدأ بالقدوة الحسنة .. وتمتد إلى الصبر والرحمة والعدل .. والحوار والذكاء العاطفي .. والتحفيز والمرونة والتفاؤل .. وتنتهي بالحكمة في التوجيه .
وإذا تأملنا هذه الصفات .. وجدنا أن بينها خيطًا يجمعها :
أن يرى المربي الإنسان الذي أمامه .. لا السلوك الذي يريد تغييره فحسب .
فالطفل الذي يخطئ لا يحتاج دائمًا إلى صوت أعلى .. بل قد يحتاج إلى من يفهم سبب خطئه .
والطالب الذي يتراجع لا تنقصه بالضرورة القدرة .. فقد تنقصه الثقة أو يجد صعوبة لم يستطع التعبير عنها .
ومن يسيء التصرف لا يتعلم حسن التصرف بمجرد أن نُشعره بسوء ما فعل؛ بل يحتاج إلى أن يفهم أثر فعله .. وأن يجد طريقًا آخر يستطيع أن يسلكه .
وهنا تظهر قيمة الصبر التي أشار إليها الأستاذ عبيد .
فالصبر في التربية ليس سكوتًا عن الخطأ .. ولا تساهلًا مع ما ينبغي تقويمه .. وإنما قدرة على التعامل معه دون أن يتحول التقويم إلى إهانة .. أو تتحول سلطة المربي إلى وسيلة لإخضاع من يربّيهم .
أن نكون حازمين دون قسوة .. وأن نحفظ للإنسان كرامته ونحن نطالبه بتحمل مسؤولية سلوكه .
وتأتي القدوة لتمنح الكلام صدقه .
فمن الصعب أن نعلّم أبناءنا الصدق وهم يروننا نبرر لأنفسنا الكذب .. أو نطالبهم بالعدل وهم يشهدون تمييزنا بينهم .. أو ندعوهم إلى الهدوء ونحن أول من يفقده عند الخلاف .
فالمربي لا يعلّم بما يقوله فقط .. بل بما يفعله حين يُختبر ما يقوله .
أما الحوار .. فليس أن نتحدث مع أبنائنا ثم ننتظر موافقتهم .. بل أن نمنحهم فرصة للكلام .. وننصت حتى نفهم .. ونقبل أن نراجع بعض أحكامنا حين تتضح لنا أمور لم نكن نعرفها .
فالإنصات لا ينتقص من هيبة المربي .. بل يمنحها معنى أعمق؛ إذ يشعر من أمامه أن رأيه مسموع .. وأن كرامته محفوظة .. وأن الخطأ لا يسلبه حقه في أن يُفهم .
ومن هذا الفهم تنشأ الرحمة .. ويأتي التحفيز في موضعه .
فليس كل طفل يحتاج إلى النصيحة نفسها .. ولا كل طالب يستجيب للطريقة ذاتها .
هناك من تدفعه كلمة تشجيع إلى المحاولة .. ومن يحتاج إلى وقت أطول .. ومن لا تظهر موهبته في المكان الذي اعتدنا أن نبحث فيه عنها .
والمربي الحكيم لا يجعل اختلاف الناس سببًا للحكم عليهم .. بل سببًا للبحث عن الطريقة التي تساعد كل واحد منهم على النمو .
وهنا تتكامل الصفات التي ذكرها الأستاذ عبيد؛ فالذكاء العاطفي يعين المربي على فهم المشاعر .. والمرونة تساعده على مراعاة الفروق الفردية .. والتفاؤل يفتح أمام المتعلم باب المحاولة من جديد .. أما الحكمة فتمنحه القدرة على اختيار الوقت والأسلوب المناسبين للتوجيه .
ليست هذه الصفات زينةً تضاف إلى شخصية المربي .. بل أدوات يحتاج إليها في مواقف يومية قد تصنع كلمة واحدة فيها فرقًا طويل الأمد .
ولا يعني ذلك أن التربية طريق خالٍ من التعب .. أو أن المربي يستطيع أن يضمن النتائج بمجرد أن يحسن أسلوبه .
فهناك ظروف أسرية واجتماعية .. وفروق فردية .. وتجارب لا يملك المربي السيطرة عليها .
لكنه يملك أن يختار كيف يتعامل .. وأن يراجع أثره .. وأن يظل مستعدًا للتعلم بدل أن يظن أن خبرته تعفيه من المراجعة .
ومع كل ما يبذله المربي من علم وصبر وحكمة .. يبقى عليه أن يستعين بالله .. وأن يدرك أن جهده سبب .. وأن التوفيق بيد الله .
فقد يبذر كلمةً صادقة .. ويرعى موهبةً .. ويصبر على تعثر طويل .. ثم لا يرى ثمرة ذلك في حينها .
وقد تظل كلمة قالها عابرة في ذاكرته .. ثم يكتب الله لها أن توقظ في إنسان معنى بعد سنوات .
لذلك لا يستغني المربي عن الإخلاص والدعاء .. ولا يجعل تأخر الثمرة دليلًا على ضياع جهده؛ فليس كل ما نزرعه نرى حصاده .. وليس كل أثرٍ يتأخر يكون قد غاب .
ولعل من أكثر ما يحتاج إليه المربي أن يتذكر أن أثره قد لا يظهر في حينه .
فقد تمر سنوات قبل أن يفهم الإنسان لماذا كان معلمه يصبر عليه .. أو لماذا رفض له طلبًا .. أو كيف غيّرت كلمة قالها في لحظة عابرة نظرته إلى نفسه .
وقد لا يتذكر تفاصيل الدرس .. لكنه يتذكر أنه أخطأ فلم يُهَن .. وأنه تعثر فوجد من يشجعه على النهوض .. وأنه اختلف فلم يُسلب حقه في الكلام .
لهذا .. فإن صناعة الأجيال ليست مهمة تنتهي بانتهاء العام الدراسي .. ولا أثرًا يُقاس بعدد الأوامر التي نُفذت .
إنها عمل طويل يتداخل فيه العلم بالأخلاق .. والحزم بالرحمة .. والتوجيه بالإنصات .
وكلما أحسن المربي فهم الإنسان .. أصبح أقدر على مساعدته في بناء نفسه .
والأجمل أن التربية لا تترك أثرها في المتلقي وحده؛ فالمربي نفسه يتعلم من كل تجربة .. ويكتشف في كل إنسان جانبًا لم يكن يراه .. ويعيد النظر في أساليبه كلما اتسعت معرفته .
ومن هنا لا تكون القدوة ادعاءً للكمال .. بل استعدادًا صادقًا للمراجعة والاعتذار والتعلم .
شكرًا للأستاذ عبيد بن عبدالله البرغش على هذا التذكير بقيمة المربي وصفاته .
فقد أعادنا مقاله إلى جوهر التربية .. حيث لا تقاس المسؤولية بما نقدمه من توجيهات فحسب .. بل بما نعين الإنسان على بنائه في نفسه من وعي .. وما نغرسه فيه من قيم تبقى معه بعد انقضاء المواقف .
ففي نهاية المطاف .. قد ينسى الإنسان كثيرًا مما علّمناه .. لكنه يحمل معه الطريقة التي عاملناه بها .
وربما كان أعظم نجاح للمربي أن يأتي يومٌ لا يعود فيه من ربّاهم محتاجين إلى صوته ليختاروا الصواب؛ لأنهم وجدوا في أنفسهم من الوعي ما يعينهم عليه .. ومن الثقة ما يدفعهم إليه .. ومن القيم ما يدلّهم على الطريق .
وما أجمل أن يجمع المربي بين إحسان العمل وحسن التوكل؛ يبذل وسعه .. ويصلح نيته .. ويستعين بالله في مهمته .. ثم يترك للزمن ما لا يملكه .. ولله ما لا يقدر عليه .
فالتربية أمانة نؤديها .. وقلوب نرعاها .. وأسباب نأخذ بها .. أما التوفيق فمن الله .. وهو سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا .
اثر لاينسى
جدة
الخميس ١٨ جمادى الاولى ١٤٤٨
٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦

