● على جثتي 🕊️🌿

screenshot ٢٠٢٦٠٣٣٠ ٠٢٠٩٤٥ gallery


موقف ( على جثتي)🕊️🌿

في زياراتي الإشرافية  للمعلمين كنت أتعامل مع جميع الأعمار منهم من هو في بداية العمل الوظيفي ومنهم من تجاوزت سنواته الوظيفية الثلاثين سنة بل أكثر ومنهم ما بين وبين.

ولكل عمر طريقته في التفكير وقناعاته وتصوراته ومشكلاته والصعوبات التي تعترض طريقه بل ولغات الحب التي يميل إليها ويحب ان يعامله الآخرون من خلالها.

لايمكن لمن يقوم بزيارة المعلمين ان يتعاملمع كل المعلمين بمسطرة واحدة بل يجب أن يكون لديه مسطرة في التعامل مع كل معلم فالمعلم المتقدم في السن يجب أن يحفظ له قدره ومكانته وخبرته التي قد تفوق احيانا عمر المشرف الزائر

وكذلك المعلم الجديد الذي هو أحوج مايكون لمن يأخذ بيده تشجيعا وتعزيزا ودعما

زيارتي هذا اليوم لمدرسة يقودها احد زملائي في الدراسة وقت المرحلة المتوسطة وهو مدير عرف بقوته وثقته العالية بنفسه وروحه الجميلة

عندما تفحصت أسماء معلمي الصفوف الأولية وجدتها مكونة من مجموعة من الشباب الصغار ومعهم معلم يقترب من التقاعد وكان من عادة هذا المدير في سنواته الماضية انه ينبهني على الظروف التي تحيط بعض المعلمين لمراعاة ذلك حال الزيارة الصفية أو أثناء المداولة الإشرافية

وهي جوانب لا يمكن للمشرف ان يتجاهلها أو يتغافل عنها مثل وجود مشكلات صحية أو خلافات عائلية أو تورط في ديون أو فقد عزيز

في هذه المرة لم يذكر لي مدير المدرسة شيئا عن معلميه حول الجوانب آنفة الذكر ولذا طلبت منه بعد انتهاء اجتماعي معه ان ألتقي بمعلمي الصفوف الأولية في مكتبة المدرسة للحديث عن بعض الجوانب الوقائية المتعلقة بجوانب التدريس المختلفة

دخلت المكتبة فوجدت الجميع ينتظر قدومي فسلمت عليهم وكنت احاول قراءة وجه كل معلم خاصة انه اللقاء الأول لي معهم في ذلك العام الدراسي

كل الوجوه تنطق بالايجابية سوى المعلم المتقدم في السن فقد كان يخفي خلف ابتسامته المصطنعة الكثير من القلق والتوتر

بل كان يقوم بعملية مسح بصري شامل للمكان وكانه يتجهز لشيء ما أو يستعد لمعركة قادمة

بدأت الاجتماع وكان من عادتي أن ابدا اي اجتماع بالمسلمات الثابتة التي لايختلف عليها اثنان ولا تنتطح فيها عنزان وهذه المهارة من أبجديات علم التأثير والاقناع لأن الاختلاف المبكر في وجهات النظر يحفز الطرف الآخر على التعامل مع أي فكرة بكونها فرصة لاثبات الذات وصرع صاحبها سريعا.

بدأت بطرح اول نقطة واذا بالمعلم يستجمع قواه ويستعد لنسف الفكرة حال ولادتها وكان حال كلامه ورده يتأمل وجوه الجالسين سواي وكانه ينتظر منهم الدعم والتاييد

أدركت انه قرر ان يخوض معركة إثبات وجود وايضا قررت انا ايضا ان استخدم معه استراتيجية السحب للأمام لا الدفع به إلى الخلف فوافقته في رده مما جعله ينتشي


سلمت لوجهة نظره مع تشجيعها ثم قررت الانتقال لفكرة ثانية واذا به يقفز على الفكرة الثانية ليقصفها ويبدي وجهة نظره بطريقة حازمة من غير ان ترف له عين

لاحظت ان موافقتي له في الفكرتين السابقتين قد افقدته الكثير من الرغبة في إثبات الذات منا يدل ان عملية سحب البساط من قدميه قد نفعت


كان المعلمون الحاضرون يراقبون الموقف بصمت شديد وبعد قناعتي التامة انه قد أصبح مجردا من اي محاولة لاثبات ذاته بدأت بطرح بعض الأفكار التي تقبل الاختلاف وكانت المفاجئة انه كان أول المؤيدين له

رفع يده يطلب الأذن بالخروج لدقائق فخرج ثم عاد بعد عشر دقائق تقريبا ولا ادري إلى أين ذهب فقد كنت منشغلا بالحوار مع المعلمين

بعد انتهاء الاجتماع بالمعلمين عدت للجلوس مع مدير المدرسة وسالني عن الاجتماع فقلت كان رائعا

قلت للمدير في المرة القادمة سأقوم بزيارة المعلمين وأحتاج فقط تأجيل زيارة احد المعلمين لمدة ستة شهور فقال كيف فقلت الأستاذ فلان لن اقوم بزيارته الا في الفصل الدراسي الثاني

قال لي المدير هل قال لك المعلم شيئا فقلت لا فقال إذا علي ان أخبرك بما دار بيني وبينه

قال المدير لقد خرج المعلم من الاجتماع وجاء الي فقلت نعم صحيح فقد استأذن لدقائق وتوقعت انه ذهب لدورة المياه فقال لالا بل جاء لي هنا وقال لي لن اسمح للمشرف ان يزورني في الصف وقام يحذرني من العواقب لو سمحت له بذلك فقلت له انا لا أملك اي صلاحية ان امنعه من زيارتك

قلت للمدير لقد قررت عدم زيارته اي التأجيل وانا في الاجتماع وهذا ماسيخدث فقال المدير طيب كيف ستقيمه فقلت اترك الأمر لي لكن دعني أحدثك عن ماذا يمكن أن يحدث؟ لن ازوره حتى يطلب مني ذلك

وفعلا قمت بزيارة المعلمين خلال الفصل الدراسي الأول وفي يوم من الايام وأنا امر قريبا من صفه أشار إلي بيده يستوقفني فقال أستاذ أنت زعلان علي عساني مازعلتك في شيء فقلت لا والله فقال انت زرت الجميع أكثر من مرة الا انا فقلت انت رجل خبرة فقال انا ارغب ان ترورني وتصلخني صلخا
وهو انه يقصد باصلخني صلخا اي اتقدني بقوة وأظهر كل اخطائي
وهذا هو السبب في توتره وقلقه

فقلت لا والله لك الكرامة والقدر ولن ازورك الا للاستفادة منك فقال ارجوك تزورني اليوم فقلت على خشمي

عندما دخلت عليه الصف كان في غاية الارتباك عين علي وعين على الطلاب وبعد انتهاء الدرس طلبت من جميع الطلاب التصفيق معي لمعلمهم الرائع

كنت اقرا الفرحة في وجهه من ثنائي عليه وقلت له لنذهب لغرفة المدير وهناك اكملت ثنائي عليه

مما لا انساه ان اول شخص يقابلني عند زيارة المدرسة هو ذلك المعلم وكان يعانقني بحب صادق

بقي شيء وهو ان العام الدراسي عندما انتهى جاءتني رسالة عبر الواتس تنعي هذا المعلم فقد تقاعد نهاية ذلك العام وغادر الدنيا بعد تقاعده بشهر أو شهرين.. اسال الله العظيم ان يغفر له ويرفع درجته في الجنة

وسلامتكم

✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

هذا الموقف النبيل لامس قلبي بعمق .. فاهتزت له مشاعري وجلست أتأمل ما بين سطوره من رحمة ووعي وإنسانية وذكاء تربوي راقٍ .. لم يكن مجرد قصة عابرة بل درس حياة يوقظ القلوب ويهذب النفوس ويعيد تعريف القيادة بمعناها الحقيقي .. فكتبت مقالًا إنسانيًا تربويًا تأمليًا يقرأ ما خلف الكلمات ويستخرج القيم والدروس والإضاءات التي يحتاجها كل معلم وقائد ومربٍ وأبٍ وأم وكل إنسان في هذه الحياة .. مقال يحكي القصة بروحٍ أخرى ويغوص في عمقها ليترك أثرًا يبقى في القلب طويلًا ..
أضع بين أيديكم رابط المقال لمن أراد أن يعيش هذا الموقف بتأملٍ أعمق ونورٍ أبقى وأثرٍ لا يمر مرور الكرام ..
فبعض المواقف لا تُقرأ فقط .. بل توقظ فينا إنسانيتنا وتعيد ترتيب قلوبنا من جديد
.

أثر لاينسى
جدة
الاثنين ١١ شوال ١٤٤٧
٣٠ مارس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *