🍌الأصفر الذي تركه لنا ✍️

gemini generated image 4npooq4npooq4npo


كنت أظن أنني سأكتفي بالقراءة  ..
فبعد أن كتب كاتبٌ بارع عن الخيار والكتابة  .. 
ثم عاد فكتب عن الجزر والكتابة  .. 
قلت في نفسي  :
لقد اكتملت السلة  ..
  وما بقي فيها إلا الأصفر  ..
لكن صاحب القلم نفسه  ..
في آخر حديثه عن الجزر  ..
ترك الموز واقفًا عند الباب  ..
  وقال إنه يحبه  ..
وإنه لن يعد أحدًا بمقال عن علاقة الأصفر بالكتابة  !
فقلت في نفسي  :
وهل ترك الموز لنا وحده  ؟
لستُ مطالبة بوعدٍ لم يُعطَ  ..
ولا أريد أن أحمّل قلمًا كريمًا وعدًا جديدًا  .. 
لكنني تساءلت  :
ماذا لو اقتربتُ أنا من هذه الثمرة قليلًا  ..  وسألتها  :
ماذا يمكن أن تعلّمنا أنت عن الكتابة ؟
لعلها جرأة صغيرة  ..
ولعلها ثمرة من ثمار صحبة قلمٍ علّمنا أن المعنى لا يسكن دائمًا في الأشياء الكبيرة  ..
  وأن العين التي تتأمل جيدًا تستطيع أن تجد درسًا في شيء نعبر بجانبه كل يوم دون أن نسأله عمّا يخفيه  ..
فقلت في نفسي  :
لعل الموز أيضًا يخفي درسًا  ..
ولعل الأصفر الذي لم يُكتب عنه بعد يستطيع أن يقول شيئًا  ..
الموز ثمرة لا تبدأ علاقتها بنا من داخلها  ..
تحيط بها قشرة واضحة  ..
صفراء حين تنضج  .. 
وكأنها تقول لمن يراها  :
هنا شيء ينتظر أن يُكتشف  .
وللكاتب كذلك قشرة  ..
قد تكون عنوانًا  ..  أو أسلوبًا  ..  أو لغة  ..  أو هيئة يعرفه الناس بها  ..
لكن القارئ لا يبقى طويلًا عند القشرة  ..
فإما أن يفتحها فيجد شيئًا يستحق  ..  وإما أن يكتشف أن اللون كان أجمل من الثمرة  ..
ولذلك لا تكفي الكتابة أن تكون جميلة من الخارج  ..
فالقارئ لا يقرأ ما تلبسه الفكرة  ..
بل يبحث عمّا تسكنه الفكرة  .
ومع ذلك  ..
  فالقشرة ليست شيئًا زائدًا  ..
هي التي تحفظ الثمرة  ..
وتصونها في الطريق  ..
  وتحمي ما في داخلها حتى تبلغ وقتها  ..
ولعل الكاتب يحتاج شيئًا شبيهًا بها  ..  حدودًا تحمي عالمه الداخلي  ..
ومسافةً لا يسمح فيها لكل عابر أن يمد يده إلى كل ما فيه  ..
فليس كل ما في النفس صالحًا للنشر  ..  وليس كل ما نشعر به صالحًا لأن يصبح نصًا  ..
بعض ما في الكاتب يحتاج إلى أن يبقى له  ..  حتى تنضج الثمرة التي سيقدمها للناس  .
ثم إن الموز من الثمار التي لا تحتاج إلى كثير من التعقيد كي تؤكل  ..
لا سكين حاد  ..  ولا ترتيب طويل  ..  ولا استعداد خاص  ..
تفتح القشرة  ..  فتجد الثمرة جاهزة  ..
ولعل في ذلك درسًا للكاتب  :
ليس العمق أن تجعل القارئ  يطارد المعنى بين السطور ..
ولا الغموض فضيلة في ذاته  ..
فبعض الكتابات تضع أمام القارئ أبوابًا كثيرة  .. 
ثم لا تمنحه مفتاحًا واحدًا  ..
وبعضها يظن أن صعوبة الوصول إلى المعنى دليل على عظمته  ..
وما كل معنى يحتاج إلى متاهة  ..
أحيانًا تكون الكتابة العميقة هي التي قطعت الطريق الطويل  .. 
ثم وصلت إلى القارئ في جملة تبدو سهلة  .
ولعل الموز يضيف إلى ذلك درسًا آخر  :
ليس المهم فقط أن تُخرج الثمرة  ..
بل أن تعرف كيف تقدمها  ..
فالكاتب لا يكتب لنفسه فقط  ..
القيمة الحقيقية حين يجد المعنى طريقه إلى الآخرين  ..
والموز من الثمار التي يسهل مشاركتها  ..  فلا يحتاج من يأكله إلى كثير من الاستعداد  ..
وكأن بعض الكتابات الجميلة كذلك  :  تفتح بابها للقارئ  ..
ثم تترك له حرية الدخول  ..
لكن للموز شأنًا آخر  ..
إنه لا يبلغ حالته التي نحبها دفعة واحدة  ..
تراه أخضر  .. 
فتدرك أنه لم يحن وقته  ..
ثم يبدأ اللون في التغير  ..
ثم تلين الثمرة  ..
ثم تبلغ لحظة تقول لك فيها  :
الآن  .
وهكذا الأفكار  ..
كم فكرة ظننا أنها جاهزة  ..
  ثم اكتشفنا بعد كتابتها أنها كانت لا تزال خضراء  ؟
وكم فكرة أخّرناها  ..
  ثم عادت إلينا بعد أيام أو أشهر أكثر نضجًا  ..  وأقرب إلى أنفسنا  ؟
لذلك ربما كان من أخطر ما يفعله الكاتب أن يستعجل الثمرة  ..
ليست كل فكرة تخطر لنا تصلح أن تُنشر في اللحظة نفسها التي وُلدت فيها  .
بعض الأفكار تحتاج إلى أن تُترك قليلًا  ..
لا لتموت  ..  بل لتنضج  ..
والكاتب لا يملك دائمًا موعد نضج الفكرة  ..
كما لا يملك المزارع أن يأمر الثمرة بأن تستوي في ليلة  ..
والأعجب أن الموز قد يبدأ أخضر  .. 
ثم يصبح أصفر  .. 
ثم تظهر على قشرته البقع  ..
  فيظن بعض الناس أن أجمل أيامه قد مضت  ..
لكن الثمرة في الداخل قد تكون في تلك اللحظة أشد حلاوة  ..
وهنا يتعلم الكاتب ألا يحكم على الفكرة من مظهرها الأول  ..
وألا يخاف من كل تغير يطرأ عليها  ..
فالفكرة التي تبدو له في بدايتها ناقصة  ..  أو غريبة  ..  أو غير مكتملة  ..  قد تكون في حاجة إلى وقت لا إلى قتل  ..
وقد تنضج بعد المراجعة  .. 
وقد تصبح أفضل حين تتخلص من بعض زينتها  ..

ليس كل تغير فسادًا  .. 
وليس كل ثبات نضجًا  .
والموز لا يأتي عادةً ثمرةً وحيدة  ..
تتدلى ثماره متجاورة  ..
  كأن بينها صلة خفية تجعل الواحدة تستدعي أختها  ..
وهكذا الأفكار في رأس الكاتب  ..
تأتي فكرة  ..  فتوقظ أختها  ..
وتجر جملةٌ جملةً  ..
وتفتح ذكرى بابًا لذكرى  ..
وقد يبدأ الكاتب موضوعه بشيء صغير  ..  ثم يكتشف أن وراءه سلسلة من المعاني لم يكن قد رآها في البداية  ..

وهنا أتذكر كلمة جميلة  :
منضود  .
قال تعالى  :
﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾
و«منضود» تحمل معنى التتابع والتراصّ والانتظام  ..
وكأن في الكلمة صورة أخرى للمعنى حين يأتي متتابعًا  ..  متراصًا  ..  يأخذ بعضه برقاب بعض  ..
ولعل أجمل الكتابات كذلك  ؛  لا تأتي كلماتها مرمية على الصفحة  ..  وإنما معانٍ منضودة  ..  تستند إحداها إلى الأخرى  ..  حتى يبدو النص في آخره كأنه كان يعرف طريقه منذ البداية  .
ثم إن للموز درجات  ..
ثمرة قد تكون خضراء  ..
  وأخرى صفراء  ..
وثالثة بدأت تتغير  ..
والكاتب كذلك  ..
ليس كل ما يكتبه في العمر نفسه  ..
ولا كل نصوصه سواء في النضج  ..
قد يقرأ الكاتب نصًا قديمًا له فيبتسم  ..
لا لأنه يراه رديئًا  ..
بل لأنه يرى المسافة التي قطعها منذ كتبه  ..
وهذه ليست خسارة  ..
بل ربما كانت من أجمل علامات النمو  ..
فالكاتب الذي لا يرى فرقًا بين ما كتب بالأمس وما يكتبه اليوم  .. 
قد يكون قد توقف عن النمو دون أن يشعر  .
والموز  ..  مع شهرته وانتشاره  ..  لا يحاول أن يكون تفاحة  ..
ولا يعتذر لأنه ليس برتقالًا  ..
ولا يتمنى أن تكون له هيئة الجزر  ..
إنه موز  ..
وهذه  ..  ربما  ..  واحدة من أصعب دروس الكتابة  :
أن يعرف الكاتب متى يتوقف عن محاولة أن يكون شخصًا آخر  ..
نقرأ أصحاب الأقلام الجيدة  .. 
ونتأمل أفكارهم  ..
ونقدّر تجاربهم  .. 
ونستفيد من طرائقهم  ..
ونقتبس من معانيهم ما يثري تجربتنا  ..
لكن التعلم شيء  .. 
والاستنساخ شيء آخر  ..
فقد يتعلم الكاتب من غيره حتى يصل إلى صوته  .. 
وقد يعجب بغيره حتى يضيع صوته  ..
المطلوب أن نتعلم كيف نكتب  ..
لا أن نكتب كما كتب الآخرون  .
ولذلك لم يحتج الموز أن يكون خيارًا أو جزرًا حتى تكون له مكانته  ..
ولم يحتج الخيار إلى أن يكون جزرًا  ..
ولا الجزر إلى أن يكون موزًا  ..
ولعل أجمل ما تركته لي هذه الثمار الثلاث أن الاختلاف ليس نقصًا  .. 
وأن لكل ثمرة طريقتها في النضج  ..  وقشرتها  ..  ولونها  ..  وطعمها  ..  ووقتها  ..
وكذلك الكاتب  ..
فالخيار علّمنا أن نطلب من الكتابة طبيعتها ونضارتها  ..
والجزر ذكّرنا بالجذور  ..  والبصيرة  ..  والصلابة  ..  والحقيقة  ..
وأن الفكرة لا تنفع وهي مدفونة في داخل النفس  ..
أما الموز  ..  فأظنه جاء ليقول  :
لا تستعجل الثمرة  .. 
احفظ ما بداخلك  .. 
لا تغتر بقشرتك  ..
دع أفكارك تنضج  .. 
ولا تحاول أن تكون ثمرةً أخرى  .
ثم اخرج إلى الناس حين يحين وقتك  ..
والموز  ..  مثل كثير من الأشياء الجميلة  ..  لا تنتهي حكايته حين نفتح قشرته  ..
يمكن أن يؤكل وحده  ..
ويمكن أن يدخل في أشياء أخرى  ..  ويمكن أن يتحول إلى طعم جديد حين يلتقي بغيره  ..
وهكذا النص الجيد  ..
قد يعيش وحده  ..
وقد يفتح بابًا لنص آخر  ..
وقد يجعل قارئًا يكتب  ..
وقد يوقظ سؤالًا ظل نائمًا سنوات  ..
وقد يجعل إنسانًا يرى شيئًا مألوفًا للمرة الأولى  ..
وهنا ربما تكون الكتابة قد بلغت غايتها الحقيقية  :
أن تخرج من صاحبها  ..
ثم تبدأ حياة أخرى في قارئها  .
وحين انتهيت من التفكير في الموز  ..  اكتشفت أنني لم أكن أبحث عن درس في ثمرة  ..
كنت أبحث عن شيء أكبر  ..
كنت أبحث عن ذلك السر الذي يجعل كاتبًا ينظر إلى خيار  ..  ثم إلى جزر  ..  ثم إلى موز  ..  فيرى في كل واحد منها بابًا إلى الكتابة  ..
وربما كان السر ليس في الخيار ولا الجزر ولا الموز  ..
بل في العين التي تنظر  .
فالشيء المألوف يبقى مألوفًا لمن ينظر إليه بعينٍ معتادة  ..
لكن الكاتب الحقيقي قد يعيد الشيء إلينا بعد أن ينظر إليه  ..
فنراه للمرة الأولى  ..
وهنا تصبح الكتابة أكثر من كلام عن الأشياء  ..
تصبح طريقة جديدة لرؤية الأشياء  .
ومنذ أن قرأت الخيار والجزر  ..
صرت أنظر إلى الأشياء الصغيرة بطريقة مختلفة  ..
وهذه  ..  في الحقيقة  ..  قد تكون الثمرة الأكبر  ..
ولذلك  ..  حين قرأت عن الخيار والجزر  ..  لم أكن أظن أنني سأكتب يومًا عن الموز  ..
لكن ربما كان هناك درس ثالث لم يُكتب  ..
وربما كان المقصود أن يبقى الموز خارج الوعد  .. 
حتى يأتي قارئٌ ما ويقول  :
ماذا لو حاولنا نحن؟
فها أنا أحاول  ..
لا لأكمل قائمة  ..
ولا لأنافس قلمًا بارعًا  ..
ولا لأقول إنني بلغت ما بلغ  ..
بل لأختبر شيئًا تعلمته من القراءة  :
أن المعلم الحقيقي لا يمنح تلميذه الإجابات كلها  ..
بل يفتح له عينيه على الأسئلة التي لم يكن يعرف أنه يستطيع أن يسألها  .
ولعل هذا هو أجمل ما يمكن أن يفعله قلم مع قارئه  :
أن يجعله ينتقل من سؤال «ماذا كتب؟» إلى سؤال «ماذا أرى أنا؟»
وهذه  ..  في ظني  ..  هي الثمرة التي تستحق أن تُقطف  ..

فقد بدأ الأمر بكاتب قال إنه لن يعد أحدًا بمقال عن الأصفر  ..
وانتهى بقارئٍ قرر أن يغامر بالموز  ..
ولذلك  ..  إن كان هذا المقال قد أصاب شيئًا من الصواب  ..
فله فضلٌ صغير في يد صاحبه  .. 
وفضلٌ أكبر في يد ذلك القلم الذي علّم قارئه أن ينظر قبل أن يكتب  .. 
ويتأمل قبل أن يحكم  .. 
ويبحث عن المعنى حيث لا يتوقعه أحد  .
أما الموز… فسأترك بعض ثماره معلقة  ..
فقد تعلمت من الجزر أن بعض الأشياء تحتاج إلى أن تبقى تحت التراب حتى تنضج  ..
وتعلمت من الموز أن بعض الثمار تحتاج إلى وقتها  ..
وتعلمت من الكتابة أن أجمل ما في الثمرة ليس أن نقطفها سريعًا  ..
بل أن نعرف متى حان وقت قطافها  .

وربما  .. 
حين تأتي ثمرة أخرى  ..
سأتركها هذه المرة لصاحبها  ..
فقد بدأت أشك أن الخضار والفواكه كلها تتآمر على الكتابة  .

أثر لاينسى .. جدة
السبت ٢ ربيع الأول ١٤٤٨
١٥ أغسطس ٢٠٢٦

ومن أراد أن يعرف من أين بدأ هذا الموز .. فليعد إلى «الخيار والكتابة» .. ثم «الجزر والكتابة» للأستاذ أحمد بن عبدالمحسن العساف .
أما أنا ..  فقد وجدتني بعد القراءتين أسأل نفسي سؤالًا لم أكن أخطط له: ماذا يمكن أن تقول ثمرة ثالثة عن الكتابة ؟
وهكذا وصل الموز إلى الصفحة ..
بعدما تركه صاحبه عند الباب
.

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *