🎨 ألوانٌ في مرسم العمر .. حين تتحول السيرة إلى حياةٍ أخرى 🌿

gemini generated image 85nnaj85nnaj85nn


بعض الكتب تُقرأ ..
وبعضها يترك في النفس شيئًا لا يزول ..
وبعض السير تخبرك بما فعله صاحبها ..
ثم تضع الكتاب جانبًا وتمضي ..
أما السيرة الجميلة حقًا ..
فهي التي تجعلك تغلق آخر صفحاتها ..
وأنت تشعر أنك لم تكن تقرأ عن إنسان بعيد ..
بل كنت تمشي معه في طفولته ..
وتجلس إلى جواره في أيامه الصعبة ..
وتراه يكبر أمامك ..
يتعثر ويقوم ..
يغيّر وجهته ..
يخوض غمار الحياة ..
ثم يصل في آخر الطريق إلى مكانٍ يجعلك تعيد تعريف معنى النجاح ..
حين أمسكت كتاب «ألوان في مرسم العمر» ..
للكاتب أحمد بن عبدالمحسن العساف ..
لم أكن أعرف أنني على موعد مع سيرةٍ لا تشبه السير التي تكتفي بسرد الأعوام والوظائف والمناصب والأحداث ..
كنت أمام لوحة ..
ولوحة لا لون واحد فيها ..
لونٌ من طفولةٍ شحيحةٍ بالضروريات ..
ولونٌ من اليُتم ..
ولونٌ من الأبوة ..
ولونٌ من الدراسة ..
ولونٌ عسكري صارم ..
ولونٌ للجبهة والمخاطر ..
ولونٌ للأسرة ..
ولونٌ للتجارة ..
ولونٌ للسفر ..
ولونٌ للنجاح ..
ثم لونٌ أهدأ وأعمق ..
لون البذل حين يتخفف الإنسان من بعض ما جمعه ..
ويترك منه نصيبًا للآخرين ..
ولذلك ربما كان العنوان وحده حكاية ..
«ألوان في مرسم العمر»
ما أبدع المؤلف في اختيار عنوانٍ لا يبدو مستهلكًا ولا مكررًا ..
بل يمنح السيرة منذ غلافها الأول نكهتها الخاصة ..
فالعمر فعلًا مرسم ..
والإنسان يرسم فيه كل يوم ..
أحيانًا بوعي ..
وأحيانًا تحت ضغط الظروف ..
وأحيانًا بريشةٍ ترتجف من الألم ..
وأحيانًا بضربةٍ واثقة تشبه الانتصار ..
لكن اللوحة لا تصبح جميلة لأنها خالية من الألوان الداكنة ..
بل ربما لأن فيها الداكن والمضيء معًا ..
وهكذا جاءت سيرة الشيخ أحمد بن حمدان العرادي البلوي ..
لا تقدم حياةً مصقولةً منزوعةً من تعبها ..
وإنما تقدم حياةً فيها البدايات الشاقة ..
والتحولات ..
والفقد ..
والعمل ..
والمغامرة ..
والنجاح ..
والأسرة ..
والتجارة ..
والوقف ..
وفيها ذلك كله بقدرٍ يجعل القارئ لا يكتفي بمعرفة :
ماذا حدث؟
بل يبدأ في التساؤل :
ماذا كان يمكن أن أتعلم لو عشت هذه التجربة؟
وهنا يبدأ الكتاب في أداء مهمته الحقيقية ..
ليست السيرة سيرةَ نجاحٍ فقط
أجمل ما في هذا الكتاب أن نجاح صاحبه لا يأتيك منذ الصفحة الأولى مرتديًا ثوبه الكامل ..
بل تراه يتشكل أمامك ..
طفلًا في زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط وأقسى ..
والتعليم والخدمات أقل ..
والماء والكهرباء والاتصال والترفيه ليست كما نعرفها اليوم ..
ثم شابًا يخوض تجارب الدراسة والعمل ..
ويطرق أبواب العسكرية ..
ويعيش ما فيها من انضباط وصعوبة ..
ثم رجلًا يواجه الجبهة ..
ويرى من الحياة وجهًا لا يراه كل إنسان ..
ثم يعود إلى الوطن ..
وتتغير الظروف ..
وتتسع التجربة ..
وتتعدد المسارات ..
ثم يخرج من الوظيفة إلى عالمٍ آخر ..
ويخوض التجارة والاستثمار ..
ويبني ويجرب ويتعلم ..
ثم تتسع الدائرة أكثر ..
من نفسه إلى أسرته ..
ومن أسرته إلى مجتمعه ..
حتى يصل إلى الوقف والعمل الخيري ..
وهنا تتغير زاوية النظر إلى النجاح ..
فليس كل من جمع شيئًا قد نجح ..
وليس كل من بلغ مكانةً قد بلغ غايته ..
قد يكون النجاح الحقيقي في السؤال الذي يأتي بعد كل ما جمعته :
ماذا سأترك؟
وهذه واحدة من أجمل الأسئلة التي يوقظها الكتاب في نفس قارئه ..
دون أن يرفع إصبعه في وجهه ليقول له :
تعلم هذا الدرس.
فالكتاب لا يعظك كثيرًا ..
إنه يترك الحياة نفسها تعظك ..
العساف لم يكتب رجلًا ..
بل كتب ألوانه ..
وهنا تظهر براعة الكاتب ..
كان يستطيع أن يكتب سيرةً تقليدية :
مولد ..
دراسة ..
وظيفة ..
زواج ..
تجارة ..
تقاعد ..
أسرة ..
وقف ..
ثم يختم الكتاب ..
لكن هذا كان سيقتل روح السيرة ..
فالعساف فهم أن الإنسان ليس قائمةً زمنية ..
الإنسان مجموع ما مر به ..
وما تركه فيه ما مر به ..
ولهذا جاء البناء متنوعًا ..
يتحرك بالقارئ من «الأصول والتكوين» ..
إلى الحياة العسكرية ..
ثم إلى «الجنة المفقودة» ..
ثم العمل والجبهة ..
ثم الأسرة ..
ثم المسار الجديد ..
ثم الثمار ..
ثم السفر ..
حتى عناوين الفصول تشعرك بأنك لا تتصفح فهرسًا جامدًا ..
بل تفتح أبوابًا لحكايات ..
«الجنة المفقودة!»
«حي على العمل»
«الرباط المقدس!»
«المسار الجديد»
«الوقف والعمل الأسري»
«خمس ثمار»
ثم أخيرًا :
«السفر اختيارًا واضطرارًا»
وكأن كل عنوان يمد يده إلى لون من ألوان العمر ..
ويقول للقارئ :
تعال ..
لم تنتهِ الحكاية بعد ..

وما أجمل الكتاب حين يكون صغيرًا في اليد .. واسعًا في الحياة ..
من الأشياء التي أحببتها في الكتاب نفسه أنه ليس من تلك الكتب التي تشعرك أنك أمام جبلٍ ورقي قبل أن تبدأ القراءة ..
جاء في حجمٍ مريح ..
وصدرت هذه السيرة في طبعتها الأولى عام ١٤٤٧هـ/٢٠٢٦م ..
في ٢٠٧ صفحات ..
وهو عدد أحببته في كتب السير ..
فلا يرهق القارئ بحجمها ..
ولا يبخل عليه بمادتها ..
تمضي معها صفحةً إثر صفحة ..
حتى تكتشف أنك قطعت منها صفحات كثيرة دون أن تشعر ..
وأحببت الكتاب أيضًا في هيئته ..
ورق عاجيٍّ فاتح  ناعم الملمس ..
وخط واضح ..
وعناوين بألوان مريحة للعين ..
وغلاف يحمل عنوانه بوضوح وأناقة ..
وصور لصاحب السيرة ..
وفاصل يحفظ للقارئ موضعه ..
وقد يبدو الفاصل تفصيلًا صغيرًا ..
لكنه عندي ليس كذلك ..
فثمة أشياء صغيرة في الكتب تشبه الأشياء الصغيرة في الحياة ..
لا يتحدث عنها أحد كثيرًا ..
لكنها تجعل التجربة أجمل ..
أن تغلق الكتاب ..
وتضع الفاصل ..
ثم تعود إليه في اليوم التالي فلا تبحث طويلًا :
هنا توقفت ..
حتى تصميم الكتاب بدا لي منسجمًا مع روحه ..
لا ازدحام فيه ..
ولا استعراض بصري يسرق العين من الحكاية ..
ولا تفاصيل تريد أن تلفت انتباهك إليها أكثر من الحكاية نفسها ..
كتابٌ تقرؤه بمحبة ..
لا بمجاهدة ..
وهذا في كتب السير مكسب كبير ..
لكن أجمل ما في الكتاب ليس بين الغلافين ..
بل في الفكرة التي تقف خلف كتابته ..
فهذه السيرة، كما يوضح مؤلفها، لم تأتِ من رغبةٍ في إضافة مديحٍ جديد إلى رجلٍ لا يحتاج إلى كثرة المديح ..
وإنما جاءت لأن حياةً بهذه التفاصيل والخبرات جديرة بأن تُحفظ قبل أن تضيع ..
وهذا أمر أقدّره كثيرًا في السير ..
فنحن نعيش وسط أناسٍ يحملون في ذاكرتهم قصصًا لو كُتبت لأصبحت مدارس صغيرة في الحياة ..
لكن أصحابها يرحلون ..
وترحل معهم التفاصيل ..
رحلت أجيالٌ كثيرة ولم يبقَ من تجاربها إلا شذرات ..
ولم يكن اختيار هذه السيرة مصادفة ..
ففي حياة صاحبها ما يجعل القارئ يتوقف ..
ويتأمل ..
وربما يعيد النظر في أشياء ظن أنه يعرفها من قبل ..
إنها نوع من حفظ الذاكرة الإنسانية ..
أن تقول للذين سيأتون بعدنا :
هكذا عاش أناس قبلكم ..
هكذا بدأوا ..
هكذا تعبوا ..
هكذا أخطؤوا ..
هكذا خاطروا ..
هكذا نجحوا ..
وهكذا، حين أكرمهم الله، عرفوا أن ما في أيديهم ليس لهم وحدهم ..
ومن أجمل ما يفعله الكتاب : أنه لا يسجن صاحبه في صورة واحدة ..
فأنت لا تقرأ عن «التاجر» فقط ..
ولا عن «العسكري» فقط ..
ولا عن «رجل الأعمال» فقط ..
ولا عن «صاحب الوقف» فقط ..
إنما تلتقي بـ أحمد الطفل، والشاب، والرجل، والأب، والزوج، والجد، والأخ، والصديق، والطالب العسكري، والضابط، والتاجر، والمستثمر، والواقف ..
وهذه من أجمل مزايا السيرة ..
لأن الإنسان الحقيقي لا يعيش في خانة واحدة ..
قد تراه شديدًا في العمل ..
لينًا في بيته ..
وقد يكون منضبطًا في حياته ..
لكنه يعرف كيف يتسع للمتغيرات ..
وقد يبدأ طريقًا ثم يكتشف أن طريقًا آخر أصلح ..
وقد يملك القدرة على جمع المال ..
ثم يبلغ من النضج ما يجعله يفكر في ما بعد المال ..
وهذه التحولات هي التي تمنح السيرة لحمها وروحها ..
وأظن أن أجمل ما في «مرسم العمر» أن بعض ألوانه لم تكن اختيارية ..
هناك ألوان يرسمها الإنسان بإرادته ..
وهناك ألوان ترسمها الحياة على وجهه دون استئذان ..
الفقد واحد منها ..
وفي الكتاب حضور مؤثر للأم ..
ولليُتم ..
وللأب الذي عوّض شيئًا من ذلك الفقد بالقرب والبر والصحبة ..
وهنا تكتشف أن بعض الناس لا يصنعهم النجاح وحده ..
أحيانًا يصنعنا ما فقدناه أيضًا ..
وقد لا نستطيع تغيير الصفحة التي آلمتنا ..
لكننا نستطيع أن نقرر ماذا سنكتب في الصفحات التي بعدها ..
وهذا معنى يتجاوز سيرة أحمد البلوي إلى كل إنسان ..
ومن الشمال إلى العاصمة .. ومن الأرض إلى الجبهة .. ومن الوظيفة إلى التجارة ..
المكان في هذه السيرة ليس مجرد أسماء مدن ..
المكان نفسه يبدو كأنه شخصية من شخصيات الحكاية ..
شمالٌ ..
وعاصمة ..
وتنقل ..
وتجربة خارج البلاد ..
وعودة ..
وشمال وجنوب وشرق ..
ثم قرار جديد ..
والإنسان حين يتنقل في الأمكنة لا يترك نفسه كما هي ..
كل مكان يأخذ منه شيئًا ..
ويضيف إليه شيئًا ..
حتى الجبهة التي عاش فيها أيامًا لا تشبه الأيام العادية ..
تحمل لونًا لا يمكن أن تمنحه حياة المكاتب الهادئة ..
وإذا كان الإنسان يخرج من التجربة بخبرة ..
فإنه أحيانًا يخرج منها أيضًا بمعرفة جديدة لقيمة الحياة نفسها ..
ثم يأتي «المسار الجديد» ..
وهنا أحببت فكرة الكتاب كثيرًا ..
فبعض الناس يتصورون أن الحياة خط مستقيم :
دراسة ..

وظيفة ..
نجاح ..
ثم نهاية ..
لكن الحياة أوسع من ذلك ..
قد ينتهي طريق لتبدأ حكاية أخرى ..
وقد يبدو التقاعد نهايةً لمسار ..
فإذا به بداية لمسار أكثر رحابة ..
وقد يغلق الإنسان بابًا كان يظن أنه حياته كلها ..
ثم يكتشف أن خلفه أبوابًا لم يكن يراها ..
وهذا من أجمل ما تقوله السيرة للقارئ الذي يقف في منتصف الطريق :
لا تخف من أن تتغير وجهتك إذا اكتشفت أن في الطريق الجديد خيرًا لم تره من قبل ..

ثم… الثمار ..
وهذه عندي من أحب مراحل الكتاب ..
لأن الشجرة لا تُعرف فقط من جذعها ..
تُعرف من ثمرها ..
والسيرة التي أمضينا صفحاتها مع صاحبها في طفولته وشبابه وعمله وجبهته وتجاراته وأسفاره ..
تصل في النهاية إلى سؤال الثمر :
ماذا أثمرت كل هذه العقود؟
أسرة ..
خبرة ..
عملًا ..
تجربة ..
محبة ..
وقفًا ..
وأثرًا ..
وهنا يصبح الوقف أكثر من مشروع مالي أو عمل خيري ..
إنه جواب عن سؤال كبير :
ماذا يفعل الإنسان حين يفهم أن أجمل ما في النعمة ألا تتوقف عنده؟
أن يمر المال من يده إلى يد غيره ..
أن تتحول الخبرة إلى منفعة ..
أن يتحول النجاح الشخصي إلى شيء ينتفع به مجتمع ..
وأن يصبح بعض ما جمعته في الدنيا رصيدًا لما بعد الدنيا ..
وهنا تقترب السيرة، بهدوء، من معنى إيماني عميق :
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾
فليست قيمة ما نملك فقط في مقدار ما نستطيع أن نحتفظ به ..
وإنما في مقدار ما نستطيع أن نجعل منه خيرًا يبقى بعدنا ..
وحين وصلت إلى «الريشة الأخيرة» ..
توقفت ..
ثمة خواتيم تجعل القارئ ينهي الكتاب ..
وثمة خواتيم تجعله يعيد النظر في الكتاب كله ..
والعساف اختار لها اسمًا يليق باللوحة :
الريشة الأخيرة ..
بعد كل هذه السنوات ..
يعود الكاتب إلى الرجل الذي صار يعيش بين المنزل والمكتب والاستراحة والمزرعة ..
مع الأسرة والأصدقاء والزملاء ..
وقد حمل معه نفسًا عصامية وهمة لا تتقاصر ..
ثم تأتي العبارة التي تستحق أن يتوقف عندها المرء طويلًا :
أن الرجل، بعد عقود من العمل، لا يملك لشخصه وباسمه ريالًا واحدًا ..
وأن ما جناه صار مالًا لعائلته في الشركة العائلية ..
أو مالًا موقوفًا ينتفع منه البلد والناس والمجتمع ..
ما أهدأ هذه النهاية ..
وما أبعدها عن صخب البدايات ..
كأن الرجل الذي قضى عمره في جمع الألوان ..
قرر في آخر اللوحة أن يترك أجملها للآخرين ..
وهنا فهمت العنوان بصورة أخرى ..
«ألوان في مرسم العمر» ليست حكاية رجل عاش ألوانًا كثيرة فحسب ..
بل حكاية رجل حاول أن يجعل من ألوان عمره لوحةً يمكن أن يستفيد منها غيره ..
ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا نقرأ السير ..
نحن لا نقرأها لأن حياة صاحبها أهم من حياتنا ..
بل لأن الإنسان قد يرى في حياة غيره مرآةً لشيء لم يفهمه في حياته هو ..
قد يقرأها شاب فيجد فيها معنى الصبر ..
وقد يقرأها موظف فيرى قيمة الانضباط ..
وقد يقرأها أب فيتأمل معنى التربية ..
وقد يقرأها تاجر فيلتفت إلى البصيرة وحسن التدبير ..
وقد يقرأها رجلٌ في منتصف العمر فيكتشف أن الأبواب لم تُغلق ..
وقد يقرأها إنسانٌ بعد نجاحٍ طويل، فيسأل نفسه للمرة الأولى :
وماذا بعد أن أصل؟
وهنا تكون السيرة قد تجاوزت صاحبها ..
لم تعد حكايته وحده ..
صارت مساحةً يتأمل القارئ فيها حياته ..
والجميل أن الكتاب لا يقول لك : كن مثل أحمد البلوي ..
وهذا فارق مهم ..
فلكل إنسان زمانه ..
وظروفه ..
وقدراته ..
وأبوابه التي فُتحت له والتي أُغلقت دونه ..
لكن الكتاب يقول شيئًا أعمق :
انظر إلى الطريقة التي عاش بها هذا الرجل ..
ثم اسأل نفسك : ماذا تستطيع أنت أن تفعل بما أعطاك الله؟
وهذا، في ظني، أنفع من صناعة القدوات على هيئة نسخ مكررة ..
فالغاية ليست أن نصبح أحمد البلوي ..
بل أن نتعلم كيف نصبح أفضل نسخة ممكنة من أنفسنا ..
أما أحمد بن عبدالمحسن العساف ..
فله في هذا الكتاب فضلٌ آخر ..
لقد عرف أن السيرة ليست في كثرة التفاصيل ..
وإنما في حسن اختيار التفاصيل التي تستحق أن تبقى ..
عرف متى يروي ..
ومتى يترك للقارئ أن يستنتج ..
ومتى يضيء زاوية ..
ومتى ينسحب قليلًا حتى يرى القارئ الصورة كاملة ..
وهذه موهبة ليست سهلة ..
فالكاتب يستطيع أن يملأ مئات الصفحات ..
لكن الأصعب أن يجعل القارئ يقول بعد مئتي صفحة تقريبًا :
انتهت؟
ثم يبحث عن صفحة أخرى ..
وهذه من علامات الكتاب الذي لم يثقل على قارئه ..

في النهاية… ماذا بقي من كل هذه الألوان؟
بقي لي سؤال ..
وربما بقي لك بعد قراءة الكتاب سؤال آخر ..
حين تصل إلى آخر عمرك ..
ماذا ستكون ألوانك؟
هل ستكون لوحةً من المناصب والأرقام والمقتنيات؟
أم سيكون فيها شيء من الناس الذين أحببتهم؟
وشيء من الخير الذي صنعته؟
وشيء من الأثر الذي لم يضج باسْمك؟
وشيء من المال الذي خرج من يدك ليبقى لك عند الله؟
وشيء من الدعوات التي لا تعرف أصحابها؟
لأن الإنسان، مهما طال عمره، سيصل يومًا إلى الريشة الأخيرة ..
وعندها لن يسأل أحد عن عدد الألوان التي كانت في لوحته ..
بل سيبقى السؤال الأثقل والأصدق :
ماذا رسمت بها؟
وهنا، ربما، نفهم لماذا تستحق بعض السير أن تُكتب ..
فهي لا تحفظ حياة رجلٍ واحد فحسب ..
بل تذكّرنا، ونحن نعيش حياتنا، بأننا جميعًا نمسك ريشةً في أيدينا ..
قد لا نختار كل ما يمر على لوحتنا ..
لكننا نملك ـ إلى حد بعيد ـ أن نختار كيف نضع اللون التالي ..
وهذا ما يجعل «ألوان في مرسم العمر» أكثر من كتاب سيرة ..
إنه كتاب عن الإنسان حين يبدأ قليلًا ..
ثم يتسع ..
ويتعب ..
ويتعلم ..
ويخسر ..
ويكسب ..
ويغيّر مساره ..
ويثمر ..
ثم يفهم في آخر الطريق أن أجمل ما في العمر ليس أن تملكه كله ..
بل أن تترك منه شيئًا جميلًا بعد أن تمضي ..
كتابٌ أظن أن أجمل ما فيه ليس ما يخبرك به عن أحمد البلوي ..
وإنما ما يجعلك تكتشفه عن نفسك ..
وهذه، في رأيي، هي السيرة التي تستحق أن تُقرأ ..
لا لأنها تحكي لنا كيف عاش رجلٌ حياته ..
بل لأنها، في هدوءٍ شديد، تضع أمامنا مرآة وتسأل :
وأنت  ..  ماذا ستفعل بألوان عمرك ؟ 🌿

screenshot ٢٠٢٦٠٧١٦ ٠١٤٣٥٠ chrome

أثر لاينسى .. جدة
السبت ٢ ربيع الأول ١٤٤٨
١٥ أغسطس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *