● مئة عامٍ ولم يثقل قلبها 🌿

screenshot ٢٠٢٦٠٨١٤ ١٢١٦٥٤ gallery


ليست كل الأعمار تُقاس بعدد السنين ..
فثمّة أعمارٌ طويلةٌ بالسنوات، قصيرةٌ بالمعنى ..
وأعمارٌ قد لا تبلغ المئة، لكنها تترك وراءها من الأثر ما يجعلها أطول من أعمارٍ كثيرة ..
حين سمعتُ حكاية مزنة الثنيان، التي رحلت عن عمرٍ ناهز المئة والثانية، بكامل قواها العقلية والجسدية، لم أتوقف طويلًا عند الرقم ..
فالمئة رقمٌ يمكن أن يدهشنا، لكن الذي استوقفني حقًا هو ذلك القلب الذي حمل كل تلك السنين، ولم يبدُ أنه أثقلته الحياة ..
امرأةٌ رأت زوجها يرحل قبلها، وشهدت أقرانها ومن هم أصغر منها يغادرون واحدًا بعد آخر، وعبرت عقودًا من تبدلات الحياة وتقلباتها، ثم بقيت تستقبل من يزورها بابتسامة، ودعاء، وحكاية، وقلبٍ لا يبدو أن في داخله خصومةً مع الأيام ..
كأن الحياة مرّت عليها طويلًا، لكنها لم تترك في روحها غبارها ..
وهنا بدأت الحكاية الأجمل ..
كان حفيدها، يوسف الهذلول، يحاول أن يتلصص على لحظةٍ واحدة تضطرب فيها جدته ..
زيارةً مفاجئة هنا، وأخرى هناك، مرةً ليلًا، ومرةً وهي صائمة، ومرةً في وقتٍ مختلف ..
وكأنه يريد أن يمسك بالسر من طرفه ..
لكنه لم يجد ما يبحث عنه ..
وجد مزنة نفسها ..
الابتسامة نفسها ..
الترحيب نفسه ..
والطمأنينة نفسها ..
فانتقل من مراقبة الجدة إلى البحث عن سر هذه الطمأنينة ..
وسأل من عرفها طويلًا، وتقصّى، وتأمل، حتى أدرك أن ذلك السلام لم يكن مصادفة ..
كان وراءه منهج حياة ..
أول أسراره: أنها لم تكن تحمل دفترًا للعتاب ..
لم تكن تستقبل الغائب بملف غيابه، ولا القادم بقائمة حساباته ..
من جاءها رحبت به، ومن غاب عذرت غيابه ..
وكأنها فهمت مبكرًا ما نحتاج نحن إلى أعوام كي نفهمه:
أن القلب الذي يزدحم بالعتاب، لا يجد فيه السلام مكانًا يجلس فيه ..
كم من أعمارٍ أفسدها شيء لم يقع إلا في الذاكرة؟
وكم من قلوبٍ لم تتعبها الحياة بقدر ما أتعبتها مراجعة ما قاله فلان، وما فعله فلان، ولماذا تأخر فلان، ولماذا لم يسأل فلان؟
نحن أحيانًا لا نعيش المواقف مرتين ..
نحن نعيد عيشها مئات المرات في رؤوسنا ..
أما مزنة، فيبدو أنها اختارت أن تترك بعض الأشياء تمضي ..
ليس لأنها لم تتألم، بل لأنها لم تجعل الألم مقيمًا ..
ثم كانت تجمع بين أمرين قلّ اجتماعهما:
الانضباط والمرونة ..
كانت تحرص على طعامها، وتعرف ما يناسب جسدها، لكنها لم تجعل نظامها جدارًا بينها وبين أهلها ..
إذا اجتمع الأبناء والأحفاد على طعامٍ من الخارج، شاركتهم دون إفراط ..
وإذا وجدت في مناسبةٍ ما ما لا يناسبها، لم تجعل المناسبة معركةً مع الواقع ..
كانت تتكيف ..
إن كانت القاعة باردة، خرجت إلى فناء المكان، وفرشت سجادةً تحملها معها، وجلست ..
ثم سرعان ما تلتحق بها كبيرات السن ..
يا لها من حكمة!
لا تحرم نفسك من الناس بحجة النظام، ولا تهدم نظامك بحجة الناس ..
كم من إنسانٍ جعل الحياة صعبةً لأنه أرادها أن تأتي دائمًا بالصورة التي رسمها لها!
أما الحكيم، فيعرف متى يتمسك، ومتى يتكيف، ومتى يغيّر مكانه بدل أن يظل غاضبًا من المكان ..
لكن أجمل ما في مزنة، في ظني، أنها لم تفقد دهشتها ..
وهذه خصلة نادرة ..
فالإنسان لا يشيخ حين يتجعد وجهه فحسب ..
قد يشيخ القلب قبل الوجه، حين يصبح كل شيء مألوفًا، فلا يرى النعمة إلا لأنها اعتادها ..
ناولها حفيدها يومًا فنجان قهوة، فارتشفت منه، ثم أخذت تذكر أناسًا رحلوا، وتتمنى لو أنهم نالوا مثل هذه النعمة ..
يا الله!
حتى فنجان القهوة كان عندها مناسبةً للحمد ..
لم تكن تنظر إلى النعم بعين الاعتياد، بل بعين الامتنان ..
ولهذا بقيت الحياة جديدةً في عينيها، رغم أنها رأت منها أكثر مما رأى معظمنا ..
ثم يصل بنا حفيدها إلى السر الأعمق:
اليقين بالله ..
وهنا تتغير الحكاية كلها ..
لم تكن مزنة تعيش فقط على عاداتٍ صحية، ولا على طعامٍ منضبط، ولا على علاقاتٍ دافئة ..
كان في أعماقها شيء أكبر:
كانت تعرف إلى أين تمضي ..
لم تكن ترى الموت خاتمةً مخيفة، بل لقاءً طال الشوق إليه ..
وحين سُئلت إن كانت تخاف الموت بعد أن رأت من هم في عمرها ومن هم أصغر منها يرحلون، ابتسمت وأجابت بما معناه:
أنا مشتاقة إلى لقاء الله، وما عند الله خيرٌ وأبقى ..
هنا فهمتُ أن بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يطيلوا أعمارهم ..
لأنهم يملكون من الطمأنينة ما يجعل العمر نفسه جميلًا
..

نحن نسأل كثيرًا عن سر طول العمر :
ماذا نأكل ؟
كم ننام ؟
كيف نحافظ على أجسادنا ؟
وكل ذلك مهم ..
لكن ثمة سؤالًا آخر ربما يستحق أن نطرحه :
كيف نحافظ على القلب الذي سيحمل كل هذه السنوات ؟
فقد ينجح الإنسان في إطالة عمر الجسد ..
ثم يقضي عمره كله في خصامٍ مع ماضيه ..
أو خوفٍ من مستقبله ..
أو غضبٍ من حاضره ..
وقد يعيش آخر سنواتٍ أقل ..
لكنه يعيشها بقلبٍ راضٍ ..
ولسانٍ ذاكر ..
ونفسٍ متسامحة ..
وعينٍ ترى النعمة قبل أن ترى النقص ..
ولذلك بقيت معي عبارة حفيدها :
قد يطول العمر بالأسباب الطبية، لكن لا يهنأ به إلا بالأسباب القلبية .
وما أعمقها!
فالصحة ليست عدد نبضات القلب فقط ..
بل نوعية ما يسكن القلب .
مزنة الثنيان، رحمها الله، لم تترك وصيةً مكتوبةً لأبنائها وأحفادها ..
لكنها تركت شيئًا ربما كان أبلغ من الوصايا :
تركت طريقةً في العيش .
تركت لهم أن التسامح ليس تنازلًا، بل راحة ..
وأن المرونة ليست ضعفًا، بل حكمة ..
وأن الدهشة بابٌ من أبواب الحياة ..
وأن النعمة الصغيرة تستحق الحمد ..
وأن الإنسان مهما طال به العمر، يظل مسافرًا إلى الله ..
رحم الله مزنة الثنيان رحمةً واسعة ..
وجعل ما عاشته من طمأنينةٍ وإيمانٍ وصبرٍ وحسن معاشرةٍ نورًا لها في قبرها ..
وجعل عمرها الطويل شاهدًا لها لا عليها ..
ورفع درجتها في المهديين ..
وجمعها بمن تحب في مستقر رحمته ..
ورحم موتى المسلمين جميعًا ..
وجبر قلوب من فقدوهم ..
وأكرم نُزلهم ..
ووسع مدخلهم ..
وجعل قبورهم رياضًا من رياض الجنة ..
وأما حفيدها يوسف الهذلول ..
فله نصيبٌ من جميل الأثر؛ لأنه لم يكتفِ بأن يرى جدته ..
بل توقف عندها، وسأل، وتقصّى، وتأمل، ثم حفظ تجربتها من أن تمضي معها إلى التراب .
وهذه لفتة تستحق التقدير :
فبعض الناس يعيشون التجارب ثم تنتهي بموت أصحابها ..
وبعضهم يعرفون قيمة التجربة ..
فيلتقطون منها المعنى ..
ثم يهدونه إلى الآخرين ..
وقد يكون أجمل الوفاء لكبار السن ألا نكتفي بأن نقول :
رحمهم الله ..
بل أن نسأل :
ماذا كان يمكن أن نتعلم منهم قبل أن يرحلوا ؟
أما هذا المقطع، فقد وصلني من الأستاذ الفاضل أحمد بن عبدالمحسن العساف ..
وكأنه لم يرسل لي فيديو فحسب ..
بل أرسل لي بابًا صغيرًا ..
فتحته فإذا وراءه عمرٌ كامل ..
وامرأةٌ اسمها مزنة ..
وحفيدٌ التقط المعنى ..
ورسالةٌ بقيت تتردد في القلب :
لا تجعلوا أعماركم مجرد سنواتٍ تعبر …
اجعلوا منها شيئًا يستحق أن يُروى .
فربما لا نملك أن نختار كم نعيش ..
لكننا نملك ـ بإذن الله ـ أن نختار كيف نعيش .
وقد نغادر الدنيا دون أن نترك كتابًا ..
ولا مالًا ..
ولا منصبًا ..
ولا اسمًا مشهورًا…
لكن يكفي أن نترك وراءنا قلبًا لم نكسره ..
وإنسانًا سامحناه ..
ونعمةً شكرناها ..
وذكرى طيبةً في روح أحد ..
وطريقًا إلى الله مشيناه مطمئنين ..
تلك هي الحياة التي لا تنتهي حين ينتهي العمر  .
بل لعل أجمل الأعمار  …
ذلك العمر الذي إذا انقضى، بقي أثره حيًّا في الذين أحبوه  .

screenshot ٢٠٢٦٠٨١٤ ١٢٣٧٤٧ chrome

أثر لاينسى
الجمعة ١ ربيع الأول ١٤٤٨
١٤ أغسطس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *