قبل أن تبدأ السنة الدراسية ..
وقبل أن تمتلئ السبورة البيضاء بخطوط الدرس الأولى ..
وقبل أن تتراكم دفاتر الطلاب فوق الطاولات ..
هناك لحظة صغيرة لا يراها أحد تقريبًا ..
لحظة يجلس فيها المعلم وحده ..
يقلب خطة الدرس ..
وينظر إلى عنوان يعرفه جيدًا ..
ثم يسأل نفسه في صمت :
كيف سأجعل هؤلاء الطلاب يتعلمون هذا فعلًا؟
ليس :
كيف سأشرح؟
فالمعلم يعرف كيف يشرح ..
وليس :
ماذا سأقول؟
فالمقرر أخبره بما ينبغي أن يقول ..
السؤال الأصعب هو :
ماذا سيحدث داخل عقولهم حين أبدأ الكلام؟
وهنا، تحديدًا، تتغير الحكاية كلها ..
لأن المعلم قد يدخل الفصل وهو يحمل علمًا وخبرة وخطة محكمة ..
ثم يخرج منه وقد قال كل شيء تقريبًا ..
بينما بقي بعض طلابه في المكان نفسه الذي كانوا فيه قبل الحصة :
يعرفون أقل مما كان يتمنى ..
أو يعرفون دون أن يفهموا ..
أو يفهمون دون أن يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا بما فهموه ..
ليس لأن المعلم لا يعرف ..
بل لأن معرفة الشيء لا تعني بالضرورة معرفة الطريق الذي يصل به الشيء إلى الآخرين ..
ومن هذه المنطقة المضيئة جاءني كتاب الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني :
«استراتيجيات التدريس الإبداعي.. أهم 10 استراتيجيات في عالم التدريس»
فشعرت أن عنوانه يضع يده على كلمة طالما سمعناها حتى كادت تفقد معناها من كثرة التداول :
الاستراتيجية.
نسمعها في الدورات ..
ونقرأها في الكتب ..
ونراها في الخطط ..
ونضعها أحيانًا في تحضير الدرس كما لو كانت خانة ينبغي ألا تترك فارغة ..
العصف الذهني ..
حل المشكلات ..
التعلم التعاوني ..
تدريس الأقران ..
تمثيل الأدوار ..
الأسئلة ..
والقبعات الست، وغيرها ..
أسماء كثيرة ..
لكن ثمة سؤالًا واحدًا يستطيع أن يربك هذه المعرفة كلها :
ماذا يحدث للاستراتيجية حين تُغلق الصفحة ويفتح المعلم باب الفصل؟
هناك لا توجد تعريفات ملونة تحتها خطوط ..
ولا خطوات مرقمة تنتظر التنفيذ في هدوء ..
هناك طالب لم يفهم ..
وآخر شارد ..
وثالث يريد أن يتكلم قبل أن يكتمل السؤال ..
ورابع يخاف أن يجيب فيضحك عليه زميله ..
وهناك معلم يحاول أن يجعل من وقت محدود شيئًا يستحق أن يسمى تعلّمًا ..
في تلك اللحظة تحديدًا ..
تبدأ الاستراتيجية حياتها الحقيقية ..
ولهذا اخترت أن يكون عنوان هذه القراءة :
«الاستراتيجية حين تحيا».
فأنا لا أريد أن أقدم الكتاب بوصفه قائمة من عشر استراتيجيات ..
ولا أن أحوله إلى ملخص يغني القارئ عن فتح صفحاته ..
لأن ذلك، في رأيي، يظلم الكتاب والقارئ معًا ..
الكتاب ليس فهرسًا ..
والمقال ليس مذكرة مراجعة قبل اختبار ..
والقارئ الذي يعرف أسماء الاستراتيجيات العشر ثم يغلق المقال، ماذا ربح؟
الأجمل أن نقترب من روح الكتاب ..
ونترك بعض الأبواب مواربة ..
بحيث يظل في الكتاب ما يستحق أن يُكتشف هناك ..
فالاستراتيجية ليست اسمًا نحفظه ..
إنها فكرة تبحث عن لحظة مناسبة كي تعمل ..
وقد تبدو هذه الجملة بسيطة ..
إلى أن نجربها في فصل حقيقي ..
قل للمعلم :
«استخدم العصف الذهني».
سيبدو الأمر سهلًا ..
يدخل الفصل ويقول :
«أعطوني أفكاركم».
يصمت نصف الطلاب ..
يجيب أحدهم ..
يضحك آخر ..
يقول المعلم دون أن يشعر :
«لا، ليست هذه الفكرة المقصودة».
ثم يحاول طالب ثانٍ ..
فيصححه المعلم ..
وبعد دقائق ينتهي «العصف الذهني» قبل أن يبدأ ..
ماذا حدث؟
لم تكن المشكلة في العصف الذهني ..
كانت المشكلة أننا عرفنا اسم الاستراتيجية ولم نعرف شروط حياتها ..
وهنا تظهر قيمة الكتاب ..
فالمؤلف لا يكتفي، في عرضه للاستراتيجيات، بأن يخبرك ما هي ..
وإنما يقربك من مفهومها وأهدافها وخطواتها وأدوار المعلم والطالب ..
ومتى تكون مناسبة ..
وما الذي يعين على نجاحها ..
ويقدم أمثلة وتطبيقات تجعل القارئ أقرب إلى رؤية الاستراتيجية وهي تتحرك أمامه ..
وهذا فرق كبير بين معلومة نعرفها ..
ومعرفة نستطيع أن نفعل بها شيئًا ..
وأظن أن هذا هو المدخل الأصدق لفهم تجربة الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
فالرجل لا يكتب عن استراتيجيات التدريس من خارج الميدان ..
فهو حاصل على الماجستير والدكتوراه في المناهج وطرق التدريس ..
وكانت أطروحته للدكتوراه في برنامج تعليمي قائم على الإبداع وقياس أثره في تنمية المهارات الإبداعية ..
كما امتدت خبرته العملية إلى العمل التربوي والتدريب ..
فتولى رئاسة قسم الصفوف الأولية والعليا في تعليم الأحساء خمس سنوات ..
ودرّب أكثر من خمسة عشر ألف متدرب في مجالات من بينها استراتيجيات التدريس الإبداعي والتدريب التربوي ..
ولذلك يبدو الكتاب ..
حين نقرأه في ضوء هذه الخلفية ..
امتدادًا طبيعيًا لاهتمام مهني وأكاديمي طويل ..
لا مجرد تجميع لعشر استراتيجيات في كتاب صغير ..
وهذا يفسر شيئًا آخر أحببته في الكتاب ..
إنه لا يبدو منشغلًا بأن يقول للمعلم :
انظر كم أعرف عن الاستراتيجيات.
بل أقرب إلى أن يقول :
خذ منها ما تستطيع أن تستعمله.
وهذه روح مختلفة تمامًا ..
فبعض الكتب تريد أن تزيد ما في رأسك ..
أما الكتاب العملي الجيد فيحاول أحيانًا أن يزيد ما تستطيع أن تفعله بما في رأسك ..
ولعل أجمل مثال على ذلك تلك البيضة التي تظهر في أحد تطبيقات الكتاب ..
بيضة تغرق في الماء ..
مشهد بسيط إلى درجة أنك قد لا تتوقع أن يخرج منه درس يستحق كل هذا التفكير ..
لكن السؤال يأتي :
لماذا غرقت؟
وكيف يمكن أن نجعلها تطفو من غير أن نلمسها باليد أو الملعقة؟
هنا، فجأة ..
خرجت «حل المشكلات» من قاموس التربية ..
لم تعد عبارة في تعريف ..
صارت بيضة حقيقية ..
وماء ..
وسؤال ..
وحيرة ..
وافتراضات ..
ومحاولات ..
وخطأ قد يقود إلى محاولة أخرى ..
ثم يأتي الملح ..
ويتغير الماء ..
وتطفو البيضة ..
ويصبح ما حدث مادة للتفسير والتفكير ..
وأحببت هذه الصورة كثيرًا ..
لأنها تختصر شيئًا عميقًا في التعليم ..
التعليم لا يبدأ دائمًا حين نعطي الطالب الإجابة ..
أحيانًا يبدأ حين نضع أمامه شيئًا لا يعرف لماذا حدث ..
البيضة الغارقة ليست معلومة ..
إنها إزعاج صغير للعقل ..
والعقل حين يواجه شيئًا لا يفهمه ..
يبدأ بالتحرك ..
وهنا يولد السؤال ..
ثم المحاولة ..
ثم الخطأ ..
ثم التفسير ..
ثم المعرفة ..
ولعلنا ننسى أحيانًا أن الفضول يحتاج إلى شيء من الحيرة كي يبقى حيًا ..
فالطالب الذي يعرف كل شيء قبل أن يسأل ..
لن يجد كثيرًا مما يدفعه إلى البحث ..
أما الطالب الذي ينظر إلى البيضة ويقول :
«لماذا؟»
فقد بدأ يتعلم قبل أن يكتب المعلم أول كلمة على السبورة ..
ومن هنا بدأت أرى خيطًا يمتد بين صفحات الكتاب كلها ..
فالاستراتيجيات، رغم اختلاف أسمائها، لا تقول الشيء نفسه حرفيًا ..
لكنها تتقاطع في سؤال كبير :
هل الطالب متلقٍ لما يحدث، أم شريك في صنعه؟
خذ تدريس الأقران ..
في الظاهر، الفكرة شديدة البساطة :
طالب يعلّم زميله.
لكن تأملها قليلًا ..
لماذا قد يحتاج الطالب إلى أن يصبح معلمًا كي يفهم؟
لأنك تستطيع أن تظن أنك تفهم الفكرة ما دمت تسمعها ..
ثم تكتشف حين يُطلب منك شرحها لإنسان آخر أنك كنت تحفظها أكثر مما كنت تفهمها ..
فحين أشرح لغيري ..
أضطر إلى ترتيب الفكرة ..
أبحث عن مثال ..
أعيد صياغة العبارة ..
أنتبه إلى موضع الغموض ..
وأكتشف أحيانًا أنني كنت أعرف الإجابة ..
لكنني لم أكن أعرف لماذا هي الإجابة ..
ومن هنا تبدو العبارة التي يوردها الكتاب شديدة الدلالة :
«أن تعلم يعني أن تتعلم مرتين.»
ما أجمل أن يتحول الطالب، ولو للحظات، من متلقٍ للمعرفة إلى شخص مسؤول عن إيصالها ..
لا ليحل محل المعلم ..
وإنما ليكتشف أن المعرفة تصبح أكثر رسوخًا حين نضطر إلى إعادة بنائها ونحن نشرحها ..
وفي العصف الذهني نصل إلى باب آخر ..
فالعصف الذهني ليس مجرد أن نقول للطلاب :
«أعطوني أفكاركم».
إنه يحتاج إلى بيئة تسمح للفكرة بأن تولد قبل أن تُحاكم ..
أن تؤجل الأحكام ..
أن تُستقبل المحاولة ..
أن يستطيع الطالب أن يقول شيئًا ربما لا يكون كاملًا ..
دون أن يشعر أن الفصل كله ينتظر لحظة سقوطه ..
وهنا تدخل التربية من باب الاستراتيجية إلى باب أعمق بكثير :
الأمان النفسي.
كم فكرة ماتت في رؤوس طلابنا لأن أصحابها خافوا أن تبدو سخيفة؟
وكم طالب تعلم مبكرًا أن الصمت أكثر أمانًا من المحاولة؟
وكم عقل كان يمكن أن يقدم شيئًا جميلًا لو لم تكن ضحكة واحدة كافية لإغلاق بابه؟
لذلك لم يعد السؤال عندي :
هل العصف الذهني استراتيجية جيدة؟
بل :
هل صنعت البيئة التي تسمح للعقل بأن يعصف أصلًا؟
وهنا تتضح إحدى مزايا الكتاب ..
فهو يذكرنا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن الاستراتيجية لا تعمل وحدها ..
هناك المعلم ..
والطالب ..
والوقت ..
وطبيعة المهمة ..
والمناخ الصفي ..
وثقافة الفصل ..
والعلاقة بين من يسأل ومن يجيب ..
الاستراتيجية ليست عصًا سحرية ..
والمعلم الذي يملك أفضل الاستراتيجيات قد يفشل في استخدامها إذا لم يعرف متى ولماذا وكيف ..
وهذه نقطة أحببتها جدًا ..
لأن حب الاستراتيجيات يمكن أن يتحول هو الآخر إلى مشكلة ..
نحن أحيانًا نحب الأدوات حتى ننسى الهدف ..
فنقول :
أريد أن أطبق استراتيجية اليوم.
بينما السؤال الأصح :
ماذا يحتاج طلابي اليوم؟
ثم أبحث عن الأداة التي تخدم حاجتهم ..
لا العكس ..
وهنا أعود إلى شكل الكتاب نفسه ..
فمن يمسكه لا يشعر أنه أمام كتاب تربوي جاف يريد أن يقنعه بأن الصفحات يمكن أن تكون أكثر جفافًا من السبورة في آخر يوم دراسي ..
غلافه الأزرق العميق يمنحه حضورًا هادئًا ..
وتأتي الفكرة البصرية في الغلاف منسجمة مع عالم التعليم والتفكير ..
بينما تتوزع داخل الكتاب ألوان مبهجة ..
الأصفر والبرتقالي والأحمر والتركوازي ..
مع مربعات وفقاعات وأسهم وأشكال وصور وتكوينات بصرية تجعل الصفحات تتحرك أمام العين ..
حتى الملمس الناعم للنسخة التي بين يديّ ..
وجودة الإخراج ..
وتنوع المساحات ..
كلها تجعل الكتاب أقرب إلى شيء تريد أن تلمسه وتتصفحه ..
لا إلى مرجع ثقيل تضعه على رف ثم تنساه ..
والأجمل أن التصميم ليس زينة معلقة فوق المحتوى ..
إنه جزء من الفكرة ..
في إحدى الصفحات مثلًا ..
نجد «الطريقة الإلقائية المجودة» مع تعريفها ..
ثم يأتي سؤال عملي :
متى تكون الإلقائية هي الطريقة الأنسب للدرس؟
وهذا السؤال مهم أكثر مما يبدو ..
لأنه ينقلنا من :
«ما هي الطريقة؟»
إلى :
متى أستخدمها؟
وفي صفحة أخرى ..
تظهر الكلمات في فقاعات ملونة :
«حقيقة» .. «فكرة» .. «معلومة»
ثم يأتي تعريف «الطريقة الإلقائية المجودة» بطريقة بصرية تجعل القارئ يرى المعلومة قبل أن يقرأها فقط ..
وهذا في حد ذاته تطبيق لطيف لفكرة الكتاب ..
فالكتاب يتحدث عن التدريس الذي يوقظ الانتباه ..
ويحاول هو نفسه ألا يجعل القارئ مجرد متلقٍ ساكن ..
كأنه يقول للمعلم بصمت :
إذا أردت أن تجعل الدرس حيًا ..
فابدأ بالطريقة التي تقدم بها الفكرة ..
ثم تأتي القبعات الست ..
فتمنح الكتاب لونًا آخر من ألوان التفكير ..
الأبيض للحقائق والمعلومات ..
الأحمر للمشاعر ..
الأصفر للإيجابيات ..
الأسود للنقد والتحذير ..
الأخضر للبدائل والأفكار الجديدة ..
والأزرق للتنظيم والتوجيه ..
قد تبدو الفكرة في البداية مجرد لعبة ألوان جميلة ..
لكنها في الحقيقة تقول للطالب شيئًا بالغ الأهمية :
الفكرة الواحدة لا تُرى دائمًا من نافذة واحدة ..
قد أحب شيئًا ..
ثم أبحث عن عيوبه ..
وقد أرفض شيئًا ..
ثم أجبر نفسي على البحث عن فوائده ..
وقد أعرف معلومات عن قضية ما ..
لكن المعلومات وحدها لا تعني أنني أحسنت التفكير فيها ..
وقد تكون لدي مشاعر قوية تجاه أمر ..
لكنها لا تمنحني بالضرورة الحقيقة ..
وفي المثال الذي يعرضه الكتاب ..
يصبح الموضوع التاريخي الواحد قابلًا للنظر إليه من أكثر من زاوية ..
وهنا لا يعود التاريخ مجرد مادة نستعيدها ..
بل يصبح تمرينًا على تعدد الرؤية ..
وربما هذه واحدة من أهم وظائف التعليم التي لا نتحدث عنها بما يكفي :
أن نعلم الإنسان ألا يكتفي بالعين التي اعتاد أن يرى بها ..
والأمر نفسه ينطبق على الأسئلة ..
فنحن نستخدم الأسئلة كثيرًا ..
لكننا لا نستخدمها دائمًا بالطريقة نفسها ..
هناك سؤال نطرحه لأننا نعرف إجابته ..
ونريد من الطالب أن يستخرجها منا ..
وهناك سؤال نطرحه لأننا نريد أن نعرف كيف يفكر الطالب ..
الفارق بين الاثنين ليس صغيرًا ..
الأول يبحث عن إجابة ..
أما الثاني فيبحث عن عقل ..
ولهذا قد يكون السؤال الجيد أكثر قيمة من فقرة كاملة من الشرح ..
السؤال لا يملأ الفراغ في عقل الطالب ..
إنه يصنع فراغًا جديدًا لا يهدأ حتى يبحث صاحبه عن إجابة ..
وفي إحدى الصفحات اللافتة ..
تأتي صورة طفل مع عبارة كبيرة :
«نقاط مهمة جدًا .. يستعرضها المعلم عند طرح السؤال»
ثم تتوزع الملاحظات والأفكار حول السؤال ..
وهذه من الصفحات التي أحببتها ..
لأنها تعيدنا إلى الحقيقة البسيطة التي نغفل عنها حين نغرق في المصطلحات :
ليس المهم فقط ماذا نسأل ..
بل كيف نسأل ..
وماذا نفعل بعد أن يسأل الطالب ..
وقد يكون من أكثر الأشياء التي يحتاج المعلم إلى تعلمها أن يحتمل الصمت ..
نعم ..
الصمت ..
أن يسأل سؤالًا جيدًا ..
ثم لا يسرع لإنقاذ الطلاب من لحظة التفكير ..
أن يترك للعقل وقتًا كي يتشكل ..
فالمعلم الخبير قد يعرف الجواب ..
ويعرف الطريق الأقصر إليه ..
ويستطيع أن يختصر عشر دقائق في دقيقة واحدة ..
لكن الطالب لا يحتاج دائمًا إلى أقصر طريق ..
أحيانًا يحتاج إلى أن يمشي الطريق بنفسه ..
وهنا يتغير معنى دور المعلم ..
فكلما أصبح الطالب أكثر حضورًا ..
لم يصبح المعلم أقل أهمية ..
بل ربما احتاج إلى وعي أكبر ..
المعلم الذي يلقي الدرس طوال الوقت يحتاج إلى معرفة مادته ..
أما المعلم الذي يصمم تجربة تعلم ..
فيحتاج إلى معرفة مادته ..
وطلابه ..
ووقته ..
وأسئلته ..
وإيقاع الحصة ..
ومتى يتدخل ..
ومتى ينسحب خطوة ..
وفي بعض الأحيان ..
تكون أعظم مهارة لدى المعلم أن يعرف متى يصمت ..
لأن الفصل الذي يتعلم فيه الطلاب قد لا يكون الفصل الأكثر هدوءًا ..
وقد يكون الفصل الذي يكثر فيه السؤال أكثر حياة من فصل كامل الصمت ..
لا يعني هذا أن الفوضى تعلم ..
ولا أن الهدوء عدو التعلم ..
لكننا أحيانًا نخلط بين انضباط الفصل وحيوية التعلم ..
نفرح حين نرى الجميع ساكنين ..
والدفاتر مفتوحة ..
والأقلام تتحرك ..
ثم نغادر ولا نعرف ماذا كان يحدث داخل تلك الرؤوس الصامتة ..
والاستراتيجيات الجيدة تضعنا أمام هذا السؤال المزعج :
هل كنت أدرّس لأنني أتكلم ..
أم لأن الطلاب يتعلمون؟
وهنا، في رأيي، تكمن قيمة الكتاب الحقيقية ..
ليس في أنه يقدم عشر استراتيجيات فحسب ..
بل في أنه يدفع المعلم إلى النظر في فلسفة وجود الطالب داخل الدرس ..
هل هو في نهاية السلسلة ينتظر المعرفة؟
أم يمكن أن يسأل؟
ويقترح؟
ويجرب؟
ويخطئ؟
ويناقش؟
ويعلّم؟
وينقد؟
ويبتكر؟
وهذا لا يعني أن المعلم يتراجع إلى الخلف ..
بل يعني أن المعلم ينتقل من دور «صاحب الكلام الأكبر» إلى دور أكثر ذكاءً :
صاحب التصميم الأجود للتعلم ..
وهذا فرق شاسع ..
والكتاب، كما يبدو من بنيته وإخراجه ومادته، لا يريد أن يكون موسوعة ضخمة ..
فالنسخة التي بين يديّ في حدود 92 صفحة ..
وتبدو مصممة لتكون قريبة من يد المعلم ..
سهلة التصفح والعودة إليها ..
لا مرجعًا أكاديميًا يريد أن يقول كل شيء عن كل شيء ..
وهنا ينبغي أن نكون منصفين ..
إذا كان القارئ يبحث عن دراسة بحثية مطولة في تاريخ كل استراتيجية ..
أو مراجعة نقدية موسعة للأدبيات العلمية حولها ..
ومقارنة بين المدارس والنظريات والنتائج البحثية ..
فلن يكون هذا الكتاب كافيًا وحده ..
وهو أصلًا لا يبدو أنه يزعم لنفسه هذه الوظيفة ..
أما إذا كان المعلم يريد مدخلًا عمليًا واضحًا إلى مجموعة من الاستراتيجيات ..
يريد أن يفهمها ..
ويعرف كيف يمكن أن تتحول من تعريف إلى ممارسة ..
وأن يجد أمثلة تساعده على تخيلها داخل الفصل ..
فهنا يصبح الكتاب أكثر ملاءمة بكثير ..
وهذا الإنصاف مهم ..
وأنا أكتب عن الكتب ..
أتذكر دائمًا معنى تعلمته من أستاذي أحمد بن عبدالمحسن العساف ..
أن عرض الكتاب ليس حفلة مديح للمؤلف ..
ولا عملية اختصار تريح القارئ من القراءة ..
بل هو محاولة لأن نكون أمناء للفكرة ..
وأن نضع الكتاب في مكانه الصحيح ..
ولذلك لا أريد أن أقول إن هذا الكتاب يغني المعلم عن كل ما كتب في استراتيجيات التدريس ..
ولا أريد أن أحمّله ما لم يعد به ..
لكنني أستطيع أن أقول بثقة :
إنه كتاب يعرف الوظيفة التي جاء ليؤديها ..
ويؤديها بطريقة عملية محببة ..
وهذه ميزة لا يستهان بها ..
فالكتاب الجيد ليس بالضرورة الذي يقول كل شيء ..
أحيانًا يكون الكتاب الجيد هو الذي يعرف ما الذي ينبغي أن يقوله ..
وما الذي يمكن أن يتركه للقارئ كي يبحث عنه بعد ذلك ..
وقد أعجبتني في الكتاب هذه الروح تحديدًا ..
إنه لا يحاول أن يستعرض عضلاته النظرية ..
بل يقترب ..
يشرح ..
يعرض ..
يسأل ..
يضرب المثال ..
ثم يتركك تفكر :
أين يمكن أن أضع هذا غدًا؟
و«غدًا» هنا كلمة مهمة ..
لأن هناك كتبًا تقرؤها فتقول :
ما أجمل الفكرة ..
ثم تغلقها ..
وهناك كتبًا تقرؤها فتقول :
أين يمكنني أن أجربها؟
والفرق بين الجملتين هو الفرق بين المعرفة التي تنتهي عند القراءة ..
والمعرفة التي تبدأ بعدها ..
ولهذا أظن أن هذا الكتاب يستحق أن يكون في حقيبة المعلم ..
لا فوق رف المكتبة فقط ..
خصوصًا ونحن على أعتاب عام دراسي جديد ..
فالمعلمون والمعلمات سيعودون قريبًا إلى فصولهم ..
وستعود معهم الأسئلة القديمة والجديدة :
كيف أجذب انتباه طلابي؟
كيف أجعلهم أكثر مشاركة؟
كيف أحول الدرس من وقت يجب أن ينتهي إلى تجربة تستحق أن تُعاش؟
كيف أخرج من دائرة «شرحتُ إذن انتهيت» إلى دائرة «تعلّموا إذن نجحت»؟
فالمعلم يدخل عامه الجديد ومعه كتب ومناهج وخطط وأهداف ..
لكنه ربما يحتاج أيضًا إلى شيء يذكّره ..
كلما تشابهت الأيام ..
بأن الفصل ليس مكانًا لتكرار الدرس نفسه على وجوه جديدة ..
والجميل في الكتاب أنه لا يقول للمعلم :
خذ هذه الوصفة وستنجح دائمًا ..
بل يمنحه شيئًا أكثر نفعًا :
مجموعة أدوات ..
ومعها طريقة في التفكير ..
فالمعلم المبدع لا يحتاج إلى استراتيجية جديدة كل صباح ..
بقدر ما يحتاج إلى أن يبقى قادرًا على النظر إلى درسه بعين جديدة ..
قد يكتشف أن أفضل استراتيجية في درس ما هي حل مشكلة ..
وفي درس آخر سؤال ..
وفي موقف ثالث تعاون بين الطلاب ..
وفي لحظة معينة ربما يكون الإلقاء نفسه هو الخيار الأنسب ..
المشكلة ليست في الإلقاء ..
ولا في السؤال ..
ولا في العمل الجماعي ..
المشكلة حين تتحول أي واحدة منها إلى عادة نستخدمها لأننا اعتدناها ..
لا لأنها الأنسب لما أمامنا ..
وهنا أحببت عنوان الكتاب الأصلي ..
لأن كلمة «الإبداعي» لا ينبغي أن تُفهم بوصفها بحثًا عن الغريب والمثير دائمًا ..
الإبداع في التعليم قد يكون أكثر هدوءًا من ذلك ..
قد يكون في أن تعيد صياغة سؤال ..
أن تستبدل معلومة بمشكلة ..
أن تجعل طالبًا يشرح لزميله ..
أن تعطي مجموعة مهمة بدل أن تعطيها الإجابة ..
أن تسمح لطالب خجول أن يجد طريقة أخرى للمشاركة ..
أن ترى طالبًا كنت تظنه ضعيفًا ..
ثم تكتشف أنه كان يحتاج فقط إلى نافذة مختلفة ..
وأحيانًا يكون الإبداع كله في أن يقول المعلم :
«لا أعرف ..
فلنكتشف معًا.»
يا لها من جملة بسيطة ..
لكنها تهدم شيئًا من الصورة القديمة للمعلم الذي ينبغي أن يعرف كل شيء ..
وتبني صورة أجمل :
معلم لا يفقد هيبته حين يعترف بحدوده ..
بل يمنح طلابه درسًا آخر في معنى التعلم نفسه ..
ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني لا أريد أن أحرق الاستراتيجيات العشر كلها في هذه القراءة ..
أريد أن أترك للمعلم شيئًا من فضول الكتاب ..
أن يكتشف بنفسه بقية الأدوات ..
أن يفتح الصفحة التالية ..
ثم التي بعدها ..
أن يضع إصبعه على استراتيجية ويقول :
هذه تصلح لدرسي غدًا ..
ثم يكتشف بعد أسبوع أن الاستراتيجية نفسها لا تصلح لموقف آخر ..
فيتعلم شيئًا أهم :
أن الأداة لا تُعبد ..
بل تُستخدم ..
وهذه في النهاية روح الاستراتيجية كلها ..
إنها ليست غاية ..
إنها جسر ..
والجسر لا قيمة له إذا ظل جميلًا في مكانه ولم يعبر عليه أحد ..
وقد بقيت معي ..
وأنا أتصفح الكتاب ..
تلك البيضة الغارقة ..
لماذا؟
لأنها تبدو في ظاهرها شيئًا صغيرًا جدًا أمام كل الكلام الكبير عن الإبداع والتفكير والاستراتيجيات ..
لكن ربما هنا تكمن الحكاية كلها ..
قد لا يحتاج المعلم إلى معجزة كي يصنع درسًا لا يُنسى ..
ربما يحتاج إلى بيضة ..
أو سؤال ..
أو مشكلة ..
أو موقف ..
أو صورة ..
أو طالب يشرح لزميله ..
أو لحظة صمت ..
المهم أن يجد المدخل الذي يجعل العقل يتحرك ..
وهنا فقط ..
يتحول التعليم من عملية نقل إلى عملية إيقاظ ..
وقد يكون هذا هو الفارق بين معلم يشرح الدرس ..
ومعلم يترك أثرًا من الدرس داخل الطالب ..
فالأول قد يجعل الطالب يعرف ..
أما الثاني ..
فيجعله يريد أن يعرف أكثر ..
والفرق بين الاثنين ..
هو الفرق بين أن ينتهي الدرس مع الجرس ..
وأن يبقى شيء منه في رأس الطالب بعد أن يغادر الفصل ..
لهذا ..
إذا كنت معلمًا أو معلمة ..
وأنت تستعد لبداية عام دراسي جديد ..
فلا أقول لك :
اقتِنِ هذا الكتاب لأنه «سيغير حياتك» ..
ولا لأننا نحتاج إلى عبارات دعائية أكبر من الكتب ..
بل أقول شيئًا أبسط وأكثر صدقًا :
افتحه إن كنت تريد أن تضيف إلى حقيبة مهنتك أدوات عملية ..
وأن تنتقل من معرفة أسماء الاستراتيجيات ..
إلى رؤية كيف يمكن أن تتحرك داخل الفصل ..
ستجد فيه ما يستحق أن تقرأه ..
وما يستحق أن تجربه ..
وربما ما يستحق أن تختلف معه أو تضيف إليه من خبرتك ..
وهذا جزء من قيمة الكتاب أيضًا ..
فالكتاب الجيد لا يغلق التفكير ..
يفتحه ..
ومن أجمل ما رأيته في إخراجه ..
أن هناك مساحة للملاحظات ..
صفحة بيضاء تقريبًا تنتظر منك شيئًا ..
وقد تبدو للوهلة الأولى تفصيلًا صغيرًا ..
لكنني أحب الكتب التي تترك للقارئ مكانًا ..
لأن الكتاب الذي يملأ كل الفراغات قد يكون مكتملًا ..
لكنه لا يترك لك كثيرًا من العمل ..
أما الصفحة البيضاء فتقول لك ..
بطريقة هادئة :
والآن .. ماذا وجدت أنت؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد كل قراءة حقيقية ..
فالمؤلف يكتب ..
والكتاب يقدم ..
لكن شيئًا آخر يحدث بين الكتاب والقارئ ..
لا يستطيع المؤلف أن يكتبه عنه ..
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله بهذا الكتاب ..
ألا نقرأه بحثًا عن عشر إجابات ..
بل أن نقرأه بحثًا عن أسئلة أفضل ..
وأن نتعلم أن الاستراتيجية ليست اسمًا في شريحة عرض ..
ولا عنوانًا في دورة ..
ولا تعريفًا نحفظه ثم ننساه ..
فالاستراتيجية تبدأ حياتها حين تدخل الفصل ..
وحين تتحول من فكرة نعرفها ..
إلى أداة نفكر في موضعها ووقتها وطريقة استخدامها ..
قد يقرأ معلم استراتيجية ..
فيراها لأول مرة رغم أنه قرأ اسمها عشر مرات ..
وقد يرى معلم آخر نفسه في مثال ..
وقد تقرأ معلمة صفحة عن السؤال ..
فتتذكر طالبًا بعينه ..
وتفكر :
لماذا لم أسأله بهذه الطريقة من قبل؟
وهناك ..
في تلك اللحظة الصغيرة ..
يكون الكتاب قد بدأ يؤدي وظيفته ..
لا حين نقول عنه :
كتاب رائع ..
بل حين يجعلنا نفعل شيئًا مختلفًا ..
وبعد أيام ..
ستعود المدارس ..
ستُفتح الأبواب ..
ستدخل الوجوه الجديدة والقديمة ..
ستُكتب أولى الكلمات على السبورة ..
وستعود الحصة التي تبلغ زمنًا محدودًا ..
لكن المطلوب منها أن تصنع أثرًا قد يمتد سنوات ..
وسيمسك المعلم قلمه ..
وينظر إلى طلابه ..
ربما سيتذكر استراتيجية قرأ عنها ..
وربما لا يتذكر اسمها أصلًا ..
وهذا ليس مهمًا ..
المهم أن يسأل نفسه :
كيف أجعل هذا الدرس حيًا؟
ثم يطرح السؤال ..
أو يضع المشكلة ..
أو يترك الطلاب يتعاونون ..
أو يعطي أحدهم فرصة أن يعلّم زميله ..
أو يجعل فكرة واحدة تُرى من ست زوايا ..
أو يصمت ..
وحينها ..
في تلك اللحظة تحديدًا ..
تكون الاستراتيجية قد خرجت من الكتاب ..
لم تعد تعريفًا ..
ولا عنوانًا ..
ولا خطوة مرقمة ..
صارت طالبًا رفع يده ..
وعينًا لمعت ..
وعقلًا قال للمرة الأولى :
الآن فهمت ..
وفكرة وُلدت ..
ومحاولة لم يضحك عليها أحد ..
وطالبًا اكتشف فجأة أنه يستطيع ..
وهنا فقط ..
تحيا الاستراتيجية ..
وربما لا تكون أجمل استراتيجية هي التي نتذكر اسمها بعد نهاية الحصة ..
بل تلك التي ننسى اسمها تمامًا ..
لأن الذي بقي منها لم يكن اسمًا ولا مصطلحًا ولا خطوات ..
كان عقلًا تحرك ..
وهذه ..
في النهاية ..
هي الغاية التي تستحق أن يعود من أجلها المعلم إلى كتاب قبل أن يعود إلى فصله ..
أن يتذكر أن السبورة ليست المكان الذي تُكتب عليه المعرفة فقط ..
بل المكان الذي قد تبدأ فيه رحلة عقل لم يكن يعرف ..
قبل تلك الحصة ..
أنه قادر على أن يرى العالم بطريقة أخرى ..
ولعل هذا هو أفضل وقت لقراءة كتاب كهذا ..
قبل أن تمتلئ السبورة ..
وقبل أن تتشابه الحصص ..
وقبل أن تتحول الخبرة إلى عادة .

أثر لاينسى
الأربعاء ٢٩ صفر ١٤٤٨
١٢ أغسطس ٢٠٢٦

