● لم يكن يبخل بالإجابة .. بل كان يبني عقلًا 🧠

screenshot ٢٠٢٦٠٧٣١ ٠٦٢٢١٩ whatsapp


هناك فرقٌ هائل ..
بين أن يمنحك أحدهم معلومة ..
وبين أن يمنحك طريقة الوصول إليها ..
الأولى ..
تشبه كوب ماءٍ يروي عطشك ساعة ..
أما الثانية ..
فتشبه أن يدلك على النبع ..
ولهذا ..
لفتني في حوار الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني هذا اليوم ..
أنه كلما طلبت إحدى المتدربات تعريفًا مباشرًا ..
لم يسارع إلى الإجابة ..
ولم يكن ذلك عجزًا عن البيان ..
ولا رغبةً في إطالة الحديث ..
وإنما لأنه كان يرى شيئًا أعمق ..
كان يرى أن العقول لا تنمو بما يُلقى فيها ..
وإنما بما تتحرك نحوه ..
ومن هنا ..
بدأت أفهم أن بعض المعلمين يشرحون الدرس ..
بينما قلةٌ منهم ..
يشرحون كيف يُولد الفهم ..
لم يقل للمتدربات:
هذا هو التفكير فوق المعرفي ..
ثم انتهى الأمر ..
بل سأل ..
ثم ناقش ..
ثم استدرج الفكرة ..
ثم تركها تنمو أمام أعينهن ..
حتى وصلن إليها بأنفسهن ..
وكأن الرسالة الخفية ..
التي كان يكررها طوال الحوار تقول:
لا تعطِ العقل سمكةً .. علّمه كيف يصطاد.
وهنا ..
ظهر أول الفروق ..
التي كثيرًا ما تختلط علينا ..
الفرق بين السؤال والمناقشة ..
فالسؤال ..
كما أوضح ..
يكون غالبًا حين يجهل الطرف الآخر أصل الفكرة ..
أما المناقشة ..
فلا تبدأ إلا بعد وجود معرفة أولية ..
لتأتي بعدها مرحلة التوسيع ..
والتصحيح ..
والإضافة ..
والاستنتاج ..
ولذلك ..
كان يكرر أن المعرفة الأولية لا تكفي ..
وأن الطريق الصحيح هو:
معرفة أولية ..
ثم أسئلة ..
ثم مناقشة توسعية ..
ثم الوصول إلى استنتاجات ..
هذه ليست مجرد طريقة في الحوار ..
بل فلسفة كاملة في التعلم ..
فالعقول لا تنضج بالاستماع وحده ..
وإنما بالاحتكاك ..
والمراجعة ..
والاعتراض ..
والبحث ..
وإعادة بناء الفكرة مرةً بعد أخرى ..
ولهذا ..
لم يكن يرحب بالمعلومة الجاهزة ..
بقدر ما كان يرحب بالبحث عنها ..
كان يطلب من المتدربة أن تقرأ أولًا ..
ثم تعود للمناقشة ..
وكان يرى أن الإنسان ..
إذا لم يتعب في الوصول إلى المعرفة ..
فلن يحتفظ بها طويلًا ..
ثم جاءت العبارة ..
التي شعرت أنها تختصر فلسفته التعليمية كلها:
“المعلومات مادة خام .. لا يُستفاد منها ما لم تتم معالجتها.”
وشبَّهها بالإسمنت ..
والرمل ..
والماء ..
فكل واحدٍ منها بمفرده ..
لا يبني بيتًا ..
لكن حين تمتزج ..
وفق نظامٍ صحيح ..
تتحول إلى مادة جديدة ..
تحمل الأدوار ..
وتقاوم الزمن ..
ويقوم عليها البناء ..
وكذلك المعلومات ..
ليست غايةً في ذاتها ..
إنها مواد أولية ..
أما البناء الحقيقي ..
فينشأ حين يبدأ العقل ..
في تحليلها ..
وربطها ..
ومناقشتها ..
واستخلاص نتائجها ..
ومن هنا ..
نفهم لماذا قال جملته ..
التي تستحق أن تُكتب بماء الذهب:
“فالمعلومات مادة للتفكير.”
لم يقل:
مادة للحفظ ..
ولا مادة للاختبار ..
ولا مادة للتلقين ..
بل مادة للتفكير ..
ولو تأملت قليلًا ..
لوجدت أن الفرق بين الطالب المتفوق وغيره ..
ليس في كمية ما يحفظه ..
بل في الطريقة التي يتعامل بها مع ما يحفظه ..
فقد يجلس طالبان في الصف نفسه ..
ويقرآن الكتاب نفسه ..
ويسمعان الشرح نفسه ..
لكن أحدهما ..
يخرج بمعلومة ..
ويخرج الآخر بفكرة ..
الأول ..
يحمل النص كما هو ..
أما الثاني ..
فيحاوره ..
ويحلله ..
ويقارنه ..
ويضيف إليه ..
ثم يعيد إنتاجه ..
في صورة جديدة ..
ولهذا ..
لم يكن الدكتور يريد عقولًا تمتلئ ..
بل عقولًا تعمل ..
ومن هنا أيضًا ..
نفهم لماذا أكد ..
أن التدريس في جوهره ..
ليس نقل المعلومات ..
وإنما تنمية مهارات التفكير ..
ولذلك ..
عدّد المهارات الخمس ..
التي يرى أن كل معلم ..
ومشرف ..
وقائد تربوي ..
لا عذر له في جهلها:
مهارات التفكير الأساسية .
مهارات التفكير العلمي .
مهارات التفكير الناقد .
مهارات التفكير الإبداعي .
مهارات التفكير فوق المعرفي .
ولم يكن يذكرها ..
بوصفها عناوين في كتاب ..
وإنما باعتبارها الأدوات ..
التي بُنيت عليها المناهج الحديثة ..
والتي ينبغي أن تُبنى عليها الحصة الدراسية ..
قبل أن تُبنى على صفحات الكتاب
  .

لكن أكثر ما شدّني في ذلك الحوار ..
لم يكن حديثه عن التفكير ..
بل طريقته في تفكيك المفاهيم ..
فحين انتقل الحديث إلى “المبادرة” ..
لم يبدأ بتعريفها كما تفعل الكتب ..
ولم يكتب سطرًا يقول فيه:
المبادرة هي…
ثم ينتهي الأمر ..
بل فعل شيئًا آخر ..
ترك الجميع يعرّفها ..
كل واحدة قدّمت تصورها ..
إحداهن رأت أنها فكرة جميلة ..
وأخرى عدّتها نشاطًا ..
وثالثة استشهدت بتجربة ناجحة ..
والدكتور لا يرفض مباشرة ..
ولا يقاطع ..
ولا يصادر الآراء ..
كان يترك الفكرة تخرج كاملة ..
ثم يبدأ بتشريحها بهدوء ..
كان يسأل أكثر مما يجيب ..
“هل هذه مبادرة؟”
“لماذا؟”
“هل يستطيع الجميع فعلها؟”
“أين القيمة المضافة؟”
“من الذي صنع الأثر الحقيقي؟”
حتى بدا وكأنه لا يبحث عن تعريف للمبادرة ..
بل يبحث عن الطريقة التي وُلد بها التعريف داخل عقولهم ..
وهنا أدركت معنى آخر من معاني التربية ..
فالمربي الحقيقي ..
لا يملأ العقول بالمفاهيم ..
بل ينقّيها من المفاهيم الخاطئة أولًا ..
ولذلك لم يكن اعتراضه على الأفكار المطروحة لأنها سيئة ..
بل لأنها لا تزال تحتاج إلى شيء يجعلها تستحق اسم “مبادرة” ..
فالعمل الجميل ..
ليس بالضرورة مبادرة ..
والواجب الوظيفي ..
ليس مبادرة ..
والنشاط ..
مهما لاقى استحسانًا ..
لا يتحول إلى مبادرة ..
لمجرد أن الناس أعجبوا به ..
ولهذا أخذ الدكتور يهدم الأمثلة واحدًا تلو الآخر ..
هل استخدام الوسيلة التعليمية مبادرة؟ ..
لا ..
هل غلق الدرس بطريقة جيدة مبادرة؟ ..
لا ..
هل تدريب المعلمات على التقنية مبادرة؟ ..
لا ..
بل حتى حين قيل إن المعلمة تسترجع الدرس السابق مع طالباتها ..
أجاب بهدوء:
“هذا عنصر أساسي في التدريس.”
كأنما كان يريد أن يعيد الأشياء إلى أماكنها الصحيحة ..
فليس كل عمل حسن مبادرة ..
كما أن ليس كل جديد إضافة ..
ثم جاءت اللحظة التي اتضحت فيها الصورة ..
لم يكتفِ بنقد الأمثلة ..
بل أمسك بإحدى الأفكار المطروحة ..
وأعاد بناءها أمام الجميع ..
كانت الفكرة في أصلها تتحدث عن تعليم الطالبات مهارات المذاكرة ..
ولو بقيت كما هي ..
لظلت نشاطًا يمكن لأي معلمة أن تؤديه ..
لكن الدكتور نقلها إلى مستوى آخر ..
لم يعد الأمر مجرد لقاء عابر مع الطالبات ..
بل مشروع يبدأ من فكرة ..
ثم يتحول إلى برنامج تدريبي ..
ثم إلى خطة عمل ..
ثم إلى تدريب للمعلمات ..
ثم إلى تدريب للأمهات ..
ثم إلى متابعة ..
ثم إلى قياس أثر ..
ومن هنا رسم ..
خطوة خطوة ..
صورة المبادرة الحقيقية ..
فهي تبدأ بإقناع القيادة التعليمية بها ..
ثم تحديد زمنها ..
ثم إعداد حقيبتها العلمية ..
ثم بناء محتواها ..
ثم تدريب المنفذين عليها ..
ثم تطبيقها ..
ثم اختيار أفضل الممارسات ..
ثم نقلها إلى المجتمع ..
ثم قياس أثرها الحقيقي على المتعلمين ..
ولم يكن أجمل ما في هذا التصور ..
كثرة خطواته ..
بل كثرة المهارات التي احتواها ..
فبرنامج واحد في “فنون المذاكرة الفعالة” ..
لم يعد مجرد حديث عن الدراسة ..
بل أصبح مدرسة كاملة تُعلِّم:
مهارة التلخيص ..
مهارة اختيار الوقت المناسب للمذاكرة ..
مهارة اختيار المكان ..
بناء الخرائط الذهنية ..
التمييز بين الأفكار الرئيسة والفرعية والإثرائية ..
اختيار أسلوب المذاكرة الأنسب لكل طالب ..
مهارات ما قبل الاختبار ..
مهارات أثناء الاختبار ..
مهارات ما بعد الاختبار ..
وهنا ..
لم يعد الهدف أن يحفظ الطالب أكثر ..
بل أن يتعلم كيف يتعلم ..
وهذه الجملة وحدها ..
تكاد تختصر فلسفة الحوار كله ..
ولعل أجمل ما في هذا الجزء ..
أن الدكتور لم يكتفِ ببناء المبادرة ..
بل أعاد تعريفها من جديد ..
حين قال ما معناه:
ليس كل ما يفعله الناس يستحق أن يسمى مبادرة ..
فالمبادرة الحقيقية ..
ليست ما يستطيع الجميع أن يفعلوه بالطريقة نفسها ..
وإنما ما يضيف قيمة ..
ويبني أثرًا ..
ويترك بعده شيئًا ..
لم يكن موجودًا قبل أن يبدأ ..
ولهذا كان يحذر من الخلط ..
بين العمل الخيري ..
والواجب الوظيفي ..
والمبادرة التعليمية ..
فالخير خير ..
والواجب واجب ..
لكن المبادرة شيء آخر ..
هي فكرة تتحول إلى مشروع ..
ومشروع يتحول إلى أثر ..
وأثر يبقى ..
بعد أن يغادر صاحبه المكان ..

غير أن ما استوقفني أكثر من كل ذلك …
أنه لم يكن يدافع عن مصطلح ..
كان يدافع عن قيمة ..
كان يشعر أن كلمة “مبادرة” بدأت تُستهلك ..
حتى كادت تفقد معناها ..
ولهذا لم يكن يتساهل في إطلاقها ..
كان يريد أن يعيد للكلمات هيبتها ..
ولذلك ضرب أمثلة صغيرة ..
لكنها كانت تكشف خللًا كبيرًا ..
فبعضهم يرى أن توزيع زجاجات الماء مبادرة ..
وآخر يعد شراء جهاز للمدرسة مبادرة ..
وثالث يظن أن مجرد استخدام التقنية في الحصة مبادرة ..
ورابع يقف في نهاية العام ..
يعدّد أعمالًا هي في الأصل جزء من واجبه الوظيفي ..
ثم ينتظر أن تُكتب له في سجل المبادرات ..
وهنا ابتسم الدكتور ..
لكنه لم يترك الفكرة تمر ..
بل أعاد الجميع إلى السؤال الأول:
هل كل عمل حسن يُسمى مبادرة؟
وكان الجواب ..
في كل مرة ..
يعيد بناء الوعي من جديد ..
فالواجب يبقى واجبًا ..
ولو أُحسن أداؤه ..
والإحسان يبقى إحسانًا ..
ولو استحق الشكر ..
أما المبادرة ..
فلها روح مختلفة ..
إنها لا تولد من الرغبة في جمع النقاط ..
ولا من انتظار بند إضافي في استمارة الأداء ..
ولا من السعي إلى مكافأة أو ثناء ..
إنها تولد حين يرى الإنسان فراغًا لا يراه غيره ..
ثم يقرر أن يملأه ..
ويرى مشكلة لم تُحل ..
فيبحث عن حل لها ..
ويرى حاجة لم ينتبه إليها أحد ..
فيصنع لها طريقًا ..
ولذلك كان من أجمل ما قاله الدكتور ..
حين سُئل عن المبادرة ..
أنها تتصف بسمتين عظيمتين:
أولًا:
أنها لا تأتي بطلب من أحد ..
وثانيًا:
أن صاحبها لا يطلب المكافأة عليها ..
يا لها من عبارة قصيرة ..
لكنها تهدم كثيرًا من المفاهيم ..
التي التصقت بهذه الكلمة في السنوات الأخيرة ..
فكم من مبادرة ..
لم تكن في حقيقتها إلا تنفيذًا لتوجيه ..
وكم من مبادرة ..
لم يكن هدفها إلا الحصول على درجة أعلى في التقييم ..
وكم من عمل عظيم ..
لم يسمه صاحبه مبادرة أصلًا ..
لأنه كان يبتغي به وجه الله قبل كل شيء ..
ومن هنا شعرت ..
أن الدكتور لم يكن يعالج تعريفًا تربويًا فقط ..
بل كان يعالج نية ..
وكان يريد أن يحرر العمل التربوي ..
من ثقافة:
“ماذا سأكسب ؟”
إلى ثقافة:
“ماذا سأضيف ؟”
ولعل أجمل ما في الحوار ..
أنه لم يكتفِ بالنقد ..
بل كان يصنع البديل ..
فحين طرحت الأستاذة شفيعة فكرتها ..
عن تدريب الطالبات على المذاكرة ..
لم يقل لها:
فكرتك خاطئة ..
بل أخذ الفكرة نفسها ..
وأعاد تشكيلها ..
وكأن معلمًا ماهرًا ..
أمسك بقطعة خام من الطين ..
ثم بدأ يصنع منها تحفة ..
أضاف إليها التخطيط ..
والتنظيم ..
والتدرج ..
والتدريب ..
والقياس ..
حتى تحولت من نشاط جميل ..
إلى مشروع مؤسسي متكامل ..
وهنا أدركت درسًا تربويًا ..
لا يقل أهمية عن المبادرة نفسها ..
المعلم المبدع لا يكثر من الأفكار الجديدة ..
بل يعرف كيف يجعل الفكرة الواحدة تنمو ..
وتتسع ..
وتؤتي ثمارها ..
وهذه خصيصة ..
لا تظهر إلا عند المعلمين الكبار ..
فالمعلم العادي ..
يظن أن قوته في كثرة ما يقول ..
أما المعلم الحقيقي ..
فيدرك أن قوته ..
في كثرة ما يجعل الآخرين يقولونه ..
فهو لا يحتكر الفكرة ..
بل يساعدها على أن تولد في عقول الآخرين ..
حتى يشعر كل واحد منهم ..
أنه هو الذي اكتشفها بنفسه ..
ولذلك لم يكن يبهرني ..
عدد الأفكار التي طرحها الدكتور ..
بقدر ما أبهرني ..
عدد الطبقات التي كان يضيفها إلى الفكرة الواحدة ..
فكرة صغيرة ..
ثم سؤال ..
ثم نقاش ..
ثم تعديل ..
ثم إضافة ..
ثم تجربة ..
ثم تقويم ..
ثم قياس أثر ..
حتى تصبح الفكرة ..
كائنًا حيًا ..
لا عنوانًا مكتوبًا في ورقة ..
وهنا فقط ..
بدأت أفهم سرًا آخر ..
أن التربية ..
ليست صناعة الإجابات ..
بل صناعة الإنسان ..
الذي يستطيع أن يصنع الإجابة بنفسه ..
ولذلك لم يكن غريبًا ..
أن يكرر الدكتور ..
مرة بعد أخرى ..
أن المعلم إذا لم يتدرب على التفكير ..
فلن يستطيع أن يدرّب طلابه عليه ..
ففاقد الشيء ..
لا يمنحه ..
ومن لا يحسن إدارة الفكرة في عقله ..
لن يستطيع أن يوقظها في عقول طلابه ..
وهنا يعود بنا الحوار كله ..
إلى الجملة التي افتتح بها حديثه منذ البداية:
“التدريس يعني التفكير .”
ولعلها ليست مجرد مقولة ..
بل مفتاح المقال كله ..
ومفتاح كل ما قيل بعده .

غير أن الحوار لم يكن ينتهي عند حدود المبادرة ..
فكلما ظننت أن الدكتور فرغ من فكرة ..
فتح بابًا إلى فكرة أعمق منها ..
كان يريد أن يقول:
إن الخلل لا يبدأ حين نجهل الجواب ..
بل يبدأ حين نتوقف عن البحث ..
ولهذا لم يكن غريبًا ..
أن يكرر أكثر من مرة أن المعرفة لا تُؤخذ جاهزة ..
كان يقول للمتدربات:
ابحثن أولًا… ثم تعالين نناقش.
وكأن البحث في نظره ..
ليس خطوة تسبق التعلم ..
بل هو جزء من التعلم نفسه ..
ولذلك لم يكن يعجبه أن يسمع سؤالًا ..
يمكن لصاحبه أن يصل إلى إجابته بقراءة جادة أو بحث صادق ..
ولم يكن يفعل ذلك تضييقًا على أحد ..
بل لأنه كان يريد أن يربي عقلًا ..
لا مستهلكًا للمعلومات ..
ولهذا قال عبارة تستحق أن يتوقف عندها كل معلم، وكل طالب علم:
“المعلومة التي تأتي بسهولة… تذهب بسهولة.”
فالإنسان لا يحتفظ غالبًا بما أُلقي إليه ..
لكنه يحتفظ طويلًا بما تعب في الوصول إليه ..
ولذلك لم يكن يرى أن البحث عبئًا ..
بل كان يعدّه جزءًا من بناء الشخصية العلمية ..
وربما لهذا السبب ..
كان شديد الإيمان بالمناقشة ..
فالمناقشة عنده ليست استعراضًا للثقافة ..
وليست جدلًا لإثبات الرأي ..
بل هي معمل تُختبر فيه الأفكار ..
هناك تتعرى المفاهيم الهشة ..
وهناك تُصحح الأخطاء ..
وهناك يكتشف الإنسان ..
أحيانًا ..
أن أكثر ما كان واثقًا منه ..
هو أكثر ما يحتاج إلى مراجعة ..
ولعل أجمل ما في هذا الأسلوب ..
أنه لا يُشعر المتعلم بالهزيمة ..
بل يجعله شريكًا في اكتشاف الحقيقة ..
وهذا فرق عظيم ..
فالذي تُلقى عليه الحقيقة قد يحفظها ..
أما الذي يشارك في بنائها ..
فنادرًا ما ينساها ..
ولم يكن الدكتور يتحدث عن هذا بوصفه تنظيرًا ..
بل روى تجربة عملية عاشها بنفسه قبل سنوات ..
حين أشرف على مشروع:
«بيت الخبرة في استراتيجيات التدريس»
في مدرسة موزة بنت محمد بالدوحة ..
ولم تكن الفكرة أن يقدم دورة تدريبية ثم يغادر ..
بل أن يبني مجتمعًا مهنيًا داخل المدرسة ..
بدأ أولًا بتقديم الكتل المعرفية الأساسية لكل استراتيجية ..
ثم قسّم المعلمات إلى فرق ..
بحيث تتبنى كل مجموعة استراتيجية واحدة ..
لا لتعرض ما سمعته فحسب ..
بل لتبحث ..
وتقرأ ..
وتضيف ..
ثم تقدم حصيلة بحثها أمام زميلاتها ..
ثم لم يتوقف الأمر عند القاعة التدريبية ..
بل انتقل معهم إلى الفصول ..
يزور التطبيق بنفسه برفقة قائدة المدرسة آنذاك .. الأستاذة الفاضلة شيخة المنصوري .. التي علم لاحقًا أنها انتقلت إلى العمل في الوزارة  .. ..
ثم يعود بالجميع إلى ورشة جديدة ..
يناقش فيها ما حدث بعد التطبيق ..
وما الذي نجح ..
وما الذي يحتاج إلى مراجعة ..
كان يريد أن تنتقل المعرفة من الورق ..
إلى العقل ..
ثم إلى الممارسة ..
ثم تعود مرة أخرى إلى العقل أكثر نضجًا ..
وهنا فهمت لماذا كان يردد ..
أن النقاش هو المرحلة الأعمق في التعلم ..
فالمعرفة التي لا تُختبر في الواقع ..
تبقى معلقة في الهواء ..
ولعل أجمل ما في تلك التجربة ..
أنه لم يجعل المعلمات متلقيات ..
بل جعلهن باحثات ..
وشاركات ..
وصانعات معرفة ..
بل إنه اعترف ..
بكل تواضع ..
أنهن أضفن إلى المادة العلمية أشياء ..
لم تكن في مذكراته ..
وأنه استفاد من بحوثهن ..
كما استفدن من شرحه ..
تلك الجملة وحدها ..
تكشف شيئًا نادرًا في شخصية المعلم الحقيقي ..
فهو لا يدخل المجلس ..
وهو يظن أنه يملك الحقيقة كاملة ..
بل يدخل ..
وهو مستعد أن يتعلم أيضًا ..
ولهذا قال كلامًا يستحق أن يُكتب على أبواب المدارس:
“أنا أستفيد منكم… والاستفادة المعرفية أعظم من أي استفادة أخرى.”
وما أجمل أن يبلغ المعلم هذه المرحلة ..
فكلما ازداد علمًا ..
ازداد تواضعًا ..
لأنه يدرك أن الحقيقة أكبر من أن يحملها عقل واحد ..
وأن الحوار الصادق ..
لا يزيد المعرفة انتشارًا فحسب ..
بل يزيدها عمقًا أيضًا ..
ما أجمل أن يقولها معلم ..
وما أندر أن يعيشها ..
ولذلك لم يكن مستغربًا ..
أن يحذر من المعلم الذي يظن أن تخرجه من الجامعة يعني نهاية تعلمه ..
ففي زمن تتضاعف فيه المعرفة كل يوم ..
لا يكفي أن يحمل الإنسان شهادة ..
بل لا بد أن يحمل معها عقلًا يبحث ..
ويقرأ ..
ويناقش ..
ويعيد النظر ..
فالجامعة قد تمنحك بداية الطريق ..
لكنها لا تستطيع أن تمشيه عنك ..
ولهذا كان يؤمن ..
أن المعلم الذي توقف عن التعلم ..
توقف ..
من حيث لا يشعر ..
عن التعليم ..
وبعد ساعات من انتهاء اللقاء ..
لم أكن أراجع تعريف التفكير فوق المعرفي ..
ولا أستعيد خطوات المبادرة ..
ولا أحاول أن أتذكر أسماء الاستراتيجيات ..
كنت أفكر في شيء واحد فقط ..
لماذا خرجت من هذا الحوار وأنا أشعر أنني أريد أن أقرأ أكثر؟
عندها أدركت ..
أن الدكتور نجح في أهم ما يمكن أن ينجح فيه معلم ..
لم يملأ ذاكرتي ..

بل أيقظ فضولي ..
ولعل أجمل ما خرجتُ به من هذا الحوار ..
أن الدكتور لم يكن يدعو إلى تغيير طريقة التدريس فحسب ..
بل كان يدعو إلى تغيير طريقة النظر إلى العلم نفسه ..
فالعلم عنده ليس صفحات تُحفظ ..
ولا معلومات تُجمع ..
ولا شهادات تُعلَّق على الجدران ..
العلم حركة ..
وسؤال ..
وبحث ..
وحوار ..
وتجربة ..
ثم مراجعة ..
ثم بداية جديدة ..

ولعل الإنسان ينسى كثيرًا مما سمعه في ذلك الحوار ..
لكنه لن ينسى الفكرة ..
التي ظل الدكتور ينسجها منذ أول كلمة حتى آخرها :
أن مهمة المعلم ليست أن يملأ العقول بالمعلومات ..
وإنما أن يوقظ فيها القدرة على التفكير ..
وحين ينجح في ذلك ..
فقد علَّم الإنسان شيئًا سيبقى معه ..
حتى بعد أن ينسى أسماء الدروس ..
وأرقام الصفحات ..
وتفاصيل المناهج ..
وهنا فقط ..
يفهم الإنسان لماذا قال الدكتور في أول الحوار ..
ثم أثبتها في آخره ..
بالفعل قبل القول :
«التدريس يعني التفكير.»
ولعلها ليست أجمل عبارة في الحوار فحسب ..
بل أجمل تعريف يمكن أن يُكتب للتعليم كله ..
وربما لهذا السبب ..
لا يُقاس أثر المعلم بعدد الدروس التي أنهى شرحها ..
بل بعدد العقول التي غادرت مجلسه ..
وهي تفكر بطريقة مختلفة ..
فهناك من يعلّم الناس ماذا يعرفون ..
وهناك من يعلّمهم كيف يعرفون ..
والأول قد ينتهي أثره بانتهاء الدرس ..
أما الثاني ..
فأثره يمتد ما امتد التفكير ..
ولعل أجمل ما في ذلك الحوار ..
أنني لم أخرج وأنا أحفظ تعريفًا جديدًا للمبادرة ..
ولا قائمة جديدة لمهارات التفكير ..
خرجت وأنا أعيد النظر في معنى التعليم نفسه ..
أدركت أن المعلم الحقيقي ..
ليس الذي يكثر من الإجابات ..
وإنما الذي يكثر من الأسئلة ..
وليس الذي يملأ دفاتر طلابه بالمعلومات ..
بل الذي يوقظ في عقولهم الرغبة في البحث عنها ..
فالمعلومة قد تُنسى ..
أما طريقة الوصول إليها ..
فتبقى ..
وقد تغيب أسماء الدروس ..
وتُطوى صفحات الكتب ..
وتبهت تفاصيل المحاضرات مع مرور الأيام ..
لكن أثر المعلم الذي علّمك كيف تفكر ..
يظل يسير معك في كل قرار ..
وكل قراءة ..
وكل موقف جديد ..
ولذلك لم يكن الدكتور مسفر القحطاني في ذلك الحوار ..
يشرح درسًا عن التفكير ..
كان يمارس التفكير أمامنا ..
ولم يكن يلقّن معنى المبادرة ..
كان يبني عقلًا يعرف كيف يبادر ..
وهذا هو التعليم ..
الذي يبقى أثره بعد أن ينتهي الدرس ..
وهذا هو المعلم ..
الذي لا يغادر طلابه ..
حتى بعد أن يغادر الفصل .

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى
جدة
الجمعة ١٧ صفر ١٤٤٨
٣١ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *