🪞 حين تُخدع بالثقة .. وتنسى المهارة 🌿

screenshot ٢٠٢٦٠٧٢٩ ٠٢٥٤٤٣ gallery


ليست كل غيبةٍ انقطاعًا ..
فبعض الغياب يكون امتلاءً ..
كانت الأيام تمضي مسرعة ..
والعمل يزدحم حتى ضاق الوقت عن كثيرٍ مما أحب ..
لكن شيئًا واحدًا لم يستطع الزمن أن ينتزعه من قلبي ..
الإصغاء ..
كنتُ أمر على حوارات الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
كما يمر العطشان على نهرٍ يعرف أنه سيعود إليه ..
ألتقط فكرة ..
وأحفظ أخرى ..
وأغادر ..
وفي داخلي حديثٌ لم يكتمل بعد ..
كم من مرة أغلقت الهاتف ..
بينما بقيت الجملة مفتوحة في ذهني ..
وكم من فكرةٍ أيقظت في القلب سؤالًا ..
ثم مضيت عنها مكرهة ..
وأنا أقول :
ليست هذه الكلمات مما يجوز أن تعبر كما تعبر الأيام ..
فبعض الأفكار لا يكفي أن تُسمع ..
بل تستحق أن تُخلَّد ..
ظننتُ أن انشغالي سيؤجل الكتابة ..
لكنه لم يؤجل التأمل ..
ولم يؤجل الإيمان بأن الكلمة الصادقة ..
إذا وجدت من يحملها ..
امتد عمرها ..
واتسع أثرها ..
واليوم ..
لا أعود لأن الوقت فرغ ..
بل لأن بعض الأفكار أبت أن تبقى حبيسة القلب ..
ولعل أولها ..
ذلك السؤال الذي ظننته في بدايته سؤالًا عن الثقة ..
ثم اكتشفت مع امتداد الحوار ..
أنه سؤالٌ عن الإنسان نفسه ..
كيف تُولد الثقة؟
وهل يمكن أن تخدعنا حتى نظنها مهارة؟
ومن هنا ..
بدأت الحكاية ..

كم من إنسانٍ دخل مجلسًا ..
فأُعجب الناس بثبات صوته ..
وسرعة جوابه ..
وقوة حضوره ..
ثم اكتشفوا بعد دقائق ..
أن ما أبهرهم لم يكن علمًا ..
بل ثقةً فارغة ..
وكم من آخر جلس صامتًا ..
يزن كلماته ..
ويختار عباراته ..
حتى ظنه بعضهم مترددًا ..
فإذا تكلم ..
أدرك الجميع أن الهدوء قد يخفي علمًا ..
وأن الضجيج ليس دائمًا دليلًا على الامتلاء ..
ولهذا ظل سؤالٌ طرحه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
يدور في الذهن أكثر مما دار في الحوار ..
«أيهما يسبق الآخر… الثقة بالنفس أم المهارة؟»
بدا السؤال بسيطًا ..
لكن كلما امتد النقاش ..
اتضح أن القضية ليست في ترتيب الكلمتين ..
بل في فهم معنى الثقة نفسه ..
ومن بين كل ما مرّ من الحوارات ..
كان هذا السؤال أكثرها إلحاحًا ..
كلما ظننت أنني غادرتُه ..
عاد إليّ من طريقٍ آخر ..
ظننته سؤالًا عن الثقة ..
ثم اكتشفت ..
مع امتداد الحوار ..
أنه سؤالٌ عن الإنسان كله ..
لقد اعتاد الناس أن يصفوا كل جريء بأنه واثق ..
وكل متحدث بأنه ماهر ..
وكأن الصوت المرتفع أصبح دليلًا على المعرفة ..
مع أن الواقع كثيرًا ما يقول غير ذلك ..
ومن أجمل ما كشفه الدكتور أثناء الحوار ..
أنه فرّق بين الجرأة والمهارة ..
وبين الحضور والإتقان ..
حتى قال إن الإنسان قد يتحدث أمام الناس سنوات طويلة ..
ومع ذلك لا يكون متحدثًا ماهرًا ..
وإنما اعتاد الوقوف فقط ..
وضرب لذلك أمثلة بقيت عالقة في الذهن ..
فتحدث عن معلمٍ ظل سنوات يختصر المنهج في ورقة واحدة ..
حتى أحبه طلابه ..
لكنه حين واجه مواقف التعليم الحقيقية ..
اكتشف أنه لم يبنِ مهارة ..
وإنما بنى راحةً مؤقتة ..
ثم روى قصة معلمٍ آخر ..
أمضى خمسةً وثلاثين عامًا في الميدان ..
لكنه اضطر إلى التقاعد ..
لأنه لم يعد قادرًا على إدارة صفه ..
وكأن السنوات الطويلة لم تكن كافية ..
لأن الزمن وحده لا يصنع المهارة ..
إذا توقف الإنسان عن التعلم ..
وأحسب أن أخطر ما يواجه الإنسان ..
ليس أن يجهل ..
بل أن يظن أن سنواته الطويلة أعفته من التعلّم ..
وكانت المفاجأة الأعمق ..
حين أشار الدكتور إلى ما توصلت إليه بعض الدراسات ..
إذ قد يبدو الجاهل أكثر ثقة من العالم ..
لأن الجاهل لا يرى حجم ما يجهله ..
بينما يبدأ المتعلم رحلته ..
وهو يكتشف اتساع المعرفة ..
فتنخفض ثقته أولًا ..
ثم تعود لترتفع من جديد ..
ولكن هذه المرة ..
على أرضٍ صلبة من الفهم والخبرة ..
وهنا تتغير نظرتنا إلى الثقة ..
فالثقة الحقيقية ليست شعورًا نحاول إقناع أنفسنا به ..
وليست كلمات تحفيزية نرددها كل صباح ..
وإنما نتيجة طبيعية ..
لمهارات تتراكم ..
وخبرات تُبنى ..
وتجارب تُراجع ..
وأخطاء يُتعلم منها ..
ولهذا فإن الإنسان كلما أتقن شيئًا ..
ازدادت ثقته به ..
وكلما اتسعت مهاراته ..
اتسعت معها مساحة الطمأنينة داخله ..
حتى يصبح هادئًا ..
لأنه يعلم ..
لا لأنه يتظاهر بالعلم ..
وربما لهذا السبب ..
كان العلماء عبر التاريخ أكثر الناس تواضعًا ..
لأن المعرفة الحقيقية لا تُنتج غرورًا ..
بل تُنتج وعيًا بحجم الطريق الذي لم يُقطع بعد ..
ولهذا لم يكن سؤال الدكتور عن الثقة والمهارة ..
سؤالًا تربويًا فحسب ..
بل كان سؤالًا عن طريقة بناء الإنسان ..
هل نبحث عن ثقةٍ تسبق العمل؟ ..
أم نبني العمل أولًا ..
فتأتي الثقة تمشي خلفه؟ ..
إن الفرق بينهما ..
هو الفرق بين بيتٍ بُني على الصخر ..
وآخر بُني على الرمل ..
فالبيت الأول قد يتأخر في البناء ..
لكنه يبقى ..
أما الثاني ..
فقد يكتمل سريعًا ..
لكنه لا يصمد طويلًا ..
وفي النهاية ..
ليست المشكلة أن يثق الإنسان بنفسه ..
بل أن يثق بها قبل أن يمنحها ما تستحقه ..
من علمٍ ..
ومهارةٍ ..
ومراجعةٍ ..
وتعلّم ..
فالناس قد يُخدعون بالثقة مرة ..
لكن الحياة لا تُخدع إلا بالمهارة
.

screenshot ٢٠٢٦٠٧١٦ ٠١٤٣٥٠ chrome

أثر لاينسى
جدة
الأربعاء ١٥ صفر ١٤٤٨
٢٩ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

2 لا يوجد تعليقات

  1. حنان العبدالملك

    أبدع مدير الحوار في الطرح
    وأبدعت كاتبة المقال في تلخيص الفكرة
    سلمت يمينك
    ونسأل الله لمدربنا الفاضل ولنا جميعا أن ينفعنا بما علمنا و ينفع بنا

    1. شكرًا لكِ أ. حنان ..
      على جميل دعائكِ
      وطيب مشاعركِ ..
      دمتِ صاحبةَ قلبٍ طيب ..
      وكلمةٍ مباركة 🌷

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *