الحيرة الكبرى 🌀.. حين يختطف الآخرون عقلك 🧠

screenshot ٢٠٢٦٠٧٢١ ١٩٤٧٠٤ gallery

.

من اعجب واغرب المواقف التي مررت بها في عالم الاشراف

موقف ( الحيرة الكبرى)

هذا الموقف من أعجب واغرب المواقف

كنت في زيارة مدرسة من المدارس الكبيرة التي بلغ عدد معلمي الصفوف الاولية فيها اثني عشر معلما واثناء حديثي مع مدير المدرسة قام يكرر على مسمعي اسم أحد المعلمين يصفه بالتميز والابداع والاتقان

بدأت في زيارة المعلمين حتى جاءت فرصة زيارة المعلم المتميز الذي استقبلني بحفاوة وترحيب ثم بدا حصته بطريقة تقليدية رتيبة وأنهاها بنفس الوتيرة ولم يكن في الحصة مما ذكره المدير عنه شيئا

عدت الى غرفة الادارة ونظرت في دفتر المعلم فوجدته يحضر دروسه يوما ويترك يومين ويقوم بتحضير مختصر ومخل لكل درس بما يوحي أن المعلم يفتقد الاعداد الجيد في دفتره ومهارات التدريس في ممارساته التدريسية

سبق للمدير ان أخبرني ان المعلم يحصل في جميع الأعوام السابقة على درجة 100 في الاداء الوظيفي

طلبت الجلوس مع المعلم وناقشته حول الدرس فوجدته مرتبكا منفعلا مما أشعرني انه لم يناقش من قبل ثم سألته عن مدى اكتمال دفتر التحضير فقال هو كامل تماما والجميع يثني عليه

شجعتني ثقته الكبيرة في نفسه على مكاشفته حول جوانب القصور لديه بعد ان ذكرت جوانب القوة لديه… اخرجت له الدفتر واطلعنه على الأيام التي لم يقم بالتحضير لها ثم ناقشته حول التحضير الناقص والذي يفتقد كل مقومات اعداد الدرس في الأدبيات التربوية والتعليمية

كان المدير يتابع حوارنا بقلق شديد وصمت مطبق

بعد نهاية المداولة الاشرافية للمعلم اخبرني أنه في كل عام يحصل على درجة ال 100 فقلت له في هذه الزيارة سيختلف الأمر قليلا خاصة انه لم يعترف بأي خطأ او تقصير

بعد خروجه من المكان ناقشت المدير حول ماتم في المداولة الاشرافية مع المعلم وكنت متأكدا أنه كان يتابع كل حرف في حواري مع المعلم مع انه وقتذاك كان يتشاغل بقراءة اوراق بين يديه

أخبرت المدير أنني سأضع للمعلم درجة 96 كبداية لعملية التصحيح مع قناعتي ان الدرجة المستحقة أقل بكثير.. لم يدافع المدير عن المعلم لكنه طرح تساؤلا عن سر منح المشرفين السابقين له الدرجة الكاملة فقلت له كل عام له تقييم خاص وجزما زملائي وضعوا له التقييم المناسب له لكني هذا العام مسئولا عن تقييمه

خرجت من المدرسة وقبل نهاية دوامي في ادارة التعليم قابلت مدير الاشراف التربوي الذي طلب ان نجلس لمدة خمس دقائق في مكتبه وهناك اخبرني أن احد المعلمين قد قدم علي شكوى وتظلم على درجة الزيارة الصفية وذكر لي اسم المعلم فقلت له هل قال لك كم الدرجة فقال 96 ثم ذكر أن المعلم لم يحصل في اي عام على درجة غير ال 100

قلت لمدير الاشراف لم اكن ارغب في كشف اوراقه لكن بما ان الموضوع وصل لطلب الانصاف واتهامي بالظلم فهاك واقع المعلم

صدم مدير الاشراف من واقع المعلم وتقصيره فقال مثل هذا كان يجب ألا يتجاوز تقييمه فوق 75 درجة فقلت لذلك انا ارحم منك لكوني مازلت أؤمل فيه خيرا اترك لي معالجته بطريقتي

مارايكم نكمل الموقف بعد صلاة العصر باذن الله مع تلقيمة الشاي

جاء موعد الزيارة الثانية للمعلم وقررت ان أزوره في منهج القران الكريم فقد يكون مستواه افضل من مستواه في منهج لغتي وكما كان حاله في الحصة السابقة كذلك كان في هذه الحصة بل اقل فلم يكن يمتلك ابجديات اخكام التجويد البسيطة مثل احكام النون الساكنة والتنوين بل كانت قراءته للسورة اقرب الى قراءة العوام من الناس

بعد نهاية الحصة مشى معي في الممر وكنت اقرا في عينيه تحفزا مع شيء من التردد لم ينجح في اخفاءه… شكرته على أدائه وسالته بعفوية هل سبق لك أستاذ ان التحقت باحدى حلقات التجويد؟ كنت اتوقع انه سيقول لا وبعدها سأقول انصحك بذلك لكون كثير من المعلمين تغير اداؤهم كثيرا بعد القراءة على يد المتخصصين ثم ذكرت له انني لسنوات كنت في مثل هذه الحلقات واستفدت منها كثيرا في حياتي

رد علي  قال يا استاذ لو اردت ان أعلمك التجويد علمتك!!!!! كان يتوقع ردي لكني صرفت وجهي عنه وانطلقت الى غرفة الادارة وهناك لحقني

عندما دخلت الادارة وجلست جاء وقال يا استاذ انت قلت عني انني لا اعرف التجويد وكلامي هذا رد عليك

قلت لا تدفعني لردة فعل لا ارضاها انا قلت لك هل سبق ان التحقت بحلقة تجويد ولم اذكر انك تعرف او لا تعرف لم يمض على الموقف سوى ثوان معدودة

حيرني هذا المعلم وزاد حيرتي انني لم اتضايق منه مع فجاجته وقلة ذوقه

قلت له على كل حال انتهت زياراتي لك

وتفرغت لزيارة المعلمين الاخرين لكن الموقف لم ينته مع هذا المعلم فقد كان يتعمد ان يلتقي بي في الممر الذي يؤدي الى الفصول حال ذهابي لزيارة زملائه وكان يفتعل معي نقاشا سريعا يختمه بكلمة مزعجة لي

لكن المحير حقا انني التقيت به في مستشفى حكومي كنت ازورها احد المرضى مع صديق لي وتصادفنا فقام يعزمني لزيارة منزله الذي ذكر انه قريب جدا من المستشفى وكان يحاول بكل قوة ان نتناول عنده القهوة والشاي لكني اعتذرت

بعد ان غادر المكان قال لي صديقي يبدو انك محبوب جدا من معلميك فقلت جدا وهذا اصدق مثال على الحب الذي يخشى عليهم الموت بسببه

كان موقفه محيرا لي جدا وما سر هذا التناقض العجيب في سلوكياته؟

في الاسبوع الذي يليه صرت أتنبا بما سيفعل جزما سيتعمد اللقاء بي كانها مصادفة ثم يلقي كلمة مستفزة وقد حدث ماكان

قلت في نفسي سأمنحه الفرصة الاخيرة وبعدها ستبدا مرحلة تعديل السلوك وكما توقعت قابلني في الممر المبارك للمرة الرابعة وقال كلمته المستفزة وبعد ان انتهى قلت له اقسم بالله العظيم ان تندم على سلوكياتك الرديئة وسترى فحاول الرذ لكني تركته ومضيت

عندما وصلت غرفة الادارة طلبت احد المقربين منه وممن اثق في عقله وهو شخص كان زميلا لي في الكلية وقلت له هل هذا الاستاذ عزيز عليك فقال نعم قريب الى نفسي كثيرا قلت له اليوم سيدفع قيمة كل الفواتير السابقة لكن هل تستطيع مساعدته؟ فقال كيف قلت ان تفسر لي مايحدث فقال هل تعدني اذا اخبرتك ان تتجاوز عنه قلت له اعدك بذلك فلو كنت اريد الاضرار به لكان ذلك من اول موقف فقال سأخبرك بكل شيء

قال هل تذكر يا استاذ انك اختلفت معه في اول زيارة فقلت نعم فقال كان يأتينا بعد كل لقاء لك معه ويقول قلت للمشرف الكلمة الفلانية ولم يرد شيئا وكنا نشكك في كلامه ونقول نتحدى انه لم يرد فيقسم لنا

قلت ولماذا يفعل ذلك قال لأن بعض المعلمين اذا شاهده في الممر يسخرون منه ويصيحون فيه جاك فلان جاك فلان يقصدونك

لكن الصدمة كانت هذا اليوم وكنا ننتظره فدخل علينا منكسرا وعندما سألناه ماذا قلت للمشرف سكت ولم يعلق فتوقعنا انه قد حدث شيء مختلف

التفت الي وقال استاذ وعدتني ألا تضره فقلت وهل تتوقع مني خلاف ذلك لكن فقط ساجلس معه لتسوية الموضوع وتلطيفه

دخل علي فقلت له بحجم ماكنت معجبا بشجاعتك لكن سرعان ما تهاوى هذا الاعجاب كيف سمحت لهؤلاء ان يديروا عقلك ومشاعرك بل ومستقبلك.. والله لم اتجاوز عنك في كل مرة تهيبا منك او ضعفا عن ردعك لكنني كنت اقول في نفسي يجب ان أصبر عليك ولو كنت اعلم حجم تلاعبهم بك ماصبرت

سكوته الطويل وهو يتلقى مني كل العتاب الحادكان بالنسبة لي اعظم اعتذار

اصبح لاحقا مشرفا تربويا في احدى الاقسام وفي كل مرة اقابله أقرا في عينيه ولغة جسده وترحيبه اعتذارا متجددا

وسلااااااااااامتكم

✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

انتهت هنا رواية الدكتور مسفر بن ناصر  القحطاني  ..  لكن المواقف العظيمة لا تنتهي عند آخر كلمة ..  بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن يُسدل الستار عليها .. فكثيرون يقرؤون القصة كما كُتبت .. لكن قليلين يحاولون أن يقرؤوا ما لم يُكتب فيها .. لأن الكلمات تخبرنا بما حدث  .. أما المعاني فتخبرنا لماذا حدث  .. والمواقف العظيمة لا تقف عند حدود ما نسمعه .. وإنما تمتد إلى ما لا يُقال  .. فخلف كل موقفٍ إنساني دوافع خفية .. وخلف كل كلمة رسالة .. وخلف كل تصرف قانون نفسي أو تربوي ينتظر من يكتشفه .. وخلف كل إنسان قصة لا يراها الجميع ..
ولذلك فإن ما يأتي ليس إعادةً لرواية هذا الموقف .. ولا شرحًا لأحداثه .. وإنما هو محاولة متواضعة لقراءة ما وراء كلماته .. والغوص تحت سطحه .. واستخلاص ما بين سطوره من قيم تربوية .. وقوانين نفسية .. ورسائل إنسانية قد لا يلتفت إليها القارئ من القراءة الأولى .. فليست قيمة المواقف في أحداثها وحدها .. وإنما فيما تتركه من أسئلة .. وما تكشفه من حقائق .. وما تفتحه من أبواب للتأمل ..
هذه ليست قراءة للكلمات .. بل قراءة لما وراء الكلمات .. وليست وقوفًا عند ظاهر القصة  .. بل رحلة إلى أعماقها .. لأن خلف كل موقفٍ عظيم .. معنى أعظم .. وخلف كل قصة صادقة .. مدرسة كاملة .. لا يكتشف كنوزها إلا من يتأملها بعين الفكر .. لا بعين القراءة وحدها  .

أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ٧ صفر ١٤٤٨
٢١ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *