🌳📈🎤المدرب المتخشب.. لماذا يمل الناس منه ⁉️

screenshot ٢٠٢٦٠٧١٢ ١٢٤٣٤٥ gallery


في كل مرة يدخل فيها متدرب إلى قاعة تدريب  .. فإنه لا يأتي ليملأ دفتره بالملاحظات فقط  .. ولا ليضيف شهادة جديدة إلى سيرته الذاتية  .
إنه يأتي وفي داخله سؤال لا ينطقه .. لكنه يبحث عن إجابته طوال البرنامج   :
هل سأخرج من هنا إنسانًا أفضل مما دخلت   ؟
ولهذا فإن المتدرب لا ينظر إلى المدرب بوصفه ناقلًا للمعلومات  .. بل يراه صورةً حيةً لما يمكن أن يكون عليه الإنسان إذا استمر في التعلم والتطور .
ومن هنا جاءت عبارة الدكتور مسفر القحطاني التي أراها من أجمل ما قيل في فلسفة التدريب   :
” الناس تملُّ من المدرب المتخشب  ..  لأن المدرب في نظرهم صورةٌ للتطور  ..  فإذا كان هو لا يتطور  ..  فكيف سيقود غيره إلى التطور   ؟”
هذه ليست عبارة عن التدريب فقط   ..
بل عن الحياة كلها  .
فالناس لا تتبع من وصل   ..
بل تتبع من لا يزال يسير  .
ولهذا قد يمتلك مدربان المادة العلمية نفسها .. والخبرة نفسها  .. وربما يعرضان المحتوى ذاته  ..  لكن أحدهما يخرج الناس وهم يتمنون لقاءه مرة أخرى ..  والآخر يخرجون وقد انتهى أثره مع انتهاء البرنامج  .
ليس لأن الأول أكثر علمًا   ..
بل لأنه أكثر حياة  .
فالمدرب المتخشب لا يرهق الناس بقلة معلوماته .. وإنما يرهقهم لأنه يقدم الأمس على أنه اليوم  .
أمثلته هي نفسها   ..
وطريقته هي نفسها   ..
ولغته هي نفسها   ..
وحتى دهشته أصبحت محفوظة  .
وكلما تكرر .. بدأ بريقه يخفت  ..  لا في عينيه .. بل في عيون من يجلسون أمامه  .
لأن المتدرب لا يرى الكلمات فقط   ..
بل يرى الإنسان الذي يحملها  .
فإذا رأى أن صاحب الرسالة توقف عن النمو .. تسلل إلى نفسه سؤال لا يشعر به   :
إذا كان هذا الإنسان لم يعد يطور نفسه   .. فلماذا أظن أنه سيطورني أنا   ؟
وهنا تتغير نظرتنا إلى الإبداع  .
فالإبداع ليس حركةً على المسرح   ..
ولا مؤثرًا بصريًا   ..
ولا نبرة صوت  .
الإبداع هو أن يشعر الناس أنك اليوم لست نسخة الأمس .
وأنك كلما التقيتهم  .. وجدوا فيك فكرةً جديدة  .. أو زاويةً جديدة  .. أو تجربةً جديدة .
ولهذا لم يكن حديث الدكتور عن الإبداع حديثًا عن مهارة   ..
بل عن نمط حياة .
فالمدرب الذي يتوقف عن التعلم .. يبدأ بالتوقف عن الإلهام .. وإن بقي يشرح المادة نفسها بإتقان  .
ولفتني أيضًا حديثه عن مراحل النمو  .
فالإنسان في بداياته يحضر البرنامج ليتعلم المادة  .
ثم إذا قرر أن يصبح مدربًا
..

بدأ يراقب المدرب  .
ثم إذا أراد الاحتراف .. لم يعد يرى المدرب وحده  .. بل صار يرى المتدرب  .. والمادة .. والوقت ..  والبيئة  .  والتفاعل  ..  وحتى التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها غيره .
فالمدرب التجاري المحترف لا يركز على عنصرٍ واحد .. بل يراقب كل ما يدور في البيئة التدريبية   ..
لأن تفصيلةً صغيرة قد تصنع تجربةً لا تُنسى .. أو تفسدها .
وهنا أدركت أن التطور الحقيقي لا يعني أن تعرف أكثر   ..
بل أن ترى أكثر  .
فكلما نضج الإنسان .. اتسعت زاوية نظره .
ولهذا لا تقاس الخبرة بعدد السنوات   ..
بل بعدد الأشياء التي أصبحت تراها ولم تكن تراها من قبل .
ومن أجمل ما خرجت به من هذا الحوار أن الاحتراف لا يبدأ عندما يعلمك الناس   ..
بل عندما تبدأ تتعلم من كل شيء  .
من سؤال   ..
ومن حركة   ..
ومن تعليق   ..
ومن خطأ   ..
بل حتى من لحظة صمت داخل القاعة .
وهنا يصبح التدريب مدرسةً داخل مدرسة   ..
فلا تتعلم العلم فقط   ..
بل تتعلم كيف يُقدَّم العلم  .
عندها فقط يتحول التدريب من مهنة   ..
إلى رسالة  .
ثم جاءت العبارة التي أراها تختصر الطريق كله   :
“أميّو القرن الحادي والعشرين ليسوا الذين لا يقرؤون ولا يكتبون .. بل الذين لا يتطورون  .”
كم هي عبارة موجعة   ..
لأنها لا تسألنا   :
كم كتابًا قرأت   ؟
ولا   :
كم دورة حضرت   ؟
ولا   :
كم شهادة حصلت عليها   ؟
بل تسأل سؤالًا واحدًا   :
هل أنت اليوم أفضل من الأمس   ؟
فإذا كان الجواب نعم   ..
فأنت على الطريق  .
وإذا كان الجواب لا   ..
فقد بدأ التوقف .. وإن كنت تتحرك .
ولهذا فإن المدرب لا يخسر جمهوره يوم يقل علمه   ..
بل يخسره يوم يظن أن ما عنده يكفي  .
فالناس قد تعجب بعلمك مرة   ..
لكنها لا تبقى معك إلا إذا شعرت أنك ما زلت تتغير .
وما دام المدرب ينمو   ..
فإن الأمل ينمو مع كل من يجلس أمامه .
أما إذا توقف عن النمو   ..
فلن يستطيع أن يقود الناس إلى مكان لم يعد يذهب إليه هو نفسه  .
ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه المدرب لمتدربيه ليس معلومةً جديدة   ..
بل أن يكون هو الدليل الحي على أن الإنسان يستطيع أن يصبح كل يوم نسخةً أفضل من نفسه  .
فالناس لا تتبع الكلمات   ..
بل تتبع النماذج  .

ولعل هذا هو الفارق بين من يدرّب الناس   …
ومن يصنع فيهم أثرًا   .
فالأول ينقل المعرفة .. أما الثاني فيوقظ الرغبة في النمو   .
ولذلك .. فالقضية لم تعد   :
هل المدرب مبدع أم لا   ؟
بل أصبحت سؤالًا أعمق من ذلك بكثير   :
هل ما زال هذا الإنسان يتغير   ؟
فالإنسان إذا توقف عن تطوير نفسه .. فلن تنفعه خبرته .. ولن يطيل بقاءه علمه .. ولن تحفظ له مكانته تصفيقات الأمس   .
لأن المتدرب لا يبحث عن إنسان يكرر ما يعرف   …
بل يبحث عن إنسان يرى في كل يوم فرصةً جديدة ليصبح أفضل مما كان عليه بالأمس   .
ومن هنا .. لم يكن الدكتور يدافع عن المدرب المبدع بقدر ما كان يدافع عن المدرب الذي لا يتوقف عن النمو   .
فالفرق بينهما ليس في كثرة المعلومات   …
بل في استمرار الرحلة   .
ولهذا لا يمل الناس من قلة العلم   …
بل يملون من توقف النمو   .
وما أجمل أن يخرج الإنسان من كل يوم وهو يشعر أنه أضاف إلى نفسه فكرة .. أو مهارة .. أو تجربة .. أو نظرة جديدة للحياة   .
فالعلم يملأ العقل   …
أما التطور فيمنح صاحبه حياةً متجددة   .
ولهذا لا تحرص أن تكون أكثر الناس معرفة   …
بل احرص أن تكون أكثرهم تطورًا   .
فالمعرفة قد تُعلِّم الناس   …
أما التطور   …
فيُلهمهم   .
وبين من يُعلِّم الناس   …
ومن يُلهمهم   …
يولد الأثر الذي لا يُنسى
   .

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى
جدة
الأحد ٢٧ محرم ١٤٤٨
١٢ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *