في يوم من الايام حولت لي معاملة تتناول خلافا بين معلم ومدير لكنها تحمل من الغرابة ما يعجز العقل عن فهمه أو ادراكه واستيعابه
القصة بدأت عندما كان المعلم مشرفا على الأمن والسلامة في المدرسة بالإضافة إلى عمله التدريسي
وكانت الوزارة تمنح وقتها لمن يكلف بالأمن والسلامة حوافز من اهمها اجازة لمدة أسبوع وعادة ما تكون في وقت الاختبارات وهذا جعل من هذه المهمة مطمعا لكثير من المعلمين
في ذلك العام جاء تعميم من الوزارة يوقف منح الحوافز المقدمة لمشرف الأمن والسلامة وكان القرار صدمة لكثير من المعلمين
في قصتنا هذه تعاطف مدير المدرسة مع المعلم الذي كان حريصا على حافز الاجازة فقام بمخاطبة إدارة التعليم والتي اجابته بالرفض لكنه واصل محاولاته من خلال التواصل الهاتفي مع بعض أصحاب القرار خاصة ان التعميم نزل بعد تكليف المعلم
لم تنجح محاولات المدير لكنه قرر ان يغامر ويمنح المعلم الاجازة تقديرا لعمله وفعلا تمتع المعلم بها بعد أن شكره على محاولاته المستميته ثم مغامرته بمخالفة النظام وتحمله لكامل المسئولية
في الفصل الدراسي الثاني بدأت بوادر تمرد من المعلم فكان يذهب لمراجعة المستشفى دون أن يخبر المدير مما يسبب له حرجا في ارباك اليوم الدراسي خاصة ان هذا السلوك قام يتكرر
اضطر المدير لتوجيه مساءلة للمعلم بسبب تكرار ذاك السلوك مما دفع المعلم لتقديم شكوى على المدير
لم تكن الشكوى التي قدمها المعلم تتناول مشكلة الغياب أو الذهاب للمستشفى والحضور عند نهاية الدوام لالالا بل كانت عن شيء لا يخطر على بال أحد
كتب المعلم في شكواه أنني أشتكي المدير الذي اخرجني اجازة لمدة أسبوع من غير مستند نظامي وكيف يؤتمن من يخالف النظام وانني خرجت من خلال منحي اجازة لا أستحقها
تم تحويل المعاملة لي وكان معي زميل فاضل في اللجنة وتم تحديد موعد لمقابلة المعلم فتم الاجتماع به في غرفة خاصة في مكتب التعليم
عندما مثل أمامنا قلت تكرما اشرح لي الموضوع فقام يذكر كل التفاصيل الموجودة في المعاملة فقلت له مع قناعتي العميقة بكون المدير مستحقا للمحاسبة لكني توقعت ان المشتكي هو أحد زملائك
لكن ان تكون انت المشتكي على من اسدى إليك معروفا ومنحك اجازة لمدة أسبوع فهذا شيء أعجز عن استيعابه
قلت له يظهر لي انك جاد بل تقاتل من أجل الاضرار به فقال نعم فقلت ألا ترى ان ماقام به من مساءلة لا يستحق هذا اللهاث المسعور رغبة في الاضرار به
فقال نعم أرغب في أن يتضرر فقلت هل فكرت قليلا في مخاطرته بنفسه من أجل أن يسعدك ويرضيك
قلت له هل هناك أشياء لا نعلمها غير ما يوجد في المعاملة ضاعفت حماسك في الحاق الضرر الجسيم به مع ماقدمه لك فقال لا قام يوجه لي اكثر من مساءلة بسبب ذهابي للمستشفى فقلت لكن اخباره كرئيس لك أمر ضروري من الصباح الباكر ليستطيع معالجة عدم وجودك في المدرسة.
قال يا استاذ انا جاي من الدمام لأجل هذا الموضوع وارجو ان يحسم الأمر سريعا لكوني قد انتقلت للتدريس هناك
كانت هذه الصدمة الثانية لي فقلت له أفهم انك لم تعد تابع لإدارة تعليمنا فقال نعم فقلت هل قطعت كل هذه المسافة لتلاحق هذا المدير على معروفه معك فقال ولدي الاستعداد لمتابعة الموضوع لسنوات لينال جزاءه
التفت الي زميلي في اللجنة وقلت له استأذنك في الإنسحاب من اللجنة لكوني أشعر باختناق شديد من هذا الموقف فلم يمر بي موقف مثل هذا يحسن اليه المدير ( مع قناعتي بوجوب محاسبته) ثم يشتكي عليه بل يتفانى في الرغبة في ايذائه مع انك انتقلت الى إدارة تعليم جديدة هذا شيء لم أكن لأصدقه لولا أنني رأيته وسمعته بنفسي
قلت له لا يشرفني ان يكون لي اسم في معاملة مخجلة يأنف الكريم ان يكون طرفا فيها ولو كان للتحقيق والتقصي
تولي زميلي الحديث معه يعاتبه بقوة بل كان يصرخ في وجهه ويبدو انه كان يغلي وهو يستمع لحديثي مع المعلم ولم يكن يرد عليه بشيء
خرجت من المكان وقد سلب الموقف كل طاقتي بكل أشعرني ان الحياة مسرح كبيرة يضم كل الشخصيات فكما نرى صاحب الخلق الرفيع فكذلك نجد في المقابل صاحب السلوك الوضيع.
وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

ليست كل الجراح تصنعها القسوة، فبعضها يولد من نكران الجميل، ولا تؤلمنا إساءة العدو بقدر ما يؤلمنا جحود من أحسنَّا إليه. فحين يُقابل الإحسان بالإساءة، والوفاء بالغدر، والمعروف بالسعي في الإضرار، لا يقف الإنسان أمام موقفٍ عابر، بل أمام سؤالٍ عميق عن الأخلاق، وعن طبيعة النفوس حين تنطفئ فيها معاني الامتنان والوفاء.
هذا الموقف ليس مجرد نزاعٍ إداري بين مديرٍ ومعلم، بل مرآةٌ تعكس أحد أكثر السلوكيات إيلامًا؛ أن يتحول المعروف إلى تهمة، والإحسان إلى وسيلةٍ للإضرار بصاحبه. وهنا لا نتأمل الإجراءات بقدر ما نتأمل النفوس، ولا نقرأ الأحداث بقدر ما نقرأ القيم التي تحكم أصحابها.
فأدعوك إلى أن تقرأ هذا التحليل والتأمل بقلبٍ يوقن أن مكارم الأخلاق هي أعظم ما يملكه الإنسان، وبعينٍ تميز بين الخطأ الذي يُصلح، والسلوك الذي يكشف معدن صاحبه. فليس كل خطأٍ يؤلم، ولكن أشد الأخطاء وجعًا أن يُطعن المحسن بسهمٍ خرج من يد من أحسن إليه.
أثر لاينسى
جدة
الاربعاء النصف من شهر رمضان المبارك لعام ١٤٤٧
٤ مارس ٢٠٢٦

