● المدرب الموسوعي  🧠📖💡🎤🌟

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٩ ١١٢٧٢٩ gallery


امتدادٌ لمقال : «التلخيص .. مصنع العقل الموسوعي»
في مقال «التلخيص .. مصنع العقل الموسوعي» كان الحديث عن الإنسان وهو يبني نفسه من الداخل .. وعن العقل الذي لا يكتفي بجمع المعلومات .. بل يحولها إلى كتلٍ معرفيةٍ مستقرة .. تعيش معه .. وتكبر فيه .. حتى تصبح جزءًا من طريقة تفكيره .
لكن البناء .. مهما كان متينًا .. لا يُقاس بجمال أساسه وحده .
بل بما يظهر أثره حين يخرج إلى الناس .
ولهذا انتقل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني إلى سؤالٍ جديد .. بدا في ظاهره سؤالًا عن التلخيص .. لكنه في حقيقته كان سؤالًا عن الإنسان بعد أن يكتمل بناؤه .
قال :
ما الفائدة من التلخيص ؟
وكان جوابه مختصرًا .. لكنه يحمل وراءه مشروعًا كاملًا .
تكوين بنكٍ من الكتل المعرفية التي تساعدني في عملية التدريب .
هنا فقط .. أدركت أن التلخيص لم يكن غايته حفظ الأفكار .
بل صناعة الإنسان الذي يحملها .
فالكتاب لا يصنع مدربًا .
والملخص وحده لا يصنع مدربًا .
وحتى كثرة القراءة لا تصنع مدربًا .
إنما الذي يصنعه .. هو ما يبقى في عقله بعد أن يغلق الكتاب .
فالفرق كبير بين من يقرأ المعرفة .. ومن تصبح المعرفة جزءًا منه .
ثم بدأ الدكتور يضع الصورة في إطارها الكامل .
قال إن التدريب يقوم على أربعة أركان :
مدرب .. ومتدرب .. ومادة تدريبية .. ومحيط تدريبي .
ثم توقف عند الركن الأول .
المدرب .
لأن المدرب لا يقف أمام الناس بما يعرضه على الشاشة .
بل بما يحمله في داخله .
ولهذا قال :
فالكتل المعرفية ستكون جزءًا مهمًا جدًا من شخصية المدرب .. فهي تدخل ضمن قوته العلمية .
وهنا بدأت الصورة تتغير أمامي .
فقد كنت أظن أن المادة التدريبية هي البطل الحقيقي في القاعة .
لكن الدكتور أعاد ترتيب المشهد كله .
ليقول .. إن البطل الحقيقي ليس الملف .. ولا الشرائح .. ولا التصميم .. بل العقل الذي يقف خلفها .
ثم جاءت العبارة التي شعرت أنها وحدها تستحق أن تُكتب بماء الذهب .
قال :
فرقٌ كبيرٌ جدًا بين مدربٍ كل ما يملكه تلك المادة التي يقدمها في شاشة العرض .. ويكون حبيسًا لها .. مسجونًا بين جدرانها .. وبين مدربٍ يدهشك في كل مرة .. ينتقل بك بين جماليات المعرفة .. وأروع ما أفرزه العقل البشري من معارف ومهارات في شتى العلوم .
حين قرأت هذه الكلمات .. لم أرَ مدربين .
بل رأيت عالمين مختلفين .
الأول .. إذا تعطلت شاشة العرض .. توقف .
وإذا خرج سؤالٌ خارج الشرائح .. ارتبك .
وإذا انتهى ما كتبه في الملف .. انتهى حديثه .
ليس لأنه لا يريد أن يعطي أكثر .. بل لأنه لا يملك أكثر .
أما الثاني .. فلا تشعر أنه يبحث عن المعرفة .
بل تشعر أن المعرفة تبحث عنه .
لا ينتقل بين الأفكار بتكلف .
ولا يستدعي المعلومات بصعوبة .
ولا يبدو كأنه يستعرض محفوظاته .
بل كأن العلوم كلها تعرف طريقها إلى لسانه .
كل فكرةٍ تقود إلى أخرى .
وكل علمٍ يفتح باب علمٍ آخر .
وكل مثالٍ يستدعي مثالًا أجمل منه .
حتى يخرج المتدرب وهو يشعر أنه لم يحضر دورةً تدريبية .. بل عاش رحلةً في عقول العلماء .
ولذلك قال الدكتور :
المدرب الموسوعي هو حلم كل مدرب .. بل وكل متدرب .
ثم أضاف جملةً لخصت الصورة كلها .
يدهشك بمعرفته .. ويأسرك بمهاراته .
ولم يقل : يدهشك بكثرة معلوماته .
لأن كثرة المعلومات وحدها لا تُدهش .
كم من إنسانٍ يحفظ كثيرًا .. ولا يستطيع أن يوصل شيئًا .
وكم من آخر .. يحمل علمًا أقل .. لكن طريقته في عرضه تجعل المعرفة تنبض بالحياة .
فالناس لا يأسرهم العلم وحده .
بل يأسرهم الإنسان الذي أحسن صناعة ذلك العلم داخل نفسه .
ومن هنا قال الدكتور :
هذا ما تصنعه الكتل المعرفية .
ليست الكتل المعرفية أوراقًا محفوظة .
ولا ملفاتٍ مرتبة .
ولا دفاتر ممتلئة .
إنها الإنسان نفسه .. بعد أن أعاد ترتيب عقله .
ثم كشف الدكتور عن سرٍ آخر .
أن هذه الكتل لا تأتي من علمٍ واحد .
بل تُجمع من كل مكان .
من علوم الشريعة .
ومن القيادة .
ومن علم النفس .
ومن السير .
ومن اللغة .
ومن علم الاجتماع .
ومن التاريخ .
ومن الأخلاقيات .
ومن التجارب .
ومن القراءة المتأملة .
ومن كل علمٍ يضيف لبنةً جديدةً في بناء الإنسان
.

ثم ختم الدكتور حديثه بكلمةٍ قصيرة :
وسلامتكم .
لكن الحقيقة .. أن الحديث لم يكن قد انتهى .
لأن ما بقي بعده لم يكن كلماتٍ تُحفظ .. بل طريقةٌ جديدة للنظر إلى المعرفة كلها .
لقد أدركت أن الفرق بين المدرب الذي يشرح .. والمدرب الذي يغيّر .. ليس في عدد الشرائح التي يعرضها .
ولا في كثرة ما قرأ .
ولا في جمال أسلوبه .
بل في تلك الكتل المعرفية التي استقرت في عقله حتى أصبحت جزءًا من شخصيته .
فالناس لا ينجذبون إلى من يحمل كتابًا .. بل إلى من أصبح هو نفسه كتابًا مفتوحًا .
ولا يدهشهم من يحفظ المعلومات .. بل من يعرف متى يستدعيها .. وكيف يربط بينها .. وأين يضعها .
ولهذا لم يعد التلخيص في نظري مجرد وسيلةٍ لاختصار كتاب .. بل أصبح مشروعًا طويل العمر .. يبدأ بقلمٍ يكتب فكرة .. وينتهي بعقلٍ موسوعي .. يدهش الناس بمعرفته .. ويأسرهم بمهاراته .
وربما لهذا لم يكن السؤال الحقيقي :
ما الفائدة من التلخيص ؟
بل كان :
أيُّ إنسانٍ يمكن أن تصبح عليه .. إذا أحسنت التلخيص ؟

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l


أثرٌ لا يُنسى
جدة
الخميس ٢٤ محرم ١٤٤٨هـ
٩ يوليو ٢٠٢٦م

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *