✈️ رحلةٌ إلى الهند  ..  واختطافٌ لم يقع ❗️

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٦ ١٤١١١٣ gallery



قبل أن أكتب هذا المقال .. شعرت أن هذه الحكاية لا ينبغي أن تبدأ من السيارة .. ولا من الهند .. ولا من “الاختطاف” .. لأن كل ذلك لم يكن سوى المشهد الظاهر .
أما الحكاية الحقيقية .. فقد بدأت قبل الرحلة بسنوات .. يوم آمن رجل بأن نجاح زوجته لا ينتقص من نجاحه .. وأن البيت الذي يتسع لحلم أحد الزوجين .. إنما يتسع لمستقبل الأسرة كلها .
وفي زمنٍ أصبح فيه كثيرٌ من البيوت ميدانًا للصراع .. وغلبت فيه الندية على المودة .. والمنافسة على الشراكة .. تأتي مثل هذه المواقف لتعيد ترتيب المعاني .. وتذكرنا أن أعظم صور القيادة لا تُمارس فوق المنصات .. وإنما تُمارس أولًا داخل البيوت .. حيث لا كاميرات .. ولا تصفيق .. ولا أضواء .. وإنما مواقف صامتة .. لا يراها إلا الله .. ثم يراها الأبناء .. فتغدو جزءًا من تكوينهم الإنساني .. ومن الصورة التي سيحملونها عن الأسرة ما بقيت الحياة .
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أنها لم تُكتب لتحدثنا عن زوجٍ رافق زوجته إلى مؤتمر .. بل عن رجلٍ أدرك أن خيرية الإنسان لا تُقاس بما يقوله عن الأسرة .. وإنما بما يفعله لها .
وهنا تتجلى حقيقة قول النبي ﷺ :
«خيركم خيركم لأهله .. وأنا خيركم لأهلي .»
لقد استوقفني هذا الموقف الذي رواه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. لا لأنه وقع في الهند .. ولا لأنه حمل شيئًا من الدعابة .. ولا لأنه انتهى بصورةٍ في صحيفة .. وإنما لأنه كشف ـ من حيث لا يقصد صاحبه ـ عن صورةٍ نادرة للرجل الذي يسند ولا يزاحم .. ويشجع ولا يثبط .. ويرى نجاح شريكة حياته امتدادًا لنجاحه .. لا منافسًا له .
وربما قال الدكتور ببساطة إن دوره في تلك الرحلة لم يكن إلا أن يكون محرمًا مرافقًا .. لكنه لا يعلم أن هذه الجملة العابرة كانت ـ في نظري ـ أعظم ما في الحكاية كلها .
فليس من السهل أن يرى الرجل نجاح زوجته امتدادًا لنجاحه .. ولا أن يرافقها إلى المؤتمرات .. ويجلس بين الباحثين .. ويكتفي بدور المساند وهو قادر أن يكون في الواجهة .
ومن خلال عملي في الاستشارات الأسرية والعلاج النفسي .. رأيت مئات القصص التي بدأت بكلمة إحباط .. أو موقف تقليل .. أو تضييق حلم .. حتى انتهت إلى بيوت أنهكها الصراع .
لذلك أوقن أن النجاح في الميدان لا ينفصل عن النجاح داخل الأسرة .. وأن البيت الذي يسوده الحوار .. والتقدير .. والثقة .. يصنع إنسانًا أكثر اتزانًا .. وأكثر قدرة على العطاء .. بينما البيوت التي تتحول إلى ساحات منافسة .. تستنزف أصحابها قبل أن يواجهوا العالم .
ولهذا لم أقرأ هذه الحكاية بوصفها قصةً عن مؤتمر .. ولا عن تدريب .. ولا عن رحلة .. بل قرأتها درسًا في بناء الإنسان يبدأ من بناء الأسرة .. ثم يمتد أثره إلى كل ميدانٍ من ميادين الحياة .
فربما كانت أجمل صورةٍ في هذه القصة كلها .. ليست تلك التي نُشرت في الصحيفة الهندية .. وإنما الصورة التي بقيت في ذاكرة الأبناء .. وهم يرون أباهم رجلًا يسند نجاح أمهم .. ويكبر به .. ولا يخشاه .
وتلك .. في نظري .. هي الصورة التي تستحق أن تبقى
.

بدأت الحكاية ـ كما رواها الدكتور مسفر ـ بهدوءٍ لا يوحي أن خلفه كل هذه الدلالات ..
كان يرافق زوجته الدكتورة منيرة القحطاني .. أستاذة الدراسات العليا بجامعة الملك فيصل .. إلى مؤتمر علمي في السنة النبوية أُقيم في ولاية كيرلا الهندية ..
ولم يكن حضوره بصفته متحدثًا .. ولا باحثًا مشاركًا .. ولا عضوًا في اللجنة العلمية .. وإنما ـ كما قال ببساطةٍ لافتة ـ كان دوره كله أن يكون محرمًا مرافقًا لزوجته ..
وقد تبدو هذه الجملة عابرة لمن يقرؤها على عجل .. لكنها عند التأمل تختصر ثقافةً أسريةً كاملة ..
فكم من رجلٍ يرى أن نجاح زوجته يسرق شيئًا من حضوره .. بينما رأى الدكتور أن نجاحها نجاحٌ للأسرة كلها .. وأن رسالتها العلمية تستحق أن تجد من يساندها .. لا من يقف في طريقها ..
ولذلك لم تكن هذه الرحلة الأولى .. فقد اعتاد أن يرافقها إلى مؤتمرات متعددة .. وكانت هي تقدم أوراقها العلمية .. بينما كان هو يستثمر وجوده بطريقة مختلفة ..
يحضر الجلسات .. ويستمع إلى أوراق الباحثين ..
ولم يكن يحضر لأن لديه ورقةً علمية كل مرة ..
بل لأنه كان يؤمن أن المؤتمرات ليست أماكن لإلقاء الأوراق فحسب ..
بل مدارس مفتوحة يتعلم فيها الإنسان من اختلاف العقول  ..
واتساع التجارب  .. وتنوع الرؤى  ..
ويشارك أحيانًا بمداخلات علمية .. ثم يدخل في حواراتٍ ثرية مع أكاديميين من أنحاء العالم الإسلامي خلال الاستراحات ..
وقد ذكر أنه كان يستغرب من بعض المشاركين الذين يغادرون بعد ساعات قليلة  .. بينما كان يرى أن أعظم ما في المؤتمرات ليس السفر إليها  ..  بل البقاء فيها  .. والإنصات  .. والاستفادة من كل دقيقة  .. وكان يقول إن بعضهم يحضر نصف يوم  .. ثم يختفي  ..  بينما كان هو يرى أن قيمة المؤتمر الحقيقية لا تُقاس بعدد الرحلات  .. بل بعدد الأفكار التي يعود بها الإنسان إلى وطنه  .
وهنا يلفتني معنى بالغ الأهمية ..
فالإنسان الواعي لا يسأل في كل مكان .. ماذا سأعطي ؟ .. بل يسأل أيضًا .. ماذا سأتعلم ؟ ..
حتى حين كان وجوده في الظاهر وجودَ مرافق .. لم يتعامل مع نفسه على أنه خارج الحدث .. بل حوّل المرافقة إلى فرصةٍ للمعرفة .. والتعارف .. وتوسيع الأفق .. وإثراء الخبرة ..
وهذه عادة الكبار ..
فهم لا ينتظرون الفرص الكاملة .. بل يصنعون من الفرص الصغيرة عوالم كبيرة
.

ولعل أكثر ما أثار انتباهي في حديثه أنه لم ينظر إلى نفسه بوصفه شخصًا يقف على هامش الحدث .. مع أن كثيرين كانوا يظنون أنه أحد المشاركين الرسميين في المؤتمر .. فإذا علموا أنه حضر مرافقًا لزوجته بدت على وجوههم علامات الدهشة ..
وهنا يبرز معنى دقيق لا ينتبه إليه كثير من الناس .. فبعض الشخصيات لا تستمد قيمتها من اللقب الذي تحمله .. ولا من المنصب الذي تشغله .. وإنما من الحضور الذي تتركه أينما حلّت ..
ولذلك لم يكن الدكتور بحاجة إلى بطاقة تعريفٍ معلقة على صدره ليُثبت مكانته .. فقد كانت ثقافته .. وحسن محاورته .. وعمق مداخلاته .. أبلغ من أي مسمى وظيفي ..
وقد أشار إلى أنه مارس التدريس الجامعي سنواتٍ عدة .. لكنه لم يكن يومًا عضو هيئة تدريس .. وأن ما أبقاه في تلك التجربة هو مرونة الجامعة وتقديرها لظروفه .. حتى جمعت له محاضراته في يوم واحد .. وهيأت له مكتبًا خاصًا يستريح فيه بين الساعات الطويلة ..
ولعل هذا التفصيل يبدو عابرًا .. لكنه يكشف ملمحًا مهمًا في شخصية الإنسان الناجح .. فهو لا يتشبث بالمناصب بقدر ما يبحث عن البيئة التي تمكنه من العطاء ..
فكم من إنسانٍ يحمل لقبًا كبيرًا ولا يترك أثرًا .. وكم من آخر لا يملك إلا علمه وأخلاقه .. فإذا حضر حضر أثره قبل اسمه ..
ثم جاءت اللحظة التي لم يكن يتوقعها ..
بين أروقة المؤتمر .. تقدم إليه أحد الحضور .. صافحه .. وناداه باسمه .. ثم سأله مباشرة ..
“هل أنت المدرب مسفر ؟”
ولم يكن السؤال عاديًا ..
فالرجل لم يكن في مؤتمر تدريبي .. ولم يكن يحمل إعلانًا عن برامجه .. ولم يذهب أصلًا باحثًا عن عمل .. وإنما جاء مرافقًا لزوجته ..
ومع ذلك .. سبق اسمه حضوره ..
وهنا تتجلى سنة من سنن الحياة لا تخطئها العين .. فالسيرة الصادقة كثيرًا ما تسبق صاحبها إلى الأماكن التي لم يخطط للوصول إليها ..
فالإنسان قد يسعى إلى الفرص .. لكن هناك فرصًا أخرى هي التي تسعى إليه .. لأنها تبحث عن صاحبها ..
ولذلك لم يكن العرض الذي قُدم إليه وليد مصادفة عابرة .. بقدر ما كان ثمرة سنواتٍ من البناء الهادئ .. والعمل المتقن .. والسمعة التي تجاوزت حدود المكان ..
فالفرص الحقيقية لا تُولد في اللحظة التي نراها .. وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات .. حين يظل الإنسان يبني نفسه بصمت .. حتى إذا جاء موعد الحصاد .. ظن الناس أن الباب قد فُتح فجأة .. وما علموا أنه كان يُصنع منذ زمن بعيد
.

وافق الدكتور على تقديم البرنامج .. وحدد الموعد بعد يومين ..
ومضت الأيام بهدوء .. وكأن الأمر لا يتجاوز لقاءً تدريبيًا عابرًا ..
لكن الحياة كثيرًا ما تخبئ أجمل دروسها في المواعيد التي نظنها عادية ..
وحين جاء اليوم الموعود .. حضر ذلك الرجل إلى قاعة المؤتمر .. وأشار إليه بأن كل شيء قد أصبح جاهزًا .. وأن الوقت قد حان للانطلاق ..
خرج معه بكل بساطة .. لا يدري أين سيذهب .. ولا يدري كم عدد الحاضرين .. ولا يدري ماذا ينتظره بعد دقائق .. لكنه مضى  .. تاركًا التفاصيل لما سيكشفه الطريق  ..
لم يكن يحمل في ذهنه سوى أنه ذاهب إلى قاعة تدريب .. يؤدي رسالةً اعتاد أداءها .. ثم يعود إلى المؤتمر كما عاد عشرات المرات من قبل ..
لكن الطريق الذي سلكته السيارة .. كان يعد له درسًا آخر .. لم يكن مكتوبًا في جدول المؤتمر .. ولا في حقيبة المدرب ..
ركب سيارةً صغيرة من نوع “مايكروباص” .. وما إن جلس في مقعده حتى بدأ الرجل ينادي رفاقه واحدًا بعد آخر .. فامتلأت السيارة سريعًا .. وانطلقت تخترق الطرقات الضيقة .. بينما كانت الكلمات تتطاير بينهم بلغة لا يفهم منها حرفًا ..
وهنا بدأت النفس تمارس لعبتها القديمة ..
فحين يغيب اليقين .. يكثر التأويل ..
وحين يعجز العقل عن تفسير المشهد .. تتقدم المخيلة لتكتب السيناريو الذي تشاء ..
ولم يكن الدكتور يخفي ذلك .. بل حكى ما دار في نفسه بشفافية الإنسان الذي يبتسم حتى وهو يروي لحظات قلقه ..
لقد بدأ يسأل نفسه ..
هل يمكن أن أكون مختطفًا ؟
ثم راح العقل يحاكم الفكرة .. وكأنه يجلس في قاعة محكمة .. فيأتي بالدليل .. ثم ينقضه .. ثم يعود إليه من جديد ..
قال في نفسه .. ما الذي سيدفعهم إلى اختطافي ؟!
أنا لست رجل أعمال يملك ثروةً طائلة ..
ولست مسؤولًا سياسيًا يمكن أن تساوم بي دولة ..
ولا أظن أن أهلي سيجمعون الملايين لفك أسري !
وكانت كل حجةٍ ينطق بها العقل كافيةً لإغلاق باب الخوف .. لكن الخيال كان يفتحه مرةً أخرى ..
وهنا تتجلى طبيعة النفس البشرية .. فهي لا تحتاج دائمًا إلى حقائق كي تقلق .. بل يكفيها فراغٌ صغير في المعلومات .. حتى تملأه بأكبر الاحتمالات ..
وكم مرةٍ في حياتنا اختطفنا الخيال قبل أن يختطفنا الواقع ؟
وكم موقفٍ صنعناه في رؤوسنا .. ثم اكتشفنا بعد دقائق أنه لم يكن موجودًا أصلًا ؟
إن الإنسان حين يترك زمام تفكيره للتوقعات .. قد يعيش آلامًا حقيقية بسبب أحداثٍ لم تقع .. وربما لن تقع أبدًا ..
ولهذا لم تكن السيارة تسير في طرقات الهند وحدها .. بل كانت النفس أيضًا تسير في ممرات الظنون
  .

ما إن هدأت السيارة .. حتى توقفت أمام بناءٍ كبيرٍ لم يكن يشبه شيئًا من الصور التي نسجها الخوف قبل دقائق ..
حتى بدأ المشهد كله ينقلب رأسًا على عقب ..
نزل الجميع في هدوء .. وصعدوا إلى الطابق الثاني .. ثم فُتح باب القاعة ..
وهناك .. سقطت كل السيناريوهات التي كانت النفس قد كتبتها في الطريق ..
كانت القاعة ممتلئة بالحضور ..
وجوهٌ يملؤها الوقار ..
وأعينٌ تتطلع إلى القادم بلهفةٍ صادقة ..
وابتساماتٌ مشرقة .. لا تشبه وجوه الخاطفين التي صنعها الخيال قبل قليل ..
ابتسم الدكتور بينه وبين نفسه .. وكأن الحقيقة ربّتت على كتف الوهم .. وقالت له في هدوء ..
لقد بالغتَ .. مرةً أخرى.
ولعل أجمل ما في هذه اللحظة أنها لم تكن مجرد نهايةٍ لخوفٍ عابر .. بل كانت بداية درسٍ عميقٍ في معرفة النفس ..
فالإنسان لا يخاف دائمًا مما يراه .. بل يخاف مما يتخيله ..
وكثيرٌ من معارك الحياة لا تقع في الخارج .. وإنما تدور كاملةً داخل العقل ..
ولذلك قد يرهق الإنسان نفسه بأحزانٍ لم تحدث .. ويستنزف قلبه في مواجهة أعداء لم يوجدوا أصلًا .. ويعيش سيناريوهاتٍ كاملةً .. ثم يكتشف أن الواقع كان أكثر رحمةً مما رسمه خياله ..
ولعل الإنسان إذا أكثر من الإنصات إلى مخاوفه .. تحولت المخاوف إلى حقائق في داخله .. وإن لم يكن لها وجود في خارجه ..
وهنا جاءت العبارة التي أراها من أثمن ما قاله الدكتور في هذه القصة .. حين علّق على نفسه قائلًا ..
«أحيانًا يشعر الإنسان بقيمةٍ كبيرةٍ لذاته .. فيتوقع أشياء .. ثم يكتشف أنها خيالاتٌ من صنع الذات المتورمة.»
وتوقفت طويلًا أمام هذه الجملة ..
لأنها ليست تعليقًا على موقفٍ طريف .. وإنما تشريحٌ دقيقٌ لواحدٍ من أخفى أمراض النفس ..
فالذات المتورمة لا تعيش الواقع كما هو .. بل تعيد تشكيله بما يناسب صورتها عن نفسها ..
فإذا أحبها الناس .. ظنت أن ذلك أمرٌ طبيعي ..
وإذا تجاهلوها .. رأت في الأمر مؤامرة ..
وإذا وقع لها موقفٌ غامض .. بالغت في تفسيره حتى تجعل نفسها محور الحدث ..
إنها نفسٌ ترى العالم من خلال مرآتها .. لا من خلال حقيقته ..
ولذلك أعجبني في الدكتور أنه لم يُسقط هذا الوصف على الآخرين .. بل بدأ بنفسه ..
فالنفوس الكبيرة لا تستعرض حكمتها على الناس .. وإنما تمارسها أولًا على ذواتها ..
وما أندر الإنسان الذي يستطيع أن يضحك من نفسه قبل أن يضحك من الآخرين ..
وما أصدق الإنسان الذي يعترف بأن الوهم زاره .. ثم غادر .. دون أن يخجل من الاعتراف بذلك ..
فهذا اللون من الصدق هو الذي يجعل التجربة نافعة .. لأن القارئ لا يرى أمامه بطلًا خارقًا .. بل يرى إنسانًا يشبهه .. يقلق كما يقلق .. ويتردد كما يتردد .. ثم يتعلم من نفسه قبل أن يعلم غيره ..
وهنا فقط .. بدأ البرنامج التدريبي.
لكن الذي لم يكن يعلمه الدكتور آنذاك .. أن الدرس الأكبر لم يكن ينتظر الحاضرين في القاعة .. بل كان ينتظره هو نفسه
.

بدأ البرنامج ..
ولم يكن يدري .. وهو يقف أمام الحاضرين .. أن الرحلة التي ظنها قد انتهت عند باب القاعة .. إنما بدأت من هناك ..
راح يتحدث .. وينتقل بين الأفكار كما اعتاد .. بينما يقف المترجم إلى جواره ينقل كلماته إلى لغةٍ أخرى .. تفصلها عن العربية مسافاتٌ شاسعة .. لكن يبدو أن القلوب كانت أقرب من اللغات ..
ومع مرور الوقت .. أخذ يراقب وجوه الحاضرين أكثر مما يراقب كلماته ..
كانت العيون معلقة ..
والرؤوس تهتز موافقة ..
والملامح تنطق باهتمامٍ صادق .. كأن كل فكرة تجد مكانها قبل أن تنتهي الجملة ..
وهنا اعترف الدكتور بشيءٍ يحمل كثيرًا من التواضع .. حين قال إنه لم يدرِ ..
أكان السر فيما يقول .. أم في المترجم الذي ربما أوصل المعنى إليهم بأجمل مما نطق به؟
وتوقفت طويلًا عند هذه العبارة ..
فالإنسان الواثق بعلمه كثيرًا ما ينسب النجاح كله إلى نفسه .. أما الإنسان الصادق مع ذاته .. فإنه يترك دائمًا مساحةً يحتمل فيها فضل الآخرين ..
وما أجمل العلماء حين يحسنون الظن بمن يعمل معهم ..
فكم من إنجازٍ نُسب إلى شخصٍ واحد .. بينما الحقيقة أن وراءه أيدٍ كثيرة لم يلتفت إليها أحد ..
إن الاعتراف بفضل الشريك .. أيًّا كان دوره .. ليس انتقاصًا من الذات .. بل اكتمالٌ لها ..
ولعل هذا أيضًا امتدادٌ لذلك الخلق الذي بدأنا نراه منذ أول القصة ..
فالذي يعرف كيف يقدّر نجاح زوجته .. هو نفسه الذي يعرف كيف يقدّر جهد مترجمه ..
وهذه ليست مواقف متفرقة .. بل هي خيطٌ واحد .. يكشف طبيعة الإنسان من خلال تفاصيله الصغيرة ..
ثم لفتني أمرٌ آخر ..
لقد قال إنه لم يرَ في وجوه كثيرٍ من المتدربين .. في أماكن أخرى .. تلك اللهفة التي رآها في وجوه هؤلاء الهنود ..
وهنا وجدتني أتساءل ..
هل كانت روعة البرنامج في الكلمات وحدها ..
أم في النفوس التي جاءت لتتعلم؟
فالحق أن المعرفة لا تصنعها براعة المتحدث وحدها .. وإنما يصنعها أيضًا استعداد المستمع ..
فقد تُلقى الكلمة نفسها في مكانين .. فتنبت في أحدهما كما تنبت البذرة في أرضٍ طيبة .. وتبقى في الآخر معلقةً على السطح .. لأنها لم تجد قلبًا مهيأً لاستقبالها ..
ولهذا كنت أؤمن دائمًا أن التعليم والتدريب ليسا عملية إرسال فقط .. بل علاقةٌ متبادلة بين عقلٍ يعطي .. وعقلٍ يشتاق أن يأخذ ..
وحين يلتقي الشغف بالصدق .. تولد تلك اللحظات التي لا تُنسى ..
ولعل أعظم ما خرج به الدكتور من تلك القاعة .. لم يكن أنه قدّم برنامجًا ناجحًا .. بل أنه رأى بأم عينيه كيف تستطيع الكلمة الصادقة أن تعبر حدود اللغة .. والجنسية .. والثقافة .. لتصل إلى الإنسان .. لأنه إنسان ..
ثم جاءت اللحظة التي كشفت معدن الرجل كله ..
لحظةٌ لا تُقاس بما وُضع في يده .. بل بما أخرجه من قلبه
  .

وحين انتهى البرنامج .. لم يكن في القاعة صخب المنتصرين .. ولا تصفيق الباحثين عن المجاملة .. بل كان ذلك الهدوء الذي يعقب الأعمال الصادقة .. حين يشعر الإنسان أن شيئًا من روحه قد بقي هناك ..
شكر الحاضرين .. واستعد للمغادرة .. وظن أن الحكاية قد انتهت ..
لكن بعض المواقف الجميلة لا تعلن اكتمالها إلا في لحظاتها الأخيرة ..
وبينما كان يسير في الممر المؤدي إلى الخارج .. اقترب منه الرجل الذي نسق البرنامج .. وأخرج حزمةً من المال .. ووضعها في يده ..
كان هذا هو المقابل الذي اتفقا عليه ..
وهنا حدث ما لم يكن متوقعًا ..
لم ينظر الدكتور إلى المال بوصفه حقًا يجب أن يتمسك به .. ولا بوصفه غنيمةً جاءت في وقتها .. وإنما نظر أولًا إلى المكان ..
إلى تلك القاعة البسيطة ..
إلى الوجوه التي كانت تلمع فيها رغبة التعلم أكثر مما يلمع فيها أثر الثراء ..
إلى مؤسسةٍ كانت تحتاج إلى من يعينها أكثر مما يحتاج هو إلى ما في يده ..
فما كان منه إلا أن أعاد المال إلى صاحبه .. وقال له بهدوء ..
“هذا تبرعٌ مني لهذا المركز.”
وتوقفت طويلًا أمام هذا المشهد ..
ليس لأن التنازل عن المال بطولةٌ في ذاته .. فلكل إنسان ظروفه .. ولكل عملٍ حقه .. وقد أحسن الدكتور نفسه حين أوضح في حديثٍ آخر أن التدريب مهنة .. وأن أخذ الأجر عليها حقٌ مشروع .. وأن الوضوح في الاتفاقات المالية من تمام المهنية ..
لكن جمال هذا الموقف أنه لم يكن قاعدةً عامة .. وإنما كان قراءةً صادقةً للمقام ..
فالإنسان الحكيم لا يتعامل مع الناس بنسخةٍ واحدة .. بل يزن المواقف بميزان البصيرة ..
هناك مواضع يكون أخذ الحق فيها عدلًا ..
وهناك مواضع يكون التنازل عنه فضلًا ..
والفرق بينهما لا تصنعه القوانين .. بل يصنعه القلب ..
ولعل أجمل ما في الكرم أنه لا يبدأ من اليد .. بل يبدأ من القدرة على أن يرى الإنسان حاجة غيره قبل أن يرى حاجته ..
فالمال الذي خرج من يد الدكتور في تلك اللحظة .. لم يكن في الحقيقة نقصًا في رصيده .. بل كان زيادةً في رصيدٍ آخر .. لا تحصيه البنوك .. ولا تكتبه العقود .. لكنه يبقى محفوظًا عند من لا تضيع عنده الودائع ..
ولعل الإنسان لا يتذكر بعد سنوات كم قبض .. لكن الناس يتذكرون طويلًا ما الذي أعطى ..
ثم جاءت المفاجأة الأخيرة ..
مفاجأةٌ لم يكن يسعى إليها .. ولم تخطر بباله .. لكنها جاءت وكأنها ابتسامة القدر في ختام رحلةٍ امتلأت بالمعاني .

ولم يكن الدكتور يعلم أن الرحلة التي بدأها بوصفه محرمًا مرافقًا .. سيعود منها وفي جعبته تذكارٌ آخر .. لم يكن مالًا .. ولا هديةً .. ولا شهادة شكر ..
كان تذكارًا من نوعٍ مختلف .. صورة ..
وحين عاد إلى الفندق .. استقبلته زوجته بابتسامة تحمل شيئًا من الدهشة .. ثم قالت له ..
“هل رأيت صورتك في الصحيفة الهندية؟”
ناولته الجريدة ..
كانت صحيفةً محلية .. بطباعةٍ متواضعة .. وحبرٍ يكاد يعلق باليد عند ملامسته .. لكنها يومئذٍ كانت عنده أغلى من كثيرٍ من الصحف اللامعة ..
ليس لأنها نشرت صورته .. بل لأنها أخبرته .. بطريقتها الصامتة .. أن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى وطنٍ واحد كي تجد طريقها ..
ابتسم وهو يتأمل الصورة ..
وربما لم يتوقف طويلًا عندها ..
لكن أكثر ما أدهشني لم يكن ظهور الصورة في الصحيفة .. بل ما فعله بها بعد ذلك ..
لقد أخبر أبناءه أن صورته نُشرت في الصحف الهندية .. وقال ذلك بشيءٍ من الدعابة والمرح .. حتى يشعروا أن لأبيهم حضورًا يتجاوز دور “المحرم المرافق” ..
تلك الجملة الصغيرة .. بدت لي أعمق بكثير مما تبدو لأول وهلة ..
فالأب لا يبني صورة نفسه في أعين أبنائه بالكبرياء .. ولا بالمبالغة .. وإنما يزرع في قلوبهم الشعور بأن للحياة معاني جميلة .. وأن العمل الصادق يترك أثرًا حيثما حل ..
ولم يكن يريد أن يصنع بطولةً وهمية .. ولا أن ينفخ في ذاته .. بل كان يلاطف أبناءه .. ويمنحهم سببًا جديدًا ليفرحوا بأبيهم ..
وهنا تتجلى صورة أخرى من صور التربية ..
فالبيت الذي يعرف الضحكة الهادئة .. هو البيت الذي يعرف الطمأنينة ..
والأب الذي يمازح أبناءه .. ويشاركهم تفاصيل حياته .. ويجعل نجاحاته مادةً للألفة لا للتفاخر .. إنما يترك في نفوسهم ذكرياتٍ تبقى أطول من كثيرٍ من الخطب والنصائح ..
ثم إن في القصة مفارقةً بديعة لا ينبغي أن تمر مرورًا عابرًا ..
خرج من الفندق في الصباح .. وهو يظن أن دوره لا يتجاوز مرافقة زوجته ..
ثم عاد في المساء .. وقد قدّم برنامجًا تدريبيًا .. وتبرع بأجره .. ونُشرت صورته في صحيفةٍ أجنبية ..
وكأن الله أراد أن يقول له .. ولكل من يقرأ حكايته ..
حين يخلص الإنسان في الدور الذي بين يديه .. يفتح الله له أدوارًا أخرى لم تكن في حسابه.
فليس المطلوب من الإنسان أن يبحث كل يوم عن بطولةٍ جديدة .. بل أن يحسن أداء الواجب الذي أقامه الله فيه ..
فقد يذهب ليكون مرافقًا .. فيعود مؤثرًا ..
وقد يخرج ليؤدي مهمةً صغيرة .. فيكتب الله له أثرًا كبيرًا ..
وهذه من سنن الحياة التي لا يلتفت إليها كثير من الناس ..
فكم من إنسانٍ ظل يطارد الأدوار الكبيرة .. فضاعت منه رسالته ..
وكم من إنسانٍ أخلص في دورٍ ظنه هامشيًا .. فإذا الله يرفعه به درجات .. ويفتح له أبوابًا لم يكن يخطط لها يومًا ..
وهكذا ..
لم تكن أجمل مكافأةٍ في تلك الرحلة هي المال الذي تنازل عنه ..
ولا الصورة التي نُشرت في الصحيفة ..
ولا حتى البرنامج الذي ألقاه ..
بل كانت الحقيقة التي خرج بها من الهند ..
أن الخير إذا خرج من القلب .. عاد إلى صاحبه بأشكالٍ لا يستطيع أن يتنبأ بها .

بقيتُ بعد أن انتهيت من قراءة هذه الحكاية أسأل نفسي .. لماذا علقت في ذاكرتي كل هذا الوقت ؟
أليست فيها رحلةٌ إلى الهند .. ومؤتمر .. وسيارة .. وبرنامج تدريبي .. وصورة في صحيفة .. كغيرها من مئات الرحلات التي تمر في حياة الناس ؟
ثم أدركت أن الإنسان لا يحفظ الوقائع .. بل يحفظ القيم التي تختبئ داخل الوقائع.
فلو حذفنا الهند من القصة .. لبقيت عظيمة .
ولو حذفنا المؤتمر .. لبقي معنا الدرس.
ولو لم تُنشر الصورة في الصحيفة .. لما نقص من جمالها شيء .
لأن البطولة الحقيقية لم تبدأ يوم صعد اسمه إلى صفحات الجريدة .. وإنما يوم غلّب الشراكة على المنافسة .. والإسناد على المزاحمة .
ولم تكن يوم وقف مدربًا أمام الناس .. وإنما يوم وقف زوجًا خلف زوجته .. مطمئنًا لنجاحها .. سعيدًا بتألقها .
ولم تكن حين تبرع بأجره .. وإنما حين عاش الموقف كله بعفوية الإنسان الذي لا يبحث عن الأضواء .. فتأتيه الأضواء من حيث لا يحتسب .
ولعل هذه هي الرسالة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى .. أن البيوت لا تُبنى بالخطابات .. وإنما بالمواقف .
وأن الأبناء لا يرثون الكلمات التي نقولها .. بقدر ما يرثون الطريقة التي عشنا بها.
وأن النجاح الحقيقي لا يبدأ من المنصة .. بل يبدأ من البيت .
فإذا صلح الداخل .. بارك الله في الخارج.
وإذا استقامت الأسرة .. استقام كثيرٌ مما بعدها .
وما أكثر الذين صنعوا لأنفسهم أسماءً كبيرة في الميادين .. لكنهم عادوا إلى بيوتٍ خاسرة .
وما أقل الذين جمع الله لهم بين نجاح الرسالة .. ونجاح السكن .
وتلك .. نعمةٌ لا تُقاس بالشهرة .. ولا تُشترى بالمال .. وإنما يهبها الله لمن أحسن أن يكون خيرًا لأهله .
فخيرية الإنسان لا تُختبر حين يصفق له الناس .. وإنما حين يُغلق باب بيته .. فلا يكون لأهله منه إلا الخير .
وهناك .. حيث لا جمهور .. ولا منصات .. ولا كاميرات .. يبدأ النجاح الحقيقي
  …

وحين أغلقتُ آخر صفحةٍ من هذه الحكاية  ..  لم أشعر أنني انتهيت من قراءة رحلةٍ إلى الهند  ..  بل شعرت أنني بدأت رحلةً إلى الإنسان  ..  فالطرقات التي قطعها الدكتور هناك انتهت عند أبواب قاعةٍ في كيرلا  ..  أما الطريق الذي فتحته مواقفه  ..  فلا يزال يمتد في وجدان كل من يتأملها  ..
لقد علّمتني هذه الحكاية أن الإنسان قد يسافر آلاف الكيلومترات  ..  ثم يكتشف أن أعظم الرحلات ليست تلك التي تقطعها الأقدام  ..  بل تلك التي تقطعها القيم في النفس  ..
وتلك هي الحكايات التي لا تنتهي عند آخر سطر  ..  لأنها في الحقيقة  ..  تبدأ في قلب القارئ .

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l


ما قرأتموه هنا ليس إعادة روايةٍ لحادثةٍ عابرة  ..  بل محاولةٌ للتأمل في القيم الإنسانية والتربوية والأسرية التي حملتها هذه الرحلة .. أما النص الأصلي للحكاية  .. كما رواها صاحبها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني  ..  فيمكنكم قراءته كاملًا عبر الرابط الآتي  :

أثر لاينسى
جدة
٢١ محرم ١٤٤٨
٦ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *