موقف ( الاختطاف الهندي)
في إحدى السنوات كنت مرافقا لزوجتي الدكتورة منيرة القحطاني أستاذة الدراسات العليا بجامعة الملك فيصل لحضور مؤتمر في السنة النبوية
كان دوري فقط في الرحلة لايزيد عن اكون محرما للزوجة فقط دون أي مهام أخرى
وهذه الرحلة ليست الأولى فقد رافقتها إلى العديد من الأماكن وعادة مايكون لها ورقة عمل في اي مؤتمر يتم حضوره
هذه الفرصة أتاحت لي حضور الكثير من أوراق العمل ونقاشاتها ولم أكن اتردد في تقديم مداخلات بين حين وآخر كما أن الحوارات التي تتخلل أوراق العمل أثناء استراحة الإفطار أو تناول الشاي تجمعني بالكثير من الاكاديميين من شتى بلاد العالم الإسلامي
الطريف في الموضوع ان الكثير يعتقد أنني جزء من المؤتمر لكن عندما يكتشفون أنني حضرت مرافقا للزوجة العزيزة فقط ولست منتسبا لأي جامعة
نعم قمت بالتدريس لسنوات في جامعة من الجامعة بمقابل مادي لكن لم انتسب يوما من الايام كعضو هيئة تدريس
حتى تجربة التدريس لسنوات لم تستهويني ولعل سبب بقائي معهم الأجر العالي الذي كنت اتقاضاه معهم وايضا المرونة الكبيرة من القائمين على الجامعة على تذليل كل الصعوبات التي تواجهني حتى وصل الأمر إلى أن استجابوا لطلبي ان تكون جميع محاضراتي في يوم واحد من الساعة الثامنة صباحا حتى العاشرة ليلا وسلموني مكتبا خاصا ارتاح فيه بين المحاضرات
عندما كنت في المؤتمر في كيرلا حيت تلتقي الخضرة بالبحر سلم علي أحدهم وقال لي هل انت المدرب مسفر فقلت نعم فقال نرغب ان تقيم لنا برنامجا تدريبيا
كيف عرف هؤلاء الهنود اسمي وطبيعة عملي؟
عرضت عليه أسماء عدد من البرامج فاختار أحدها ثم تواعدنا ان يكون البرنامج بعد يومين
بعد يومين وجدت هذا الرجل يأتي الي وانا في قاعة المؤتمر ويشير الي انه جاهز لاصطحابي لمكان البرنامج
ما اسم هذا الشخص لا أدري! اي مكان سأذهب معه لا أدري! كم عدد الحضور لا أدري!
ركبت السيارة وهي سيارة ماكرو باص وعند جلوسي على المقعد واذا به ينادي عددا من رفاقه ليركبوا وكانوا يتحدثون بشكل سريع ويعجل بعضهم بعضا رغبة في مغادرة المكان
تسلل الخوف إلى نفسي لكن القوم لم يمنحونني الفرصة للخوف فقد يتكلمون دون توقف
قلت في نفسي هل يمكن أن يخطفونني؟ لالا لايوجد لدي سبب يحفزهم ان يفكروا في ذلك.. فليست هيئتي هيئة شخص غني ولست صاحب منصب ليساوموا بلادي بشأني.. ولا أعتقد أن اهلي سيدفعون من أجلي الملايين لمحاولة فك اسري
لكن السيناريو أقرب إلى الخطف منه إلى الاحتفاء مع انهم كانوا يبتسمون في وجهي ابتسامات مشرقة
قامت السيارة تخترق الأزقة والممرات الضيقة وفجأة لاح امامي بناء ضخم توقفت عنده السيارة ونزلنا جميعا
صعدنا إلى الدور الثاني وعندما دخلت القاعة وجدت القاعة ممتلئة من الرجال في سكينة وهدوء وابتسامات الحضور تملا نفسي بهجة وحبورا
إذا لست مختطفا ثم لماذا يفكرون في ذلك؟
احيانا يشعر الإنسان بقيمة كبيرة لذاته فيتوقع أشياء ثم يكتشف انها خيالات من صنع الذات المتورمة
قدمت البرنامج ولم أجد لهفة في وجوه احد لما اطرحه كما رأيت في وجوه هؤلاء الهنود الموفقين
شعرت ان كل كلمة اقولها لها صدى في نفوسهم مع ان بيني وبينهم مترجم ولا ادري هل سر اعجابهم بما اقول ام ان الله وفقني في مترجم مبدع يقول لهم خير مما اقول
في نهاية البرنامج شكرتهم وحان الوقت ليعود بي الخاطفون الكرام لمكان المؤتمر وعند سيري في الممر المؤدي للخارج أخرج ذلك الرجل الذي اتفق معي حزمة من المال ووضعها في يدي فقمت ووضعتها في جيبه فانزعج وحاول معي فقلت هذا تبرع مني لهذا المركز
كنت في غاية السعادة وانا أعود لمكان المؤتمر وعندما سالتني الزوجة قلت لا تقلقي فقط كان هناك عملية خطف سريعة ويبدو انهم ندموا في الطريق وغيروا خطتهم
في الفندق فوجئت بالزوجة العزيزة تقول لي هل رأيت صورتك في الصحيفة الهندية واعطتني الصحيفة والتي كانت من الورق والحبر البدائي حيث تحتاج ان تغسل يدك بمجرد ملامستها
أخبرت صغاري أن صورتي ظهرت في الصحف الهندية على الاقل ليشعروا أن لي دورا وتاثيرا يتجاوز دور المحرم المرافق مع ان دوري في هذه الرحلة هامشيا لكن لا بد أن ابقى قويا في أعينهم
وسلاااااااااااااااااااااااااامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

الحكايات العظيمة لا تُقرأ مرتين بالطريقة نفسها .. مرةً نقرؤها كما وقعت .. ومرةً نقرؤها كما توقظ فينا من معانٍ .. وهذه المقالة ليست إلا محاولتي المتواضعة لاستخراج بعض القيم الإنسانية .. والنفسية .. والأسرية التي اختبأت بين سطور الحكاية .. أما النص الأصلي كما كتبه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. فيبقى شاهدًا على الوقائع كما جرت .. وما بين النص الأصلي .. وهذه القراءة التأملية .. مساحةٌ تركتها للقارئ ليكملها بقلبه .. لأن بعض الحكايات لا تنتهي عند آخر كلمة .. بل تبدأ هناك .
أثر لاينسى
جدة
الأثنين ٢١ محرم ١٤٤٨
٦ يوليو ٢٠٢٦

