في صباحٍ تنفّست فيه المجموعة عبق البدايات .. دخل القروب ضيفٌ جديد .. يحمل في حضوره ملامح عُمان ووقارها .. مدربًا من سلطنة عُمان: الدكتور بخيت .. فكان الترحيب به ترحيبًا يليق بمقام العلم وأهله .. تتقدمه كلمات دافئة من الدكتور مسفر القحطاني .. ثم الأستاذة مها عبدالله الشهري .. التي استقبلته بصباحٍ مفعم بالأمل والتفاؤل .. مؤكدة أن كل يوم جديد فرصة لبداية أجمل وقلب أكثر امتنانًا .. مرحبة به في المجموعة .. ومتمنية له رحلة متميزة وموفقة بين الجميع ..
وتتابعت رسائل الترحيب من نخبة القروب: الأستاذة بلقيس .. والأستاذة شيخة الحمادي .. والأستاذة حصه الحربي .. والأستاذة شريفة الغامدي .. والأستاذة سارة الحربي .. والأستاذة صباح المولد .. والأستاذة منال الشهري .. والأستاذة نهاد الكليب .. وغيرهن من الحاضرات .. حتى بدا الصباح وكأنه لوحة ترحيب ممتدة .. تتفتح فيها الكلمات كما تتفتح الزهور على ضوء المعرفة ..
وقد عبّر الدكتور بخيت عن امتنانه لهذا الاستقبال قائلًا إنه يتشرف بأن يكون بين كوكبة العلم وفرسان المعرفة ورواد الثقافة .. وأنه ينهل من فيض علومهم .. ويستقي من ينابيع خبراتهم .. ويغترف من موائد تجاربهم .. داعيًا أن يزيدهم الله فضلًا وشرفًا وعلمًا ..
ولعلّ من أجمل ما مرّ في لحظة دخول الدكتور بخيت .. تلك العبارة التي انسكبت من حديثه كأنها تُعيد للغة العربية شيئًا من وقارها الأول وبهائها القديم .. لم تكن الكلمات مجرد وسيلة للتعبير .. بل بدت كأنها تتقدّم بنفسها لتقود المعنى .. وتمنحه نغمة فصيحة محببة .. تجمع بين أصالة التراث ودفء الحاضر .
“ جميعًا أكتعون أبتعون ”… جملة مرّت بخفّة .. لكنها حملت أثرًا أعمق من ظاهرها .. إذ بدت كإشارة لطيفة إلى أن اللغة العربية ليست قالبًا جامدًا يُستدعى عند الحاجة .. بل كائن حيّ يتشكل مع المعنى .. ويتلوّن بروح قائله .. ويبتسم أحيانًا كما يبتسم الإنسان في لحظة عفوية صادقة .
ومن يلتقط روح العبارة لا حروفها فقط .. يدرك أن في أسلوبه ميلًا واضحًا إلى الفصاحة المحببة .. تلك الفصاحة التي لا تتكلف الوقار .. بل تصنعه ببساطة .. وتستحضر جمال العربية حين تُقال بمحبة لا بتصنّع .. وكأن اللغة عنده ليست أداة يُتقنها .. بل صديق قديم يُحسن الإصغاء إليه وإحيائه من جديد .
ولعلنا نستفيد منه في هذا الجانب .. في أن اللغة إذا صُحبت بمحبة صارت أوسع أثرًا .. وإذا خرجت من القلب وصلت إلى القلوب دون استئذان .. وأن الفصاحة ليست تكلّفًا في اللفظ .. بل حضورٌ جميل للمعنى حين يجد من يحتفي به كما يحتفي بالضيف الكريم .
ثم بدأ الحوار يأخذ مسارًا تدريجيًا نحو جوهر التدريب .. حين طرح الدكتور مسفر سؤالًا محوريًا: كيف مستوى التدريب في سلطنة عمان؟ موضحًا أنه يجهل واقع التدريب هناك .. ومشيرًا إلى أن الدكتورة مقبولة الكواري تزوده أحيانًا بفلاشات عن التدريب في قطر .. ومتسائلًا عن إمكانية معرفة واقع السلطنة حين يتيسر الوقت ..
ثم بدأ الدكتور بخيت بسرد رؤية موسعة عن واقع التدريب في سلطنة عمان بعد كورونا ورؤية 2040 .. موضحًا أن المنظومة أصبحت أكثر حوكمة وتخصصًا .. وأن البرامج التدريبية صارت تنقسم إلى :
مهارات القرن الحادي والعشرين مثل الذكاء العاطفي والقيادة الحديثة ..
ومهارات الثورة الصناعية الرابعة مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي ..
وبرامج مرتبطة برؤية عمان 2040 مثل الحوكمة والإجادة المؤسسية وتبسيط الإجراءات ..
وأشار إلى أن برامج التنمية الذاتية والطاقة وبعض الاتجاهات السابقة تراجعت .. بل إن بعضها خضع للرقابة والتنظيم .. في حين تم تطوير برامج وطنية متخصصة .. وإنشاء أكاديميات تدريبية متقدمة .. وبناء منظومة تقييم أثر التدريب وفق منهجيات حديثة .. وأن “مدربي الشنطة” أصبحوا على الهامش .. بينما المدربون المتخصصون هم من يتصدرون المشهد ..
ثم جاء تعليق الدكتور مسفر بكلمة إعجاب: “ياسلام .. الله يفتح عليك دكتورنا المبدع” ..
وبعدها بدأت لحظة المفصل في الحوار .. حين روى الدكتور مسفر قصة من تجاربه في تدريب المدربين .. وهي قصة المتدرب العُماني والمتدرب من الدمام ..
قال إن مدربًا معروفًا في أحد البرامج التدريبية طلب نشاطًا غريبًا .. حيث اختار متدربين اثنين .. أحدهما شاب عماني والآخر من الدمام .. وطلب منهما الوقوف على خشبة المسرح دون أن يعرفا سبب الاختيار ..
ثم وجّه طلبًا صادمًا .. أن يقوم المتدرب العماني بصفع المتدرب الذي أمامه ..
تجمّد الموقف .. ولم يستوعب الشاب العماني الطلب .. كما لم يستوعب الحضور ما يحدث أصلًا .. وكان المتدرب ينظر إلى الموقف باستغراب شديد .. متسائلًا عن معناه وحدوده ..
وأخذ المدرب يكرر بصوت مرتفع: “اصفعه .. اصفعه” ..لكن المتدرب العماني رفض .. مؤكدًا أنه لا يمكن أن يعتدي على إنسان لم يصدر منه أي خطأ .. وأن قيمه وأخلاقه تمنعه من ذلك ..
وهنا صفق المدرب له .. واعتبر أن الموقف انتهى بنجاح .. مشيدًا بأخلاقه وقيمه ..
لكن الدكتور مسفر وقف أمام الموقف غير مستوعب .. وسأل نفسه : ما الهدف من هذا النشاط أصلًا ؟
ثم أخذ المايك وسأل المدرب مباشرة: “ماذا لو صفعه ؟”
فأجاب المدرب بحماس أن ذلك حدث في أحد برامجه سابقًا .. وأن مشكلة وقعت وتمت السيطرة عليها لاحقًا ..
وهنا كانت الصدمة الأكبر للدكتور مسفر .. إذ تساءل : ما القيمة التدريبية في موقف قد ينتهي باعتداء جسدي بين متدربين ؟ وأكد أن اعتراضه كان موجّهًا إلى الفكرة ذاتها لا إلى صاحبها .. فالألقاب العلمية والخبرات المهنية لا تمنع وقوع الخطأ .. والعبرة في مثل هذه المواقف بسلامة الممارسة لا بمكانة من يطرحها .
ومن هنا بدأ التحول في الفهم : أن المتدرب لا يجب أن يُدخل في أي نشاط دون أن يعرف ماذا سيحدث .. وأن من حقه أن يرفض أي ممارسة تمس كرامته أو تضعه في موقف غير آمن نفسيًا أو اجتماعيًا ..
ثم بدأت المداخلات تتوالى ..
قالت الأستاذة نجاح : احترام الناس واجب .. وقالت أ/ سناء العليوي إن ما حدث يمكن فهمه كدرس في كيفية التعلم من الخطأ .. وكيفية تحويل التجربة السلبية إلى وعي تدريبي .. مع أهمية التخطيط والتنوع في أساليب التدريب .. وأشار الدكتور بخيت إلى مفهوم “السياق التدريبي” .. موضحًا أن أي فكرة تدريبية لا يمكن فصلها عن بيئتها وثقافتها .. وأن ما يصلح في سياق قد يكون مرفوضًا في سياق آخر .. وأن التدريب ليس منهجية فقط بل فن في تكييف الفكرة مع المجتمع ..
كما أكدت أ/ مرام اليزيدي أن سلامة المتدرب النفسية والجسدية تأتي أولًا قبل أي هدف تدريبي ..
وتدخل الدكتور مسفر موضحًا أنه يرى الموقف من زاوية سلبية .. وأن أهم ما تعلمه منه هو ضرورة إعلام المتدرب مسبقًا بكل نشاط .. وأن يكون على وعي تام بما سيقوم به .. وإلا أصبح النشاط عبئًا أو إحراجًا أو تجاوزًا ..
ثم توسع في الفكرة موضحًا أنه عندما يُطلب من متدرب أداء دور غير مريح له دون علم مسبق .. فهذا يوقعه في حرج شديد .. حتى لو كانت النية تدريبية .. وأن المتدرب من حقه أن يرفض ..
وضرب أمثلة على ذلك مثل رفضه شخصيًا المشاركة في بعض الأنشطة التي لا تتناسب مع قناعاته .. مثل إلصاق نجوم على الجباه .. مؤكدًا أن المتدرب ليس مجبرًا على قبول أي نشاط ..
ثم أضاف أن الفكرة الأساسية التي خرج بها من هذا الموقف هي: أنه لا يجوز إدخال المتدرب في أي نشاط دون توضيح كامل لما سيقوم به .. وأن الموافقة الواعية شرط أساسي لأي تدريب ..
وتدخلت الأستاذة فاطمة هزازي مؤكدة أن “الغاية لا تبرر الوسيلة” .. وأن سلامة المتدرب مقدمة على أي هدف .. مستشهدة بمواقف تربوية في التاريخ الإسلامي تؤكد هذا المبدأ ..
ثم أكدت الأستاذة شيخة الحمادي أن التعليم سابقًا كان يركز على تحقيق الهدف دون مراعاة الطريقة .. أما اليوم فقد تغيرت المفاهيم وأصبح احترام المتعلم والمتدرب أساسًا في العملية التعليمية والتدريبية ..
وهنا عقّب الدكتور مسفر القحطاني على هذه الفكرة موضحًا أن ما حدث لا يراه مرتبطًا بتطور التدريب أو التعليم بقدر ارتباطه بالسلوك البشري ذاته .. فالأدوات والوسائل تتطور عبر الزمن .. أما الأخطاء والدوافع الإنسانية فتبقى قابلة للظهور في كل عصر .. وأشار إلى أن الاعتداء والخطأ في التربية والتجاوز في التعامل ليست ظواهر تنتمي إلى زمن مضى ثم اختفت .. بل هي سلوكيات بشرية قد تتكرر ما دامت دوافعها قائمة .. ولذلك فإن هذا الموقف لا يُقرأ بوصفه أثرًا من آثار مرحلة سابقة فحسب .. بل بوصفه نموذجًا لسلوك بشري يمكن أن يتكرر في أي زمان ومكان إذا غاب التقدير السليم للإنسان وحقوقه .. كما شدد على ضرورة التفريق بين تطور وسائل الحياة وأدواتها، وبين السلوك الإنساني الذي يبقى حاضرًا بأشكال مختلفة مهما تغيرت الأزمنة .
وفي ختام الحوار أوضحت الأستاذة سناء العليوي أن الأسلوب خاطئ رغم النية .. وأن الفصل بين النية والوسيلة ضروري ..
ثم ختم الدكتور مسفر الفكرة بتشبيه قوي .. كالمعلم الذي يضرب طالبًا ضربًا مبرحًا بحجة تعليمه الواجب .. بينما الأسلوب خاطئ مهما كانت النية ..
ثم أضاف سؤالًا حاسمًا: هل نشكر صاحب النية الطيبة رغم خطأ الأسلوب؟
وجاءت الإجابة: لا ..
وفي النهاية اتفق الجميع على قاعدة مهمة: أن النية الحسنة لا تُبرر الأسلوب الخاطئ .. وأن سلامة الإنسان مقدمة على أي هدف تدريبي .. وأن المتدرب ليس وسيلة بل هو غاية العملية التدريبية ..
وهكذا انتهى الحوار إلى وعي أعمق: أن التدريب ليس مجرد نشاط يُنفذ .. بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون مهارة أو أداة .

أثر لاينسى
جدة
الجمعة ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧
٥ يونيو ٢٠٢٦

