● حين يصبح الاختلاف مدرسة 🏫🌿

screenshot ٢٠٢٦٠٥٣١ ١٨٠٣٢٣ gallery


هناك حوارات تمر علينا كما تمر الغيوم التي لا تمكث طويلًا ..
نسمعها ثم ننساها بعد ساعات ..
وهناك حوارات أخرى لا تنتهي بانتهاء الكلمات ..
بل تبدأ بعدها رحلة طويلة داخل النفس ..
ذلك ما شعرت به وأنا أتابع الحوار الذي دار في مجموعة “مدربات مبدعات” مع الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
لم يكن الحوار عن النقد فقط ..
ولم يكن عن الجدل أو الدفاع عن الرأي فحسب ..
كان في جوهره حديثًا عن الإنسان حين يلتقي بنفسه ..
عن تلك اللحظة التي يكتشف فيها المرء أن أكبر خصومه ليس الناقد الذي أمامه ..
بل هشاشته الداخلية أمام فكرة المخالفة ..
نحن نحب من يوافقنا ..
هذه حقيقة بشرية لا تحتاج إلى برهان ..
تسعدنا الكلمات التي تؤكد صحة أفكارنا .. ونرتاح لمن يربت على أكتافنا ..
ونأنس بمن يرى العالم كما نراه ..
لكن الحياة لا تنضج في مناطق الراحة ..
الشجرة لا تشتد جذورها في الأيام الهادئة ..
وإنما حين تهب الرياح ..
والعقل لا يزداد عمقًا حين يسمع صدى صوته ..
بل حين يصطدم بصوت مختلف ..
ولهذا كان الدكتور مسفر يعيد الفكرة بصور متعددة ..
أي قيمة لحوار لا يعلمني كيف أدافع عن فكرتي ..؟
وأي قيمة لمجلس لا يربيني على قوة الحجة .. ؟
وأي نفع في بيئة لا تعرف سوى التصفيق .. ؟
كان يتحدث عن تجربة الدراسات العليا ..
  لا باعتبارها شهادة أكاديمية ..
بل باعتبارها ميدانًا لصناعة الصلابة الفكرية ..
هناك يقف الباحث وحيدًا أمام أسئلة لا ترحم ..
يسأله أحدهم عن مصدره ..
ويشكك آخر في استدلاله ..
ويطعن ثالث في منهجه ..
ويرى رابع أن أفكاره مبعثرة ..
ويطالبه خامس بتحديث مراجعه ..
وفي تلك اللحظات لا ينقذه حجم البحث .. ولا عدد صفحاته ..
ولا سنوات التعب التي قضاها في إعداده ..
الذي ينقذه شيء واحد فقط ..
أن يكون قد فهم ما كتب ..
أن يكون قادرًا على الدفاع عنه ..
أن يكون الفكر قد سكنه قبل أن يسكن الورق ..
وكان من الجميل أن تتلقف الأستاذة عائشة الزهراني الفكرة من زاوية تربوية دقيقة ..
حين أشارت إلى أن من رافق الدكتور مسفر في برامجه ونقاشاته يعلم أنه لم يكن يدرب المتدربات على الحوار قبل أن يغرس فيهن الصلابة النفسية والمرونة ..
وكأنها كانت تضع مفتاحًا لفهم منهجه كله ..
فالدخول إلى ساحات النقاش لا يبدأ بقوة الحجة وحدها ..
بل يبدأ بقوة النفس التي تحتمل الخطأ .. وتتقبل التصحيح ..
ولا ترى في الاختلاف تهديدًا لذاتها ..
فالحوار قبل أن يكون مهارة عقلية هو بناء داخلي طويل يجعل الإنسان قادرًا على الوقوف بثبات حين تهب عليه رياح الاعتراض ..
ومن أجمل ما طرحه الدكتور تلك القصة المؤثرة عن مناقشة رسالة علمية تجاوزت سبعمائة صفحة ..
سبعمائة صفحة كاملة ..
لكن صاحبها وقف عاجزًا عن الإجابة ..
وكأن الأوراق كانت تتكلم نيابة عنه طوال سنوات ..
فلما حان وقت أن يتكلم بنفسه خذلته الكلمات ..
لم تكن المشكلة في عدد الصفحات ..
كانت في المسافة بين المعرفة الحقيقية والمعرفة المستعارة ..
بين أن تكتب شيئًا وأن تعيشه ..
بين أن تجمع المعلومات وأن تمتلك الفهم ..
وفي خضم هذا الحوار جاءت الأستاذة فاطمة هزازي بإضافة بالغة العمق ..
لم تنكر ألم النقد ..
ولم تتظاهر بأن الإنسان يستطيع أن يتحول إلى حجر ..
بل قالت شيئًا أقرب إلى الحقيقة الإنسانية ..
إن ضيق الصدر من المخالفة أمر طبيعي ..
حتى الأنبياء تأثروا بأذى المخالفين ..
لكن الفرق ليس في الشعور بالألم ..
الفرق فيما نفعله بعد الألم ..
هل ننكسر .. أم نتشكل من جديد ..
ثم روت تجربة ابنتها مع النقد ..
تجربة صغيرة في ظاهرها ..
لكنها تحمل فلسفة تربوية كبيرة ..
حين تعرضت ابنتها لموقف مؤلم مع صديقاتها ..
لم تكتفِ بمواساتها ..
بل أعادت معها المشهد ..
وأعادت تمثيل الحوار ..
وأعادت تدريب ردود الأفعال ..
ثم استخدمت الذكاء الاصطناعي ليقوم بدور المعارض الصلب الذي لا يجامل ولا يلين ..
كانت تدربها على أسوأ الاحتمالات ..
وكانت النتيجة مدهشة ..
لم يختف النقد من العالم ..
لكن عنصر المفاجأة اختفى ..
وحين يختفي عنصر المفاجأة ينخفض الخوف
..

وحين ينخفض الخوف تبدأ الثقة بالنمو ..
أما الأستاذة شيخة الحمادي فأشارت إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية ..
وفي السياق ذاته جاءت مداخلة الأستاذة زينب أبو عامر لتلفت النظر إلى قضية كثيرًا ما تغيب عن النقاشات .. وهي أن الحوار الحقيقي لا يكتمل إلا حين يكون الهدف الوصول إلى الحقيقة لا الانتصار للنفس ..
فليس كل من يجادل مقتنعًا بما يقول ..
وأحيانًا يدافع الإنسان عن رأي يعرف في قرارة نفسه ضعفه أو تقصيره .. لكنه يصر على موقفه رغبة في إثبات ذاته ..
وهنا تتجلى قيمة التربية على الصدق مع النفس قبل الصدق مع الآخرين ..
فليست كل مجادلة دليل قوة ..
أحيانًا يجادل الإنسان وهو يعلم في داخله أنه مخطئ ..
لا بحثًا عن الحقيقة .. بل هربًا منها ..
وهنا يصبح الحوار ساحة لإثبات الذات لا ساحة لاكتشاف الصواب ..
وهذا فرق كبير ..
ثم عاد الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ليضع واحدة من أجمل الصور التي يمكن أن تُقال عن النقد ..
قال إن الإنسان السوي لا يستلذ النقد كما لا يستلذ الإبرة ..
لا أحد يذهب إلى المستشفى طلبًا لمتعة الوخز ..
لكنه يتحمل الألم من أجل العافية ..
وهكذا النقد ..
لسنا مطالبين بأن نحبه .. لكننا مطالبين بأن نفهم قيمته ..
فالعاقل لا ينظر إلى وخزة الإبرة .. بل إلى الشفاء الذي يأتي بعدها ..
ومن أروع الأفكار التي طرحها تقسيمه للنقد إلى أربع حالات ..
نقد صحيح بأسلوب راقٍ .. وهذا أجمل ما يكون ..
ونقد صحيح بأسلوب سيئ .. وهنا ينبغي ألا يحرمنا سوء الأسلوب من الاستفادة من صحة الفكرة ..
ونقد خاطئ بأسلوب لطيف .. وهنا لا يجوز أن يخدعنا اللطف عن ضعف المحتوى ..
ونقد خاطئ بأسلوب سيئ .. وهذا أبسط الحالات وأوضحها ..
إنها قاعدة تختصر كثيرًا من ارتباك البشر ..
فنحن كثيرًا ما نحكم على الفكرة من خلال نبرة قائلها لا من خلال حقيقتها ..
ومن المواضع التي استوقفتني طويلًا حديثه عن المتميزين ..
حين قال إن النقد يشتد كلما ارتفع مستوى الإنسان ..
كان تشبيهًا بديعًا ..
فلا يمكن إعداد لاعب لبطولة العالم بالطريقة نفسها التي يُعد بها لمباراة محلية ..
كلما ارتفع السقف زادت الدقة ..
وكلما اقترب الإنسان من التميز أصبحت الأخطاء الصغيرة أكبر أهمية ..
ولهذا يشتد النقد على أصحاب الإمكانات العالية .. لا لأنهم أسوأ .. بل لأنهم أقرب إلى القمة ..
وفي قصة المعلم الذي رفض ملاحظاته أول مرة ثم عاد يطلبها بعد سنوات .. تتجسد حكمة عميقة ..
ليست المشكلة دائمًا في الملاحظة ..
أحيانًا تكون المشكلة في توقيت استعدادنا لسماعها ..
فالنصيحة نفسها قد تُرفض اليوم وتُطلب غدًا ..
والكلمة ذاتها قد تكون ثقيلة في مرحلة ثم تصبح كنزًا في مرحلة أخرى ..
وأظن أن أجمل ما خرجت به من هذا الحوار كله أن الإنسان لا ينبغي أن يجعل رأيه هو نفسه
..

هذه واحدة من أخطر الأوهام ..
أن أعتقد أن خطأ فكرتي يعني خطئي أنا ..
وأن نقد رأيي يعني انتقاصًا شخصيًا ..
وأن مخالفة وجهة نظري تعني إلغاء وجودي ..
الحقيقة ليست كذلك ..
الرأي شيء .. والإنسان شيء آخر ..
قد أخطئ في فكرة وأكون صائبًا في عشرات غيرها ..
وقد يصحح لي طفل أمرًا لم أنتبه إليه ..
وقد يفتح لي ناقد بابًا ما كنت لأراه وحدي ..
وفي نهاية المطاف لا تصنع العظمة بيئات التصفيق ..
ولا تبني المجاملة العقول ..
ولا يخرج الذهب من بين الصخور لامعًا إلا بعد أن يمر بمواقد النار ..
ولم تكن المشاركات مجرد تعليقات عادية .. بل كانت تعكس درجات مختلفة من التفاعل مع الفكرة ..
فمن كلمة الأستاذة جواهر المراغي الموجزة: «أنشهد» .. والتي اختصرت بلغة أهل الخبرة معنى التصديق الناتج عن المعايشة ..
إلى التأملات التربوية والنفسية التي طرحتها بقية الأخوات .. بدا واضحًا أن الحوار لم يكن تنظيرًا مجردًا .. بل خبرات متراكمة وجدت في حديث الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ما يعبّر عنها ويمنحها لغة أوضح ..
ولعل أجمل ما في ذلك الحوار أنه لم يكن صوتًا واحدًا يتحدث والبقية تستمع .. بل كان لوحة تتكامل فيها الرؤى ..
فبين تأكيد الأستاذة جواهر المراغي على صدق الفكرة وتجربتها معها ..
وبين قراءة الأستاذة عائشة الزهراني لأثر التدريب على الصلابة النفسية ..
وبين تأملات الأستاذة فاطمة هزازي العميقة في النقد والتدرب عليه ..
وبين الإشارات التربوية التي طرحتها الأخوات المشاركات ..
بدا المشهد أقرب إلى ورشة فكرية حيّة يتعلم فيها الجميع من الجميع .. ويتحول فيها الحوار من تبادل للآراء إلى صناعة وعي ..
ولهذا فإن من أجمل الهدايا التي يمكن أن يمنحها لنا أحدهم أن يخالفنا بصدق ..
وأن يناقشنا بأمانة ..
وأن يوقظ فينا الأسئلة التي كنا نظن أننا تجاوزناها ..
فالاختلاف ليس معركة دائمًا ..
وأحيانًا يكون أعظم أشكال التعليم ..
وأرقى صور المحبة ..
وأصدق الطرق التي يقود بها إنسانٌ إنسانًا آخر نحو نسخة أفضل من نفسه .

img 20260531 wa0067


أثر لا يُنسى ..
جدة ..
الأثنين ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧ ..
١ يوتيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *