ليست كلُّ رهبةٍ خوفًا ..
ولا كلُّ صمتٍ ضعفًا ..
بعض الصمت احترامٌ امتلأ حتى فاض ، فلم يجد له مخرجًا إلا السكوت ..
نحن نتحدث أمام الناس ، نعبّر ، نشرح ، ونُجيد ترتيب أفكارنا كأن الكلمات خُلقت لأجلنا ..
لكن، فجأة، أمام شخصٍ واحد فقط، تتبدّل القوانين كلها ..
ترتبك الحروف ..
تتلعثم الجُمل ..
وتقف اللغة على حافة الهروب .
لماذا ؟
لأن في القلب مكانةً لا تُشبه سواها ..
مكانةً تجعلنا نخاف أن نقول أقل مما ينبغي .. أو أكثر مما يحتمله المقام .
نحاول أن نبدأ ..
أن نقول أول جملة فقط ..
لكن الكلمات لا تأتي كما اعتدناها .
تتقدّم خطوة .. ثم تتراجع ..
تظهر .. ثم تختفي ..
وكأن داخلنا يقول :
“هذا مقامٌ أعلى من أن يُقال فيه كلامٌ عابر .”
فنقف ..
لا لأننا عاجزون ..
بل لأن في داخلنا امتلاءً لا يجد طريقه ..
في تلك اللحظة، لا يغيب العقل .. بل يزدحم ..
تتزاحم الأفكار .. تتدافع .. تتسابق .. حتى لا يخرج منها شيء ..
فنحمل في داخلنا حديثًا طويلًا ..
لكن لا يصل منه إلا الصمت ..
صمتٌ ليس فراغًا .. بل امتلاء ..
وصمتٌ صادق إلى درجة أن الجسد كله يشاركه ..
فيخفق القلب ..
وترتجف الحروف ..
ويبهت التركيز ..
“حرف من خوفي قتلته ..
وحرف عاندني وعصاني …”
فنخسر الحرفين معًا ..
ونبقى مع الصمت ..
والغريب أن هذا العجز ليس عجزًا حقيقيًا ..
بل هو شعورٌ أكبر من أن يُترجم دفعة واحدة ..
نحن لا نصمت لأننا لا نعرف ..
بل لأن ما في داخلنا أوسع من أن يُقال كما هو .
ومع ذلك ..
يبقى في القلب شيءٌ لا ينطفئ :
تلك الرغبة الهادئة في أن نصل يومًا إلى لحظة ..
يتصافح فيها الشعور والكلام ..
فلا يسبق أحدهما الآخر .
حتى ذلك الحين ..
لا بأس إن تعثرت الحروف ..
ولا بأس إن خفق القلب أكثر من المعتاد .
فبعض الأشخاص ..
لا نُجيد الحديث أمامهم ..
لأننا ببساطة ..
نُحسن احترامهم أكثر مما نُحسن الكلام .
أثر لاينسى
جدة
الخميس ٢٨ شوال ١٤٤٧
١٦ ابريل ٢٠٢٦

