💧دموع التماسيح 🐊

screenshot ٢٠٢٦٠٤٠٩ ٠٣٤٢٥٧ gallery


موقف ( دموع التماسيح) 🐊💧

اسعد الله مساءكم عافية وصحة وسلامة يارب

لم يكن لي اي علاقة بالتفوق في طفولتي لا من بعيد ولا قريب فقد كان أقصى طموحي ان أحقق درجات النجاح المطلوبة

لم أجد وقتها من يدفعني اليه اقصد التميز والتفوق أو حتى يحرك في نفسي الرغبة اليهما

وفي يوم همس في اذني معلم سوداني اسمه الأستاذ حسن عبدالكريم فقال لي انت عبقري لكنك ستضيع نفسك ووقتها لم أفهم كلمة عبقري لكنني رأيت شطر جملته الأخير رأي العين وواقعا حقيقيا

أفقت من صدمة الفشل فقررت التغيير وبدأت رغبتي الجادة في بداية المرحلة الثانوية كما أن حصولي على المركز الثاني على الصف عزز في نفسي فكرة وإمكانية ان اكون شيئا ذا قيمة

انتقلت الى الصف الثاني الثانوي ومازلت محافظا على المركز الثاني.. بدأت شهوة المركز الأول تسيطر على تفكيري خاصة ان الفارق بيني وبين صاحب المركز الأول لم يكن كبيرا لكنني عاجز عن تحطيم تلك المسافة بيني وبينه

انتهت السنة وانا مازلت حبيسا في هذا المركز الخانق اخذني التفكير طويلا هل يمكن أن أدركه في الثالث الثانوي ولا ادري هل كان يشعر برغبتي في تخطيه؟ لم أعرف ذلك لكون علاقتي به محدودة جدا ولم تكن تتجاوز السلام العابر

في الفصل الأول بقي الحال كما هو لكن اختبارات الفصل الثاني كانت تحمل البشائر العجيبة بعد أن وصلت إلى قناعة عظيمة أن المركز الثاني هو أقصى طموح يمكن لي ان أحققه

في إحدى اختبارات الفصل الدراسي الثاني وأثناء خروج صاحب المركز الأول من القاعة دس في جيب احد الطلاب ورقة أو ما تسمى بالبرشامة وكان الحظ السعيد يرفرف في جنبات القاعة فقد شاهده المدير وسمعت صرخات ذلك المدير وهو يسحب الورقة مهددا طالب المركز الأول بالرسوب والويل والثبور

شعرت وكان المركز الأول يعانقني فتركت كل شيء وجلست اتابع الموقف وكلي أمل الا يضعف المدير خاصة وان الطالب تحول إلى تمساح ينثر دموعه في القاعة متوسلا

لا أدري هل ارفع يدي إلى السماء الا يلين قلب المدير والا تؤثر فيه تلك الدموع دموع التماسيح لم أكن ادري ما الذي يمكن ان ينتهي عليه هذا الموقف

بدأت انقبض عندما تحوطني شعور ان المدير تحول من بركان غاضب إلى عتاب سامج مع صوت بدأ ينخفض جعل رائحة المركز تتوارى وتغيب

كيف تسامحه وهناك من يترقب سقوطه وتعثره كيف تحرم ذلك المترقب لذة المركز الأول ولو لمرة واحدة كيف تسامحه ولم يحترم تفوقه كيف وكيف وكيف؟

انتهت السنة وانا احمل في نفسي كراهية للمركز الثاني لكني تعلمت اول درس عظيم في حياتي وهو ان من يبني نجاحه في انتظار سقوط الآخرين لايستحق ان يكون إنسانا حقيقيا فضلا ان يكون ناجحا

لا أدري كيف توصلت إلى هذه القناعة العجيبة فقررت بعدها ان انشغل بذاتي بعيدا عن نجاح الآخرين أو حتى فشلهم

كان درسا عميقا يفوق في قيمته ومعناه حتى المركز الأول ثم كانت الدراسة في الكلية وكان لي موعد مع المركز الثاني لسبب ان صاحب المركز الأول في هذه المرة عملاقا في علمه وقدرته ومهاراته فكان الفارق بيني وبينه كبيرا لكني شعرت بلذة المركز الثاني سعيدا به

بعد سنوات خمس من التدريس قررت الدراسة في الجامعة منتسبا في تخصص جديد فقررت ان يكون لي موعد مع المركز الأول لكن وجدت نفسي للمرة المليون في المركز الثاني

العجيب ان صاحب المركز الأول كان منتسبا مثلي والفرق بيني وبينه ليس كبيرا اما الطلاب المنتظمون فقد كانوا بعيدين عني وعنه

في الترم  الثالث كان لي موعد مع الفرح فقد قرأت اسمي معلقا على الزجاج الخارجي ومعدلي التراكمي كان الأعلى بين الجميع منتظمين ومنتسبين

شعرت ان الجامعة تحولت في عيني إلى أجمل مكان يمكن أن تراه عيني مخلوق

كيف استطعت الوصول إلى هذا التفوق؟ الفضل اولا واخيرا لله سبحانه وتعالى ثم لأحد الطلاب المنتظمين المتميزين والذي كنت اذهب اليه في بيته فيزودني بدفاتره التي يقوم بكتابتها من أفواه الدكاترة مباشرا وكان شخصا ذكيا مجتهدا


في الترم الرابع واصلت التفوق لكن الترم الخامس جاء يحمل في طياته أخبارا غير سعيدة بالنسبة لي

فعندما كان الطلاب في صفهم يتحدثون قال لهم الطالب الذكي الذي أصبح في المركز الثاني بعد الترم الرابع انه صاحب المركز الأول على الكلية فرد عليه احد الطلاب فقال له انت لست الأول بل هناك منتسب من المنتسبين هو من تفوق عليك فسالهم فقالوا له اسمه فلان الفلاني يقصدونني

عندما اقتربت اختبارات الترم النهائية ذهبت اليه كالعادة لتصوير دفاتره ففوجئت انه يخبرني انه لم يعد يكتب مع الدكاترة فلم اخرج منه بورقة واحدة

تيقنت تماما انه لن يقدم لي مساعدة فذهبت لمن هو اقل منه تفوقا فلم يقصروا ومنهم عرفت ذلك الموقف الذي عرف من خلاله ذلك الطالب وجودي في المركز الاول

العجيب أنني عندما اسال الطلاب المنتظمين يقولون لي لم لا تطلب من فلان دفاتره لكونه لا يترك شاردة أو واردة يقولها الدكاترة الا كتبها

قررت مواصلة الطريق بعيدا عنه وكنت استغرب انه مع نهاية اليوم الأخير من الاختبارات يتواصل معي  ليتاكد من هل قدمت اختبارات جيدة ام لا؟ أدركت في أعماقي انه لن يستطيع تجاوزي لسبب لكونه يكرر نفس الخطأ الذي وقعت فيه في السنة الثالث الثانوي وان من ينتظر سقوط الآخرين سيطول به المقام

زادت قناعتي تماما بقبح الصراع والمنافسة التي تتساقط تحت قدميها قيم الجمال والسمو والروعة فكان ماتوقعت فلم ينجح في تجاوزي وتحقيق ما كان يصارع من أجله

فرحت عندما علمت انه أصبح معيدا في الجامعة وبقي اخا عزيزنا فكيف لي ان ألومه على شيء قد سبقته اليه.

تعلمت من هذين الموقفين ان عاقبة الصراع وخيمة تفقد الإنسان كل معاني الجمال في نفسه لأجل أمور دنيوية زائلة .

وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

للاطلاع على التحليل النفسي والتربوي العميق لهذا الموقف المؤثر .. يمكنكم زيارة الرابط التالي ..
حيث تتجلّى الدروس والقيم في كل تفصيلة من ممارسات الدكتور حفظه الله ورعاه
..

اثر لاينسى
جدة
الخميس ٢١ من شوال ١٤٤٧
٩ ابريل ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *