ليس كل حرصٍ محمودًا .. ولا كل دقةٍ نجاة ..
فثمّة خيطٌ دقيق — أدقّ من شعور القلب حين يرتجف بين خوفٍ ورجاء — يفصل بين الإتقان الذي يرفعك .. والتكلف الذي يُثقلك ..
كثيرون يظنون أن الطريق إلى الكمال يبدأ من التشدد في التفاصيل .. والغوص في الجزئيات .. وإعادة النظر ألف مرة قبل الإقدام .. لكنهم لا يشعرون — في غمرة هذا الحرص — أنهم ينسجون بأيديهم قيدًا خفيًا .. يغلّ حركتهم .. ويطفئ فيهم نور التوفيق ..
التوفيق .. ذلك السرّ الرباني اللطيف .. الذي لا يُنال بالقوة .. ولا يُستدرَك بالإجهاد .. بل يُهدى لقلبٍ سليم .. متوازن .. يمشي إلى الله بخطى واثقة .. لا مترددة .. ويعمل وهو يحسن الظن .. لا وهو يرهق نفسه بالشكوك ..
إن الإفراط في التدقيق ليس علامة وعي دائمًا .. بل قد يكون — في كثير من الأحيان — قلقًا متخفّيًا بثوب الكمال ..
ترى صاحبه ..
يعيد الكلمة قبل أن تُكتب ..
ويؤجل القرار حتى يفوته ..
ويفتش في كل احتمالٍ عن خطأٍ محتمل ..
حتى يضيع منه الصواب الواضح ..
وما علم أن الحياة لا تُدار بهذا القدر من التوجّس ..
ولا تُبنى النجاحات على هذا الكم من التردد ..
في الاستشارات الأسرية والتربوية .. رأيتُ وجوهًا كثيرة أنهكها هذا النوع من التدقيق ..
أمٌّ تخشى أن تخطئ في تربية أبنائها .. فتراقب كل كلمة .. وكل تصرف .. حتى تحوّلت علاقتها بهم إلى توترٍ دائم ..
وزوجةٌ تحلل كل موقف .. وتفتش في كل عبارة .. حتى أرهقت قلبها وقلب من معها ..
وشابةٌ تؤجل أحلامها .. لأنها تريد البداية “المثالية” التي لا تشوبها شائبة ..
وكلهم يشتركون في شيء واحد ..
أرادوا الكمال .. ففقدوا التوفيق ..
التوفيق لا يسكن القلوب القلقة أكثر مما ينبغي ..
ولا يجاور النفوس التي تُحمّل نفسها فوق طاقتها ..
التوفيق يسكن قلبًا ..
يأخذ بالأسباب .. ثم يُسلّم ..
يجتهد .. ثم يرضى ..
يتقن .. دون أن يتكلّف ..
ويمضي .. دون أن يلتفت لكل هاجس ..
في ميزان الشريعة .. ليس المطلوب أن تُرهق نفسك بحثًا عن الكمال ..
بل أن تعبد الله بقلبٍ حاضر .. وعملٍ صادق .. دون تنطعٍ ولا تشدد ..
فالتنطع — مهما تزيّن — مآله الانكسار ..
والتشدد — مهما بدا قوة — يخفي في داخله هشاشة ..
أما الاعتدال .. فهو سر الثبات .. وسر التوفيق ..
تأمل نفسك حين تُفرط في التدقيق ..
كيف يتسلل إليك التعب ؟
كيف يضيق صدرك ؟
كيف تفقد لذة الإنجاز ؟
ثم تأمل نفسك حين تعمل ببساطة ووعي ..
حين تبذل ما تستطيع .. وتمضي ..
حين تقبل بالنقص البشري .. دون أن تستسلم له ..
كيف يفتح الله لك أبوابًا لم تكن تخطر لك على بال ..
ليست العظمة في أن تفعل كل شيء على أكمل وجه ..
بل في أن تفعل ما تستطيع بإخلاص ..
ثم تمضي بقلبٍ مطمئن ..
وليست الحكمة في أن تُدقّق في كل صغيرة ..
بل في أن تميّز ..
متى يكون التدقيق إتقانًا ..
ومتى يتحول إلى عبءٍ يحجب عنك نور التوفيق ..
دع عنك ذلك الصوت الداخلي الذي يقول .. “ليس بعد .. لم يكتمل .. أعد المحاولة .. دقّق أكثر ..”
واستبدله بصوتٍ أعمق وأصدق ..
“افعل ما تستطيع .. وتوكل .. وامضِ ..”
فالحياة لا تنتظر المترددين ..
والفرص لا تصافح القلقين طويلًا ..
والتوفيق لا يُهدى لمن عطّل نفسه باسم الكمال ..
خفّف عن قلبك ..
وارفق بعقلك ..
وأحسن الظن بربك ..
فما كان لك سيأتيك ..
وما فُتح لك من أبواب التوفيق ..
لن يكون ثمرة إرهاقك ..
بل ثمرة سكونك .. وصدقك .. واتزانك ..
الإفراط في التدقيق قد يحرم التوفيق ..
فكن دقيقًا بقدر ما يقرّبك ..
لا بقدر ما يُعطِّلك .
أثر لاينسى
جدة
الأحد ٢٤ شوال ١٤٤٧
١٢ ابريل ٢٠٢٦
الإفراط في التدقيق قد يحرم التوفيق ⚖️

