الكتب التي نأكلها 📚 .. والكتب التي تأكل عقولنا 🧠

screenshot ٢٠٢٦٠٤٠١ ٠٠٢٠١٥ gallery


قرأت على التلجرام كلمات لعكاشة التامري “قارئ يأكل الكتب” !
هذا الحوار العجيب من كتاب “أشياء غريبة يقولها الزبائن في متاجر الكتب” لجين كاميل حيث قال أحد الزبائن :
زبون : أتعلمين إنني آكل كل كتاب جيد بعد الانتهاء من قراءته .
بائعة الكتب : عذراً ؟
زبون : أحب أن أشعر بأن الكتاب أصبح جزءاً مني لذلك عندما أنتهي من قراءته أمزق صفحاته وأضعها في طعامي .
بائعة الكتب : ماذا عن الكتب التي قرأتها ولم تعجبك ؟
زبون : بالتأكيد لا آكلها .
بائعة الكتب : وما هي أفضل أنواع الطعام التي يمكن أكلها مع الورق ؟
زبون : جميع أنواع الشوربة بشكل عام وفطيرة التفاح أيضًا لكن لا تحاولي الخلط مع الحليب المخفوق !
بائعة الكتب : فهمت سأحتفظ بهذه النصيحة .

يمكن النظر إلى فكرة “أكل الكتب” هنا كـ استعارة جميلة تعني :
● التفاعل العميق مع الكتاب
● استيعاب أفكاره
● جعل المعرفة جزءًا من الذات 📚

فهي ليست وصفًا حرفيًا بل مبالغة للتعبير عن شدة حب القراءة وعمق التأثر بما نقرأه .
ومن هنا نتساءل : هل كل ما نقرأه يغذي عقولنا وقلوبنا ؟ أم أن بعض الكتب قد “تأكلنا” بدل أن تبنينا ؟

حقًا بعد أن قرأتُ هذه الكلمات على التلجرام من عكاشة التامري .. توقفتُ طويلًا عندها .. وجلستُ أفكر في ذلك الحوار الغريب .. الذي يتحدث عن قارئٍ يأكل الكتب بعد الانتهاء من قراءتها .. لم يكن الأمر مجرد قصة طريفة أو موقف عابر .. بل كان فكرة عميقة تطرق باب العقل بهدوء .. وتفتح نافذة واسعة للتأمل ..

جلستُ أتأمل المعنى .. وأسأل نفسي .. هل يمكن فعلًا أن نأكل الكتب ؟ .. أم أن هناك معنى آخر أعمق من الحكاية ؟ .. وهل كل ما نقرأه يصبح جزءًا منا ؟ .. أم أن بعض ما نقرأه قد يسرقنا بدل أن يبنينا ؟

شيئًا فشيئًا أدركت أن المسألة ليست أكل الورق .. بل أكل المعرفة .. فهناك كتب نأكلها فنشعر أنها دخلت إلى عقولنا وقلوبنا .. وامتزجت بأفكارنا .. وغيرت نظرتنا للحياة .. وأعادت ترتيب أولوياتنا .. ورفعت مستوى وعينا .. هذه الكتب تشبه الطعام الصحي الذي يقوّي الجسد .. لكنها هنا تقوّي الروح والعقل والفكر ..
نقرأها فنشعر بالطمأنينة .. ونغلقها فنشعر أننا أصبحنا أفضل مما كنا .

وفي المقابل .. هناك كتب أخرى تأكل عقولنا دون أن نشعر .. تأخذ من وقتنا .. وتملأ أفكارنا بما لا ينفع .. وتزرع في داخلنا الضجيج بدل الحكمة .. والتشتت بدل الوعي .. والسطحية بدل العمق .. نخرج منها دون أثر .. بل أحيانًا نخرج منها أقل مما دخلنا ..
وهنا يكمن الخطر الحقيقي .. ليس في قلة القراءة .. بل في سوء ما نقرأ .

إن القراءة ليست مجرد عادة .. بل هي غذاء يومي للعقل .. وكما أن الإنسان يحرص على طعامه حتى لا يمرض جسده .. فإنه يحتاج أن يحرص على ما يقرأ حتى لا يضعف فكره .. فالعقول تتشكل بالكلمات .. والقلوب تتأثر بالأفكار .. والإنسان يصبح في النهاية صورة لما يقرأ ويستمع ويشاهد ..
ولهذا قيل .. أخبرني ماذا تقرأ .. أخبرك من أنت ●●●

الكتب التي نأكلها هي الكتب التي تدفعنا نحو الخير .. التي تذكرنا بالله .. التي تبني القيم في داخلنا .. التي تجعلنا أكثر رحمة .. وأكثر وعيًا .. وأكثر إنسانية .. كتب تزرع الأمل .. وتوقظ الضمير .. وتعلّمنا كيف نعيش بسلام مع أنفسنا ومع الآخرين ..
هذه الكتب لا تُقرأ مرة واحدة .. بل تُعاش مرات كثيرة .. وتبقى كلماتها معنا في كل موقف من مواقف الحياة .

أما الكتب التي تأكل عقولنا .. فهي تلك التي تُهدر الوقت بلا معنى .. أو تجرّ الإنسان نحو السلبية .. أو تغرقه في أفكار لا تبني ولا تصلح ولا تنفع .. قد تبدو ممتعة في لحظتها .. لكنها تترك فراغًا في الداخل .. وكأن القارئ أضاع شيئًا من عمره دون أن يشعر .

ومن هنا يصبح السؤال الأهم .. ماذا نقرأ؟
ليس المطلوب أن نقرأ كثيرًا .. بل أن نقرأ بوعي ..
ليس المهم عدد الكتب .. بل أثر الكتب ..
ليس الهدف أن نُنهي كتابًا .. بل أن يُنهي الكتاب في داخلنا فكرة خاطئة .. أو يزرع فكرة صحيحة .. أو يفتح بابًا للنور .

إن أجمل أنواع القراءة هي تلك التي تجعل الكتاب جزءًا منا دون أن نمزق صفحاته .. وتجعل المعرفة تسري في عقولنا دون أن نضعها في الطعام .. وتجعلنا نكبر من الداخل خطوة بعد خطوة ..
فالكتاب الحقيقي لا يُؤكل بالفم .. بل يُؤكل بالعقل .. ويُهضم بالفكر .. ويظهر أثره في السلوك .

وفي النهاية .. يمكننا أن نقول إننا جميعًا نأكل الكتب بطريقة أو بأخرى .. لكن الفرق أن بعضنا يأكل كتبًا تبني عقله وروحه .. وبعضنا تأكله كتب لا تضيف إليه شيئًا ..
ولهذا علينا أن نختار جيدًا ما نقرأ .. لأن الكتاب الذي بين يديك اليوم قد يصنع إنسان الغد في داخلك .

فاختر كتبك بعناية .. لأن بعض الكتب غذاء .. وبعضها سمّ .. وبعضها حياة 📚

أثر لاينسى
جدة
الأربعاء ١٣ شوال ١٤٤٧
١ اربيل ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *