🌿 اللهم الثبات حتى الممات 🌿

screenshot ٢٠٢٦٠٣٢٦ ٢٣١٧٤٩ gallery

🌿 اللهم الثبات حتى الممات 🌿

من أعظم رحمات الله بنا أنه أخفى عنا الخواتيم .. وأبقى قلوبنا معلقة بين الخوف والرجاء .. فلا الصالح يطمئن إلى عمله فيغتر .. ولا العاصي يُغلق باب الأمل فييأس .. بل نبقى جميعًا في تلك المسافة الهادئة التي تدفعنا كل يوم أن نرفع أكفنا إلى السماء ونقول: اللهم ثبتنا ..

إن حكمة الله في إخفاء النهاية ليست أمرًا عابرًا .. بل هي رحمة عميقة تسكن تفاصيل حياتنا .. فلو علم الإنسان خاتمته لاستراح أو تمرد .. ولكن الله أراد للقلوب أن تبقى يقظة .. وأن تظل الأرواح خاشعة .. وأن تبقى الخطوات متجهة نحوه في كل حين ..

المؤمن الحقيقي لا يغتر بطاعة أداها .. ولا بدمعة سكبها .. ولا بآية حفظها .. ولا بركعة أطال فيها السجود .. لأنه يعلم أن الطاعة نعمة تحتاج إلى حراسة .. وأن القلب قد يتقلب في لحظة .. وأن الثبات عطاء رباني لا يملكه الإنسان بنفسه ..

نحن لا نحرس طاعتنا بقوتنا .. بل نحرسها بدعائنا .. ولا نحافظ على إيماننا بقدرتنا .. بل نحافظ عليه بتضرعنا .. لأن الله هو واهب الطاعة وهو حافظها .. وهو الذي يثبت القلوب إذا شاء .. ويرفع عباده إذا صدقوا معه ..

ولهذا كان السلف يخافون من سوء الخاتمة أكثر من خوفهم من الذنوب .. لأن الذنب قد يُغفر .. أما الخاتمة فهي الحقيقة الأخيرة التي يلقى بها العبد ربه .. ولذلك كانوا يكثرون من الدعاء ويبكون في خلواتهم ويسألون الله الثبات في كل لحظة ..

ومن أجمل معاني الثبات أن ينظر الإنسان إلى الناس بعين الرحمة لا بعين الاستعلاء .. فلا يحتقر عاصيًا .. ولا يشمت بمبتلى .. ولا يرى نفسه أفضل من أحد .. لأن القلوب بيد الله .. ولأن ميزان السماء لا يشبه ميزان الأرض ..

كم من إنسان تظنه بعيدًا عن الله .. وبين قلبه وبين الله أسرار لا يعلمها أحد .. وكم من شخص تراه ضعيفًا .. وهو عند الله عظيم .. وكم من عاصٍ صادق في لحظة انكسار فرفعه الله .. وكم من مطيع اغتر بعمله فسقط دون أن يشعر ..

لهذا كان الدعاء للناس علامة صفاء القلب .. وكان الستر عليهم علامة صدق الإيمان .. وكان الخوف على النفس علامة حياة الروح .. فالمؤمن لا ينشغل بذنوب الناس بقدر ما ينشغل بثبات قلبه .. ولا ينظر إلى عيوب الآخرين بقدر ما يخاف من عيوب نفسه ..

نحن جميعًا فقراء إلى الله .. نقف على بابه بقلوب ضعيفة .. نرجو رحمته .. ونخاف عدله .. ونسأل عفوه .. ونأمل في كرمه .. لا نملك لأنفسنا هداية ولا ثباتًا ولا نجاة إلا به ..

ولهذا تبقى تلك الدعوة النبوية هي الأجمل والأدفأ والأقرب إلى القلوب .. دعوة تختصر الطريق كله .. وتلخص رحلة الإيمان كلها .. دعوة تخرج من قلب يعرف ضعفه ويرجو ربه ..

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك .. ويا مصرف الأبصار صرف أبصارنا إلى طاعتك .. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر .. والعزيمة على الرشد .. ونسألك قلبًا خاشعًا .. ولسانًا ذاكرًا .. وروحًا مطمئنة ..

اللهم الثبات حتى الممات .. اللهم الثبات حتى الممات .. اللهم الثبات حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا .. غير مبدلين ولا فاتنين ولا مفتونين .. واجعل خاتمتنا طيبة .. ولقاءنا بك جميلًا .. واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله
.

أثر لاينسى 🌿
جدة
ليلة الجمعة ٧ شوال ١٤٤٧
٢٦ مارس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *