🧠 لا أدري ..  أنت من يقرر 🎯

gemini generated image ahjv7bahjv7bahjv



في زمنٍ أصبح فيه بعض الناس يخافون من كلمة «لا أدري» أكثر مما يخافون من الخطأ ..
جاءت إجابة قصيرة من الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني لتقول شيئًا أكبر من السؤال نفسه ..
سألته إحدى العضوات .. بعد أن نشر أحد برامجه التدريبية :
«دكتور .. هل الدورة مناسبة لمعلمات الروضة؟»
وكان يستطيع أن يجيبها بسهولة ..
كان يستطيع أن يقول :
نعم .. وستفيدكن ..
كان يستطيع أن يطمئنها بجملة تسويقية جاهزة .. وينتهي الأمر ..
لكنه قال :
«لا أستطيع الجزم » .
ثم مضى يشرح ..
وهنا .. تحديدًا .. يبدأ الدرس ..
فليست كل إجابة صادقة هي إجابة طويلة .. وليست كل «لا أدري» علامة نقص ..
أحيانًا تكون «لا أدري» أعلى درجات المعرفة .. لأن صاحبها يعرف أين تنتهي معرفته .. وأين يبدأ حق الآخر في أن يقرر ..
الدكتور مسفر لم يكن يتهرب من السؤال .. بل كان يرفض أن يتقمص دورًا لا يملكه ..
لقد رفض أن يبيع لها وهم اليقين ..
هو يعرف برنامجه .. ويعرف موضوعه .. ويعرف ما يمكن أن يقدمه التدريب .. لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى عقل كل متدرب .. ولا أن يعرف احتياجه الدقيق .. ولا أن يضمن له مسبقًا مقدار الفائدة التي سيخرج بها ..
وهذه أمانة نادرة في زمن الوعود الكبيرة ..
وأرى أن جواب الدكتور مسفر هنا يصلح أن يكون درسًا مستقلًا في أخلاق المدرب :
لا تعد بما لا تملك  ..

لا تقرر عن المتدرب ما ينفعه  ..

لا تخلط بين جودة البرنامج ومطابقته لكل احتياج  ..

ولا تحوّل التدريب إلى سلعة تَعِدُ الناس بنتائج لا تستطيع ضمانها.
واللافت أن الدكتور لم يحتج إلى محاضرة طويلة ليقول ذلك ..
سؤال واحد .. وجواب قصير :
«لا أدري… أنت من يقرر .»
لكن وراء هذه الـ«لا أدري» مدرب يعرف حدود معرفته .. ويحترم عقل المتدرب .. ولا يحتاج إلى أن يبدو عارفًا بكل شيء  .
نحن نحب الإجابات القطعية ..
نريد من الطبيب أن يخبرنا بكل شيء .. ومن المعلم أن يضمن لنا النتيجة .. ومن المدرب أن يتعهد لنا بالتغيير .. ومن الكاتب أن يخبرنا إن كان كتابه سيغير حياتنا ..
كأن الآخرين يملكون مفاتيحنا أكثر منا ..
لكن الحقيقة أن الشيء الواحد قد يكون عظيمًا لإنسان .. وعاديًا لإنسان آخر .. وقد يمر على ثالث دون أن يترك فيه شيئًا ..
الكتاب نفسه ..
الدورة نفسها ..
المعلم نفسه ..
التجربة نفسها ..
وحتى الكلمة نفسها ..
لأن الفائدة لا تسكن دائمًا في الشيء وحده .. إنها تولد أحيانًا من لقاء الشيء بحاجة الإنسان واستعداده ووعيه .
ولهذا كان الدكتور مسفر حريصًا على أن يعيد القرار إلى صاحبه ..
يقول بمعنى واضح : إذا كان البرنامج عن «التعلم النشط» .. فهل سيجد فيه المتدرب كل جزئية يبحث عنها في رياض الأطفال ؟ لا أحد يستطيع أن يضمن ذلك ..
فإذا كان اهتمام معلمة الروضة مثلًا منصبًا على «الأركان التعليمية» .. ثم دخلت برنامجًا اسمه «التعلم النشط» .. وهي تتوقع أن يكون البرنامج كله عن الأركان التعليمية .. ثم لم تجد ما رسمته في ذهنها .. فقد تخرج وهي تقول :
«لم أستفد .»
مع أن المشكلة ربما لم تكن في البرنامج ..
ربما كانت في السؤال الذي حملته معها إلى القاعة ..
وهذه فكرة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا ..
بعض الناس لا يدخلون التعلم بحثًا عن المعرفة .. وإنما يدخلونه بحثًا عن إجابة محددة رسموها مسبقًا.
فإذا لم يجدوا الإجابة كما تخيلوها .. حكموا على المعرفة كلها بالفشل ..
بينما التعلم الحقيقي قد يفعل شيئًا آخر تمامًا ..
قد لا يعطيك ما طلبت .. لكنه يعطيك ما كنت تحتاج إلى أن تعرف أنك تحتاجه ..
قد لا يضع في يدك الإجابة التي جئت تبحث عنها .. لكنه يغير السؤال الذي كنت تظنه هو السؤال الصحيح ..
وقد لا يملأ الفراغ الذي جئت به .. لكنه يفتح في ذهنك نافذة لم تكن تراها ..
وهنا يصبح التدريب أكبر من عنوانه ..
والمدرب أكبر من حقيبته ..
والمتدرب أكبر من طلبه ..
ثم يقول الدكتور مسفر شيئًا أكثر جرأة :
«أي برنامج مفيد أنا ألتحق فيه .. وبعدين أستمع للبرنامج .. فإذا وجدت المدرب دون المستوى تركت برامجه .»
يا لها من مسؤولية !
إنها تنقل العلاقة بين المدرب والمتدرب من علاقة «بائع ومشترٍ» إلى علاقة أكثر نضجًا :
أنا كمدرب مسؤول عن أن أقدم ما وعدت به .. وأن أكون جديرًا بما أقدمه ..
وأنت كمتدرب مسؤول عن اختيارك .. وعن توقعاتك .. وعن إنصاتك .. وعن استفادتك ..
لا أملك أن أقرر عنك أنك ستستفيد ..
وأنت لا تملك أن تطالبني بأن أصنع لك نتيجة لم تكن مستعدًا لها .. أو أن أقدم لك موضوعًا لم يكن البرنامج مخصصًا له ..
ما أجمل أن يعود كل إنسان إلى مساحته !
المدرب لا يدّعي امتلاك المتدرب ..
والمتدرب لا يتنازل عن عقله للمدرب ..
وهنا تظهر أخلاق المهنة ..
فالمدرب الأمين ليس هو الذي يقول :
«برنامجي مناسب للجميع .»
بل الذي يستطيع أن يقول :
«هذا ما أقدمه .. وهذه حدود البرنامج .. وأنت أقدر على معرفة حاجتك .»
ليس الذي يَعِدُك بأن حياتك ستتغير ..
بل الذي يمنحك فرصة حقيقية لتتعلم ..

ليس الذي يضمن لك أنك ستستفيد ..
بل الذي يحرص أن تكون تجربتك معه جديرة بالوقت والمال والثقة التي منحتها له ..
وهذه الفكرة لا تخص التدريب وحده ..
كم مرة سألنا أحدًا :
هل هذه الوظيفة مناسبة لي ؟
هل هذا الكتاب سينفعني ؟
هل هذا الطريق هو طريقي ؟
هل هذا الشخص مناسب لي ؟
هل هذه المدينة ستريحني ؟

هل هذه التجربة ستغير حياتي ؟
ونبحث عن شخص يجيب نيابة عنا ..
نريد منه أن يختصر علينا الطريق .. وأن يمنحنا يقينًا جاهزًا ..
لكن بعض القرارات لا يملكها أحد بالنيابة عنا ..
قد يقول لك خبير : «اذهب» .
وقد يقول آخر : «لا تذهب » .
ثم تذهب فتجد نفسك لأول مرة ..
وقد ينصحك الجميع بكتاب .. ثم تفتحه فلا ترى فيه شيئًا ..
وقد لا يلتفت أحد إلى كتاب صغير .. فتجده أنت في لحظة من حياتك كأنه كُتب لك ..
لأن الإنسان لا يقرأ بعينيه فقط؛ يقرأ بحاجته .
ولا يتعلم بعقله وحده؛ يتعلم بما ينقصه .
ولا يسمع الكلمات بالطريقة نفسها؛ كل واحد يسمع منها ما يخصه .
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المدرب .. أو المعلم .. أو الأب .. أو الصديق .. أن يصادر حق الإنسان في أن يختار ..
أن يقول له :
«أنا أعرف ما يناسبك أكثر منك » .
ربما يعرف ..
وربما لا يعرف ..
والأجمل أن يترك مساحة لاحتمال ألا يعرف ..
ففي «لا أدري» تواضع ..
وفي «أنت من يقرر» احترام ..
وفي الجمع بينهما أخلاق .
ولعل أجمل ما في موقف الدكتور مسفر أنه لم يحوّل «لا أدري» إلى نهاية الحديث .. بل جعلها بداية لمسؤولية جديدة ..
هو لم يقل :
«لا أدري .. وانتهينا » .
بل شرح لماذا لا يستطيع الجزم ..
لأن السؤال نفسه يحمل افتراضًا خفيًا :
أن المدرب يعرف مسبقًا ماذا سيحدث داخل كل متدرب ..
وهذا غير صحيح ..
قد تنام قبل بداية البرنامج .. كما قال الدكتور بطرافته ..
وقد تمرض ..
وقد تموت قبل البرنامج .. فلا تستفيد منه أصلًا ..
وقد تحضر جسدًا ولا تحضر عقلًا ..
وقد تكون في حاجة إلى شيء آخر تمامًا ..
وقد يكون البرنامج عظيمًا .. لكن توقيته غير مناسب لك ..
إذن ليست كل الأسئلة التي تبدأ بـ«هل سأستفيد؟» قابلة لإجابة «نعم» أو «لا» ..
أحيانًا يكون السؤال الأفضل :
ماذا أريد أن أتعلم ؟
وماذا يقدم هذا البرنامج ؟
وهل أستطيع أن أجد بين الاثنين مساحة نافعة لي ؟
عندها يصبح المتدرب شريكًا في تعلمه .. لا متلقيًا ينتظر ضمانًا ..
وهذا يقودنا إلى معنى أوسع بكثير ..
في الحياة .. لا أحد يستطيع أن يضمن لك أثر الأشياء فيك ..
لكن تستطيع أنت أن تكون حاضرًا حين تأتي ..
أن تفتح عقلك ..
أن تسأل ..
أن تجرب ..
أن تراجع ..
أن تترك ما لا يناسبك ..
وأن تحتفظ بما ينفعك ..
إنها مسؤولية الإنسان عن نفسه ..
ولعل هذه واحدة من أجمل الهدايا التي يمكن أن يقدمها مدرب لمتدرب :
ألا يجعله تابعًا له .
أن يعلمه كيف يختار ..
كيف يسأل ..
كيف يقيّم ..
كيف يقول : هذا يناسبني .. وهذا لا يناسبني ..
كيف يذهب إلى برنامج .. ثم يعود منه بقرار شخصي .. لا بتصفيق جماعي ..
وفي المقابل .. على المدرب أن يتعلم درسًا لا يقل أهمية :
لا تجعل حاجتك إلى التسجيلات والانتشار والمال تدفعك إلى قول ما لا تستطيع ضمانه .
فالصدق قد يقلل عدد المسجلين اليوم .. لكنه يبني الثقة التي لا تشتريها الإعلانات غدًا ..
وقد تخسر متدربًا لأنك لم تقل له «ستستفيد حتمًا» .. لكنك تكسب احترامه لأنه اكتشف أنك لم تبع له الوهم ..
وهنا يصبح المدرب صاحب رسالة .. لا صاحب عرض ..
صاحب أمانة .. لا صاحب وعود ..
وفي زمنٍ يكثر فيه المتحدثون الذين يملكون جوابًا لكل شيء .. تبدو كلمة «لا أدري» كأنها مصباح صغير في ممر طويل ..
لا تُبهرك ..
لا تصرخ ..
لا تستعرض ..
لكنها تنير لك حدود الطريق ..
وحين يقول بعدها :
«أنت من يقرر»
فهو لا ينسحب من مسؤوليته .. بل يعيد المسؤولية إلى موضعها الصحيح ..
إليك أنت ..
إلى عقلك ..
إلى حاجتك ..
إلى وعيك ..
إلى حقك في أن تختار ..
وربما لهذا السبب تحديدًا .. كان ذلك السؤال الصغير عن معلمات الروضة أكبر بكثير من الروضة .. وأكبر من البرنامج .. وأكبر من التدريب نفسه ..
لقد كان سؤالًا عن علاقتنا بالمعرفة ..
وعن علاقتنا بمن يعلمنا ..
وعن قدرتنا على أن نثق بالآخر دون أن نسلّمه عقولنا ..
وعن قدرة المعلم والمدرب على أن يقول .. بلا خوف من أن يبدو ناقصًا :
لا أدري .
ثم يقول .. بلا رغبة في أن يملكك :
أنت من يقرر .
وهنا .. ربما .. تبدأ التربية الحقيقية ..
أن تعرف ما تعرف ..
وأن تعرف ما لا تعرف ..
وأن تحترم عقل من أمامك ..
وأن تترك له مساحة ليختار ..
فليس أعظم المدربين من يملك الإجابات كلها…
بل من يعلّمك كيف تصنع إجابتك بنفسك
.

screenshot ٢٠٢٦٠٧١٦ ٠١٤٣٥٠ chrome

أثر لاينسى
جدة
الأحد ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨
٦ سبتمبر ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *