📍موطن الوجع🩺

gemini generated image rf23pmrf23pmrf23


ثمة فرق بين أن تعرف أن في الجسد ألمًا   ..   وأن تعرف أين يسكن الألم   .
قد يقول الطبيب: «المشكلة في البطن»   ..   لكن البطن ليست موطنًا واحدًا للوجع   ..   ففيها مواضع شتى   ..   ولكل موضع قصة   ..   ولكل قصة تشخيص   ..   ولكل تشخيص علاج   .   فإذا أخطأنا في تحديد موطن الألم   ..   فليس غريبًا أن نصل إلى علاج لا يمسّ العلة   ..   ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا لم يتحسن المريض؟
وفي التدريب يحدث شيء قريب من ذلك   .
قد تقول مؤسسة: «لدينا مشكلة في إدارة الصف»   ..   وقد يكون الوصف صحيحًا في ظاهره   ..   لكنه لا يزال وصفًا عامًا؛ لأن السؤال الأهم لم يُطرح بعد:
أين تحديدًا تكمن المشكلة؟
هل هي في بداية الحصة؟ في ضبط الوقت؟ في التعامل مع سلوك طالب بعينه؟ في الانتقال بين الأنشطة؟ في صياغة التعليمات؟ في إدارة الحوار؟ أم أن المشكلة في شيء آخر لم نره بعد؟
ومن هنا جاءت إحدى الإضاءات المهمة التي طرحها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حول التطبيق   ..   وتحديد الاحتياج   ..   وقياس الأثر؛ وهي إضاءة تتجاوز قاعة التدريب إلى قلب الممارسة المهنية كلها   .
يقول الدكتور بوضوح:
«التطبيق مسؤولية المتدرب   ..   وليس مسؤولية المدرب»   .
فالمدرب يقدم المعرفة   ..   ويبني الفهم   ..   ويجيب عن الغامض   ..   ثم ينطلق المتدرب إلى الميدان ليطبق ما تعلمه   .
وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأننا أحيانًا نحمل المدرب مسؤولية ما لا يملك أدوات متابعته   ..   ونطالبه بأن يضمن تطبيقًا يحدث بعد انتهاء البرنامج   ..   وفي مؤسسة قد تبعد عنه آلاف الكيلومترات   .
ويطرح الدكتور الصورة بمنطق شديد البساطة:
إذا قدم مدرب برنامجًا في الأردن   ..   ثم غادر إلى عمّان أو إلى بلد آخر   ..   فهل يستطيع بعد ذلك أن يتابع مئة متدرب   ..   أو مئتين   ..   أو ثلاثمئة   ..   ليرى كيف طبقوا ما تعلموه؟
المنطق يقول: لا   .
ليس لأن المدرب لا يريد   ..   وإنما لأن الميدان له قوانينه   ..   والوقت له حدوده   ..   والمسؤوليات لها سياقاتها   .
ولهذا يصبح من المهم أن نفرق بين المدرب الخارجي الذي يأتي ليقدم معرفة   ..   وبين المدرب الموجود داخل المؤسسة   ..   الذي يرى الناس في ميدانهم   ..   ويشاهد أداءهم   ..   ويستطيع أن يلاحظ التحول قبل التدريب وبعده   .
وهنا يضع الدكتور يده على نقطة بالغة الأهمية:
تحديد الاحتياج وقياس الأثر في الغالب يحتاجان إلى شخص ملاصق للميدان   ..   موجود في المكان نفسه   .
وهذه ليست ملاحظة تدريبية عابرة؛ إنها قاعدة في فهم الإنسان والمؤسسة   .
فالمدير يرى معلمه في الصف   ..   ويعرف كيف تبدأ حصته   ..   وكيف يتعامل مع طلابه   ..   وأين يتعثر   ..   ومتى يتغير أداؤه   .
والقائد الذي يعيش تفاصيل المؤسسة يستطيع أن يرى ما قد لا يراه المدرب الزائر في ساعات معدودة   .
ولذلك ضرب الدكتور مثالًا بالغ الدقة:
قد يُقال للمدرب إن لدى معلم مشكلة في «إدارة الصف»   .
معلومة صحيحة   ..   لكنها عامة   .
ثم يتضح أن المعلم لا يعاني من مشكلة طوال الحصة؛ فهو بعد دقائق قليلة يبدأ شرحه جيدًا   ..   ويستطيع السيطرة على الصف   ..   ويقدم مادته بصورة مناسبة   .
لكن المشكلة الحقيقية تقع في بداية الحصة   .
الدقائق الخمس الأولى تضيع   .   وقد تمتد إلى عشر دقائق   .   ثم يبدأ التوتر   .   ثم تتصاعد المشكلة   .   ثم قد يلجأ المعلم إلى أسلوب خاطئ في التعامل مع أحد الطلاب   .
هنا فقط ظهر موطن الوجع   .
فالمشكلة ليست «إدارة الصف» بالمعنى الواسع   ..   وإنما مهارة دقيقة في إدارة بداية الحصة   .
وهنا تتغير الصورة كلها   .
فلو جاء مدرب خارجي   ..   وقُدم له الاحتياج بصيغته العامة: «نريد برنامجًا في إدارة الصف»   ..   فمن الطبيعي أن يقدم برنامجًا عامًا في إدارة الصف   .
لكن إذا كان المدير نفسه مدربًا   ..   أو كان مسؤول التدريب ملاصقًا للميدان   ..   فإنه يستطيع أن يقول:
لا   ..   ليست المشكلة في إدارة الصف كلها   .
المشكلة هنا   .
في الدقائق الأولى   .
وهنا يصبح التدريب أكثر قربًا من الحقيقة   ..   وأكثر قدرة على إصابة الهدف   .
ولهذا أشار الدكتور إلى فكرة التدريب المصغر؛ أن يأخذ عدد محدود من المعلمين   ..   ويُركَّز على مهارة محددة يشتركون في الحاجة إليها   .
وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر:
هل يكفي أن نعرف أن هناك مشكلة؟
الجواب: لا   .
نحن بحاجة إلى أن نعرف شكل المشكلة   ..   ومكانها   ..   ووقتها   ..   وسياقها   ..   وكيف تظهر   ..   وما الذي يغذيها   .
فالمؤسسة التي تقول: «لدينا ضعف في إدارة الصف» لم تصل بعد إلى الاحتياج الحقيقي؛ لقد وصلت إلى عنوان الاحتياج فقط   .

أما الاحتياج الحقيقي فهو الذي ينزل من العنوان إلى التفاصيل   .
من «إدارة الصف» إلى «بداية الحصة»   .
ومن «ضعف التواصل» إلى الموقف الذي يحدث فيه الضعف   .
ومن «الحاجة إلى الذكاء العاطفي» إلى السلوك الذي نريد تغييره فعلًا   .
وهنا تصبح العبارة التي قالها الدكتور شديدة الدلالة:
«وين موطن الوجع؟ وين موطن الألم؟»
فالمؤسسة قد تقول لك: الألم في البطن   ..   لكنك لا تستطيع أن تصف العلاج قبل أن تعرف أين الألم بالضبط   .
وهكذا التدريب   .
الاحتياج العام قد يقود إلى تدريب عام   ..   والتدريب العام قد يترك المشكلة كما هي   .
ثم تأتي الحلقة الثانية: قياس الأثر   .
وهنا أيضًا نحتاج إلى شيء من الصراحة   .
هل يكفي أن يسأل المدرب المتدرب بعد البرنامج:
«هل طبقت؟»
فيقول المتدرب:
«نعم   ..   طبقت»   .
هل هذه شهادة كافية؟
الدكتور يلفت النظر إلى أن إجابة المتدرب وحدها لا تمنحنا بالضرورة صورة دقيقة عن الواقع؛ فقد يقول الإنسان إنه طبق استراتيجية معينة   ..   بينما تكشف الملاحظة الميدانية أنه لم يطبقها   ..   أو طبقها بطريقة مختلفة   ..   أو لم تتحول معرفته إلى سلوك مستمر   .
وهنا يظهر الفرق بين القول عن الأثر   ..   ورؤية الأثر   .
قد يقول المتدرب: «استفدت»   .
لكن الأثر الحقيقي يظهر عندما تتغير الممارسة   .
قد يقول: «تعلمت استراتيجية»   .
لكن الأثر الحقيقي يظهر عندما نراه يستخدمها في موقف حقيقي   .
قد يقول: «تحسنت في إدارة الصف»   .
لكن الأثر الحقيقي يظهر عندما يدخل الصف   ..   ونراقب بداية الحصة   ..   ونرى هل تغيرت الدقائق الخمس التي كانت موطن المشكلة أم لا   .
وهنا تتضح قيمة المدير والقائد الموجود في الميدان   .
فهو لا يسمع عن التغيير فقط؛ بل يستطيع أن يراه   .
ولا يعتمد على الانطباع وحده؛ بل يستطيع أن يقارن   .
ولا يسأل عن الأثر من بعيد؛ بل يراه في السلوك   ..   وفي الأداء   ..   وفي النتائج   .
ومن أجمل ما يفتح لنا الدكتور بابه في هذا الحوار قوله، بمعناه العميق، إن المدير ينبغي أن يكون مدربًا؛ وإلا احتاجت المؤسسة إلى شخص خارجي يتولى حل مشكلاتها   .
وهنا استدعى الدكتور صورة إنسانية شديدة القرب:
ما الفرق بين الأب الذي يعيش في بيته ويعرف تفاصيله، وبين شخص غريب يأتي ليحل مشكلة داخل البيت؟
حتى لو كان ذلك الغريب خبيرًا   .
قد يكون أكثر علمًا   ..   وأوسع تجربة   ..   وأعلى شهادة؛ لكنه لا يعيش التفاصيل اليومية لذلك البيت   .
لا يعرف متى بدأت المشكلة   .
ولا يعرف ما الذي سبقها   .
ولا يعرف كيف تتكرر   .
ولا يعرف ما الذي يحدث قبلها وبعدها   .
أما الأب   ..   فإذا امتلك المهارة   ..   فإنه يجمع بين القرب والمعرفة والمسؤولية   .
وهذه الصورة نفسها يمكن نقلها إلى المدرسة والمؤسسة   .
فالخبير الخارجي قد يكون ضروريًا   ..   بل لا غنى عنه في كثير من الأحيان   ..   لكنه لا ينبغي أن يحل محل العين التي تعيش الميدان   .
الخبير يمنحك معرفة قد تحتاجها   ..   والميدان يمنحك سياقًا لا يستطيع الغريب أن يراه كله   .
ومن هنا ربما نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم «المدرب» نفسه   .
فالمدرب داخل المؤسسة ليس مجرد شخص يلقي دورة   .
إنه جزء من منظومة التحسين   .
يرى الاحتياج   .
يحلله   .
يدرب   .
يتابع   .
يلاحظ   .
يقدم تغذية راجعة   .
ثم يعيد النظر   .
ولهذا فإن وجود المدير أو قائد المدرسة الذي يمتلك مهارات التدريب ليس أمرًا ثانويًا ؛ بل قد يكون أحد مفاتيح بناء مؤسسة تتعلم من نفسها   .
وفي المقابل   ..   لا يعني هذا أن التدريب الخارجي قليل القيمة   .
بل على العكس   .
المدرب الخارجي قد يأتي بخبرة جديدة   ..   وتجربة واسعة   ..   ونماذج متنوعة   ..   وأدوات لم تكن المؤسسة تعرفها   .
لكن الحكمة أن نعرف متى نحتاج إلى الخبير الخارجي   ..   ومتى نحتاج إلى عين الميدان   ..   ومتى نحتاج إلى الاثنين معًا   .
فالخبير يوسّع أفقك   ..   والميدان يكشف لك تفاصيل واقعك   .
والاثنان حين يلتقيان   ..   يصبح التدريب أقرب إلى أثر حقيقي لا إلى ساعات تنتهي بانتهاء القاعة   .
ولعل هذه الفكرة هي التي تجعل «التدريب المصغر» جديرًا بالتأمل   .
فليس دائمًا العلاج في دورة طويلة تجمع كل شيء   .
أحيانًا يكون الاحتياج دقيقًا جدًا   ..   حتى يحتاج إلى تدريب دقيق   .
مهارة واحدة   .
موقف واحد   .
مجموعة صغيرة   .
وقت محدد   .
وملاحظة صادقة   .
ثم متابعة   .
وهكذا يتحول التدريب من «كم معلومة قدمنا؟» إلى سؤال أكثر نضجًا:
ما السلوك الذي تغير؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوقظ كل مؤسسة   .
ليس: كم دورة نفذنا؟
بل: ماذا تغير بعدها؟

ليس: كم متدربًا حضر؟
بل: كم ممارسة تحسنت؟
ليس: هل أعجبتهم الدورة؟
بل: هل بقي منها شيء في الميدان؟
فقد تمتلئ الملفات بالشهادات   ..   بينما يبقى الواقع كما هو   .
وقد تمتلئ السجلات بعدد البرامج   ..   بينما يبقى موطن الوجع في مكانه   .
وقد يخرج المتدرب سعيدًا من القاعة   ..   ثم يعود في اليوم التالي إلى ممارسته القديمة   .
وهنا لا تكون المشكلة في كثرة التدريب   ..   بل في دقة التشخيص   ..   وقرب المتابعة   ..   وصدق القياس   .
ولذلك فإن التدريب النافع ليس الذي يملأ الرأس بالمعلومات فقط   ..   ولا الذي يثير الحماس لساعات   ..   وإنما الذي يعرف أين يريد أن يصل   ..   وما الذي يريد أن يغيره   ..   وكيف سيتأكد من أن التغيير حدث فعلًا   .
وهنا تعود بنا كلمات الدكتور إلى أصل المسألة:
تحديد الاحتياج   .
ثم:
التدريب المناسب   .
ثم:
التطبيق في الميدان   .
ثم:
التغذية الراجعة   .
ثم:
قياس الأثر   .
إنها ليست حلقات منفصلة؛ إنها سلسلة   ..   إذا اختل أولها اضطرب ما بعدها   .
فإذا أخطأنا في تحديد الاحتياج   ..   جاء التدريب بعيدًا عن موطن الألم   .
وإذا جاء التدريب بعيدًا عن موطن الألم   ..   بدا أثره ضعيفًا   .
وإذا أخطأنا في قياس الأثر   ..   ظننا أننا عالجنا المشكلة وهي لا تزال قائمة   .
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأجمل:
هل استفاد المتدرب؟
بل السؤال الأصدق:
ماذا تغير في الميدان؟
فبين السؤالين مسافة واسعة   .
الأول يبحث عن انطباع   .
والثاني يبحث عن أثر   .
والفرق بينهما هو الفرق بين تدريبٍ يُقام   ..   وتدريبٍ يُثمر   .
وبين معرفةٍ تُقال   ..   ومعرفةٍ تتحول إلى حياة   .
وفي النهاية   ..   لعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا الحوار أن التدريب ليس دائمًا قضية «مدرب ومتدرب»   ..   بل قضية مؤسسة تريد أن ترى نفسها بصدق   ..   وتعرف موطن ألمها   ..   وتختار علاجها   ..   ثم تملك الشجاعة لتعود بعد العلاج وتسأل: هل شُفي الموضع الذي كان يؤلمنا؟
فالمشكلة التي نعرف عنوانها فقط   ..   قد نظل نعالجها طويلًا   .
أما حين نعرف موطنها   ..   فإن الطريق إلى علاجها يصبح أقصر   ..   وأدق   ..   وأرحم   .
فلا يكفي أن نقول: لدينا ألم .
علينا أن نسأل:
أين يسكن الألم ؟
وهناك   ..   في المكان الصغير الذي لا تراه العين البعيدة   ..   قد تبدأ الحكاية الكبيرة للتغيير
   .

gemini generated image eamri3eamri3eamr

أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *