بعض الكتب لا تبدأ حين تفتحها .. تبدأ قبل ذلك بقليل .. حين يصل إليك الكتاب في كيس .. فتقع عينك على عبارة صغيرة لا تبدو .. في ظاهرها .. جزءًا من الكتاب .. لكنها تغيّر الطريقة التي ستقرأه بها :
«اذكروه بدعوة .. أسرة عبدالرحمن الشبيلي»
تتوقف عندها ..
فهذا ليس كتابًا عن رجل حاضر كي يقرأه .. ولا عن سيرة كُتبت لتقول : كان هنا رجل .. وأنجز كذا .. وفعل كذا ..
صاحب السيرة رحل .. ومن أخرجها إلى قارئه يعرف أن الكتاب .. مهما حمل من معلومات وشهادات وصور وذكريات .. لن يعيد صاحبه ..
لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا آخر :
أن يجعل أثره قابلًا لأن يُرى من جديد ..
ومن هنا ربما كان الدخول إلى كتاب أحمد بن عبدالمحسن العساف .. «عبدالرحمن الشبيلي: سيرة أخرى» .. مختلفًا منذ اللحظة الأولى ..
فالعنوان نفسه لا يعدنا بسيرة وحيدة .. بل يضع أمامنا كلمة تستفز القارئ :
أخرى .
أخرى بالنسبة إلى ماذا ؟
بالنسبة إلى السيرة التي كتبها عبدالرحمن الشبيلي عن نفسه بقلمه ..
وقبل أن أبدأ القراءة .. كان للكتاب حضوره المادي أيضًا ..
غلاف هادئ يحمل صورة عبدالرحمن الشبيلي .. لا بوصفه اسمًا محفوظًا في أرشيف المناصب .. بل رجلًا يبدو كأن الكاميرا التقطته في لحظة تفكير ..
وكتاب بهذا الهدوء في إخراجه لا يحتاج إلى زينة كثيرة .. فالصورة .. والعنوان .. وعبارة «سيرة أخرى» تكفي لأن تفتح السؤال ..
حتى الكتاب نفسه يبدو .. في مثل هذا المشروع .. أشبه بوعاء للذاكرة .. فالرجل الذي قضى جانبًا كبيرًا من حياته في حفظ الأشياء من النسيان .. يأتيه الآن كتاب يحاول أن يحفظ شيئًا منه ..
وهنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة في الكتاب كله :
ماذا يستطيع كاتب آخر أن يرى في حياة رجل كتب هو سيرته بنفسه .. وراجعها ونقحها .. وترك من سيرته وأعماله وشهاداته ولقاءاته ما يجعل الاقتراب منه يبدو .. للوهلة الأولى .. كأنه إضافة إلى شيء مكتمل ؟
هذه هي الجرأة التي يفتتح بها العساف مشروعه ..
وليس من المصادفة أن يأتي أول عنوان في الكتاب :
«الشبيلي ابتداء: الجرأة أولًا!»
فالجرأة هنا ليست صفة للشبيلي وحده .. إنها .. في الوقت نفسه .. سؤال عن جرأة الكتابة عنه ..
كيف يكتب المرء عن رجل سبقه إلى كتابة نفسه ؟
وكيف يضيف إلى سيرة كتبها صاحبها .. دون أن ينافس صاحبها على صوته ؟
وكيف يقترب من إنسان رحل .. بينما هناك آخرون عرفوه عن قرب .. وشهدوا مراحل حياته .. وكتبوا عنه .. وتحدثوا عنه ؟
ولعل هذه الجرأة لا تنفصل عن طبيعة قلم أحمد بن عبدالمحسن العسّاف نفسه .. فهو صاحب حضور طويل في عالم الكتابة .. وأحد الأقلام التي تركت في المقالة أثرًا ممتدًا .. وله آلاف المقالات المنشورة في مدوّنته «أحمد بن عبدالمحسن العسّاف» .. إلى جانب اهتمامه بالأوقاف والعمل المجتمعي ..
وله عناية خاصة بالسِّيَر .. وقد صدر له في هذا المجال «عبدالمحسن بن محمد السديري: سيرة وتجربة دولية» و«ألوان في مرسم العمر» .. وهي سيرة أحمد بن حمدان العرادي البلوي ..
ومن هنا يبدو كتابه عن عبدالرحمن الشبيلي امتدادًا لمشروع يرى في السيرة أكثر من حكاية إنسان .. يلتقط من حياة الفرد ملامح زمن .. ومن تفاصيل التجربة ما يستحق أن يبقى ..
واللافت أن حجم العمل نفسه يقول شيئًا عن طبيعة هذا المشروع ..
فالكتاب .. في طبعته الأولى الصادرة عام 1445هـ/2024م عن مركز عبدالرحمن السديري الثقافي .. يمتد إلى 384 صفحة .. ولا تنتهي مادته بانتهاء السرد .. إذ تتبعه المصادر والمراجع .. والمقابلات المباشرة والهاتفية والمكتوبة .. وملحق الصور ..
هذه ليست ذيولًا توثيقية لكتاب سيرة .. بقدر ما هي آثار الطريق الذي سلكه العساف للوصول إلى الرجل ..
فـ«السيرة الأخرى» لم تُبنَ من انطباع عابر .. ولا من ذاكرة واحدة .. وإنما من محاولة لجمع ما تفرق من حياته : شهادة هنا .. وورقة هناك .. وصورة .. ومقابلة .. وكتاب .. وذكرى ..
كأن العساف لا يكتب الرجل فقط .. بل يحاول أن يعيد جمع الأرشيف الإنساني الذي تركه وراءه ..
وحتى حضور مركز عبدالرحمن السديري الثقافي في هذا المشروع يبدو منسجمًا مع طبيعته .. فالمكان الذي يحتفي بالبحث والنشر والدراسات والثقافة يمنح هذه السيرة سياقًا يليق بكتاب يحاول أن يحفظ الذاكرة بقدر ما يحكيها ..
العساف يعرف صعوبة المهمة منذ البداية .. ولذلك لا يدخلها بوهم أنه اكتشف رجلًا لم يكتشفه أحد ..
يدخلها من باب آخر ..
باب الجمع .
أن يجمع ما تفرق .. وأن يقرأ ما كُتب .. وأن يصغي إلى الشهادات .. وأن يعود إلى الأوراق والصور والمكتبة والذاكرة .. ثم يحاول من كل ذلك أن يصنع صورة لا تدعي أنها الصورة الوحيدة .. بل تضع أمام القارئ زاوية أخرى ..
ولعل أجمل اختيارات العساف في بناء الكتاب أنه لا يقذف بالقارئ مباشرة إلى عبدالرحمن الشبيلي .. يأخذه أولًا إلى المكان .. إلى عنيزة ..
وهذه طريقة ذكية في كتابة السيرة .. لأن الإنسان لا يظهر كاملًا من فراغ .. ولا يبدأ من لحظة ميلاده وحدها ..
وراءه مكان .. وأسرة .. وبيئة .. وذاكرة اجتماعية .. وعلاقات أولى .. وأشياء صغيرة تتراكم في تكوينه قبل أن يصبح الاسم الذي يعرفه الناس ..
لذلك تبدو «عنيزة أولًا» أكثر من عنوان عن مدينة ..
إنها محاولة لفهم الإنسان قبل أن يصبح «شخصية عامة» ..
ثم تتسع الدائرة : الأسرة .. الدراسة .. الإعلام .. الأكاديمية .. التجربة .. القراءة .. التوثيق .. المجتمع ..
وهنا يبدأ القارئ في ملاحظة شيء آخر ..
العساف لا يبني الرجل من المناصب ..
يبنيه من المعاني التي كانت وراء المناصب ..
وهذا فرق كبير ..
كان يمكن أن تصبح السيرة سجلًا طويلًا : هنا درس .. وهناك عمل .. وهنا تولى .. وهناك سافر .. ثم كتب .. ثم أسهم .. ثم ترك أثرًا ..
لكن السجل وحده لا يصنع إنسانًا ..
الإنسان تصنعه الأشياء التي ظل يحملها معه وهو ينتقل من محطة إلى أخرى ..
وربما لهذا لم أستطع أن أمر على «المحتويات» مرورًا عابرًا ..
كانت هناك كلمة تتكرر أمامي حتى أصبحت كأنها إيقاع خفي :
الجرأة أولًا ..
عنيزة أولًا ..
الصلة أولًا ..
الجدية أولًا ..
الإبداع أولًا ..
العلم أولًا ..
التجربة أولًا ..
القراءة أولًا ..
التوثيق أولًا ..
الصدق أولًا ..
المجتمع أولًا ..
الإحسان أولًا ..
النبل أولًا ..
الخيرة أولًا ..
الإخلاص أولًا ..
في البداية قد يمر القارئ على هذا التكرار بوصفه اختيارًا لغويًا جميلًا ..
ثم يتوقف ..
لماذا «أولًا» ؟
شيئًا فشيئًا تتحول الكلمة من نهاية متشابهة للعناوين إلى سؤال يرافق القراءة ..
ليس :
ما الذي حدث في حياة الشبيلي ؟
بل :
ما الذي كان مقدمًا في هذه الحياة؟
وهنا تظهر براعة الاختيار ..
فالسيرة التي يمكن أن تُقرأ زمنيًا .. أعاد العساف ترتيبها معنويًا .. بدل أن يجعل السنوات وحدها هي التي تقودنا .. جعل القيم والخصال والاهتمامات تقودنا ..
وهكذا لا يعود القارئ أمام خط زمني .. بل أمام إنسان تتكشف ملامحه من خلال الأشياء التي منحها مكانًا متقدمًا في حياته ..
كأن العساف لم يرد أن يقول لنا فقط : هذا ما فعله الشبيلي ..
بل أراد أن يقول :
هذه هي الأشياء التي كانت تصنع معنى ما فعله .
وهذا فرق كبير بين أن تكتب حياةً .. وأن تقرأها ..
ومن هنا يتغير النظر إلى مسيرة الشبيلي نفسها ..
كان من السهل أن تتحول سيرته إلى قائمة إنجازات ومواقع ومسؤوليات .. رجل عرفته الإذاعة والتلفزيون .. ثم الجامعة .. ثم وزارة التعليم العالي .. ثم مجلس الشورى .. إلى جانب الكتابة والبحث والتوثيق ..
لكن «سيرة أخرى» لا تنكر هذه المحطات .. ولا تسمح لها في الوقت نفسه بأن تبتلع الرجل ..
فالإذاعي ليس هو الأكاديمي ..
والأكاديمي ليس هو عضو مجلس الشورى ..
وعضو مجلس الشورى ليس هو الكاتب الذي وجد .. مع مرور السنوات .. أن الكتابة والتوثيق والقراءة أقرب إلى صوته ..
وقد يكون هذا أحد الأشياء التي تكشفها السيرة دون أن تصرح بها : أن الإنسان قد يمضي سنوات طويلة وهو ينجز ما ينبغي أن ينجزه .. قبل أن يصل إلى الشيء الذي يشبهه حقًا ..
وبعض الناس لا يصلون إلى المجال الذي يشبههم في أول الطريق ..
قد يحتاجون إلى سنوات من العمل والمناصب والتجارب حتى يعرفوا أين يكون صوتهم الحقيقي ..
وحين وصل الشبيلي إلى الكتابة .. كما ترسمه هذه السيرة .. لم يدخلها زائرًا .. دخلها كمن وجد أخيرًا المكان الذي كان يبحث عنه ..
وربما لا يظهر هذا أوضح مما يظهر في علاقته بالقراءة ومكتبته ..
في بعض السير تكون المكتبة مكانًا جانبيًا : غرفة فيها كتب .. أو قائمة طويلة بالمؤلفات ..
أما حين تصبح القراءة جزءًا من تكوين الإنسان .. فإن المكتبة تتوقف عن كونها أثاثًا ..
تصبح ذاكرة ..
الرجل الذي كان مع كتاب .. أو مع جهاز يدوّن فيه ما يراه جديرًا بالتسجيل .. لا يبدو كمن يجمع المعلومات لمجرد الجمع ..
إنه شخص يخشى على التفاصيل من النسيان ..
وهنا تقع واحدة من أجمل مفارقات الكتاب :
الشبيلي كان يوثق ما يراه جديرًا بالبقاء .. ثم جاء العساف بعد رحيله ليحاول توثيق الرجل الذي كان يوثق الأشياء .
كأن الموثِّق أصبح هو نفسه مادةً للتوثيق ..
وعند هذه النقطة لا يعود الكتاب مجرد سيرة لشخص .. بل يصبح حديثًا ضمنيًا عن الذاكرة :
من يحفظ من ؟
ومن يقرر ما الذي يستحق أن يبقى ؟
والعساف لا يكتب عن رجل لم يعرفه أحد ..
وهذا يجعل مهمته أصعب .. لا أسهل ..
لكنه أيضًا لا يتظاهر بأنه يستطيع اختصار الشبيلي في حكم واحد ..
فالإنسان الكبير لا يُختصر في صفة ..
لا يكفي أن نقول : كان عالمًا .. أو إعلاميًا .. أو أكاديميًا .. أو كاتبًا .. أو إداريًا .. أو قارئًا .. أو موثقًا ..
كل واحدة من هذه الكلمات قد تكون صحيحة .. لكنها لا تكفي وحدها ..
الإنسان هو العلاقة بين هذه الكلمات ..
وهنا تأتي قيمة الطريقة التي رتب بها العساف كتابه ..
فهو لا يقول لنا فقط : هذا ما فعله الشبيلي ..
بل يضعنا أمام سؤال أكثر صعوبة :
كيف اجتمعت هذه الأشياء كلها في إنسان واحد؟
والأجمل أنه لا يحاول دائمًا أن يسبق القارئ إلى الإجابة ..
يجمع المادة .. ويترك الشهادات تتجاور .. ويستدعي الصور والأوراق والذكريات .. ثم يتراجع خطوة ..
وهذه الخطوة الصغيرة مهمة ..
فالكاتب الجيد لا يُقاس فقط بما يقوله .. بل بما يعرف متى لا يقول ..
أحيانًا تكون صورة لرجل إلى جوار كتاب أبلغ من صفحة كاملة تقول إنه كان محبًا للقراءة ..
وأحيانًا تكون ورقة محفوظة في مكتب أصدق من حكم جاهز على دقة صاحبه ..
وأحيانًا يكون موقف صغير قادرًا على أن يجعل القارئ يقول وحده : كان هذا الرجل نبيلاً ..
وهنا تتحول التفاصيل من شواهد على السيرة إلى أدلة على الشخصية ..
وحين يكتب الإنسان عن نفسه .. يستطيع أن يروي الوقائع .. وأن يختار ما يراه مهمًا .. وأن يفسر دوافعه .. وأن يتذكر ما يريد أن يبقى ..
لكن الآخرين يرون أشياء مختلفة ..
يرون أثره عليهم ..
يرون طريقته في الحديث ..
يرون عاداته الصغيرة ..
يرون ما يفعله حين لا يكون مطالبًا بأن يكون «الشخصية العامة» ..
ويرون .. أحيانًا .. أشياء لم يكن هو نفسه ينتبه إلى أنها تقول شيئًا عنه ..
ومن هنا تأتي قيمة «السيرة الأخرى» ..
إنها لا تسحب السيرة من صاحبها .. بل تضع حولها مرايا أخرى ..
مرآة المكان ..
مرآة الأسرة ..
مرآة الزملاء ..
مرآة الأصدقاء ..
مرآة الكتابة ..
مرآة المكتبة ..
مرآة الإعلام ..
مرآة الزوجة ..
ومرآة الرحيل ..
وكل مرآة لا تعيد الصورة نفسها تمامًا ..
ولهذا لا تبدو «سيرة أخرى» نقيضًا للسيرة التي كتبها الشبيلي عن نفسه ..
إنها أقرب إلى أن تكون ضوءًا جاء من جهة أخرى ..
السيرة الأولى تقول :
هكذا رأيت حياتي .
أما السيرة الأخرى فتضيف :
وهكذا رآني الذين عبرتُ حياتهم .
وبين الجملتين يتسع الإنسان ..
ثم يصل الكتاب إلى العبارة التي تكسر انتظام «أولًا» كله :
«الشبيلي زوجًا: زكية أولًا وآخرًا» .
ليس «أولًا» فقط ..
أولًا وآخرًا .
وهنا يتغير إيقاع الكلمة ..
طوال الكتاب كانت «أولًا» تتقدم الصفات والمجالات : العلم أولًا .. والقراءة أولًا .. والتوثيق أولًا .. والمجتمع أولًا ..
أما هنا .. فقد أضيفت إليها كلمة «آخرًا» .. وكأن العنوان نفسه يمنح الزوجة مكانة مختلفة عن سائر ما تقدمه عناوين الكتاب ..
هنا لا تبدو «زكية» مجرد محطة في السيرة .. ولا فصلًا عائليًا يأتي بين فصول العمل والعلم والكتابة .. بل تبدو صاحبة حضور له خصوصيته .. حضور يبدأ من «أولًا» ولا ينتهي عنده ..
ويزداد وقع العبارة حين نعرف ذلك التفصيل الذي يرويه الكتاب : عن دعم زكية لفكرة العمل .. ودعائها .. وكلماتها الطيبة .. وعن تمنّي العساف أن يكتمل الكتاب وتراه وهي حاضرة . .. لكنها رحلت قبل أن يصل الكتاب إلى صورته المنشورة .
عندها لا تعود «أولًا وآخرًا» مجرد صياغة لافتة في فهرس الكتاب ..
تصبح العبارة أثقل ..
زكية أولًا وآخرًا .
ثم نفهم ..
بعض المعاني .. حين تكتمل .. لا تحتاج إلى تفسير ..
وهنا يصبح «أولًا وآخرًا» أكثر من اختيار لغوي .. يصبح نوعًا من الوفاء .
ولأن «زكية أولًا وآخرًا» لا تقف عند حدود العنوان .. فإنها تفتح بابًا آخر في صناعة هذه السيرة نفسها ..
صناعة السيرة نفسها لم تكن فعلًا فرديًا باردًا ..
وهنا يظهر وجه آخر للكتاب .. فالسيرة لم تكن جهد المؤلف وحده .. كانت هناك الأسرة .. وكانت ابنته شادن حاضرةً في مراحل متعددة من الإعداد والمتابعة والتنسيق .. وإتاحة الصور والأوراق والمكتبة .. والمراجعة والتشجيع .
وهذا مهم ..
لأن السيرة بعد وفاة صاحبها لا تعود ملكًا للمؤلف وحده ..
هناك عائلة تحمل الأوراق ..
صور محفوظة في درج ..
كتب بقيت في مكتبة ..
تفاصيل لا يعرفها إلا أهل البيت ..
وأشياء صغيرة لا تصل إليها الباحثة أو الباحث إلا إذا فُتح لهم الباب ..
ولذلك تصبح الأسرة .. بطريقة ما .. جزءًا من أرشيف الإنسان ..
بعض الناس يكتبون عن الراحل ..
وبعضهم يساعد في أن يظل الراحل قابلًا للقراءة ..
والفرق بين الأمرين كبير ..
ثم يصل الرجل إلى الرحيل .. فتتغير الكلمة مرة أخرى :
«الشبيلي راحلًا: الثناء أولًا» .
واللافت أن العنوان لا يقول :
الحزن أولًا ..
ولا الفقد أولًا ..
ولا الذكريات أولًا ..
بل :
الثناء أولًا .
وكأن العساف يرفض أن يجعل الرحيل خاتمةً تطفئ ما قبله ..
الرجل الذي غاب يُقرأ هنا من خلال ما تركه في الآخرين ..
وهنا تتغير وظيفة السيرة ..
في حياة الإنسان .. يستطيع أن يشرح نفسه ..
بعد الرحيل .. يبدأ الآخرون في الإجابة عنه ..
فتصبح السيرة الأخرى سؤالًا عن الأثر :
ماذا بقي منه في الآخرين؟
ومن هنا يصبح الثناء .. في أفضل حالاته .. ليس مديحًا للراحل بقدر ما هو شهادة على الأثر ..
كلما اقتربت من نهاية الكتاب .. بدا لي أن «سيرة أخرى» ليست عنوانًا يصف اختلاف زاوية النظر فقط ..
إنها أيضًا وصف لما يحدث للسيرة نفسها بعد رحيل صاحبها ..
السيرة الأولى كتبها الشبيلي عن حياته ..
والسيرة الثانية كتبها العساف عنه ..
لكن هناك سيرة ثالثة لا يكتبها أحد وحده ..
إنها السيرة التي تبقى في ذاكرة الناس ..
في مكتبة ..
في صورة ..
في ورقة ..
في موقف ..
في كلمة زوجة ..
في جهد ابنة ..
في شهادة صديق ..
في كتاب يقرأه شخص لم يلتقِ بصاحب السيرة أصلًا ..
وهنا يصبح القارئ نفسه جزءًا من الحكاية ..
لأنه حين يغلق الكتاب .. يحمل معه صورة جديدة للرجل ..
وقد تختلف هذه الصورة قليلًا عن الصورة التي حملها قارئ آخر ..
وهذا ليس نقصًا في السيرة ..
ربما هذه هي طبيعة السيرة الإنسانية أصلًا : أن الإنسان الواحد لا يترك صورة واحدة وراءه .. بل أثرًا متعدد الوجوه ..
وربما لهذا لم يعد السؤال الذي بقي معي بعد إغلاق الكتاب : كم منصبًا شغل الشبيلي؟ ولا كم كتابًا ألّف؟ ولا كم مقابلة أجراها؟ ..
بل :
ماذا بقي؟
وكلما فكرت في هذا السؤال .. عادت إليّ تلك «الأولًا» المتكررة في عناوين الكتاب :
القراءة أولًا .. والتوثيق أولًا .. والمجتمع أولًا .. والإحسان أولًا .. والنبل أولًا .
ثم .. في المنطقة الأكثر حميمية :
زكية أولًا وآخرًا .
ثم عند الرحيل :
الثناء أولًا .
ثم في الختام :
الإجماع أولًا .
كأن السيرة تعود في آخر الطريق من «من كان الشبيلي؟» إلى «ماذا بقي منه؟»
وقد يكون الإجماع هنا ليس مجرد اتفاق الناس على محبة رجل أو الثناء عليه .. بل اجتماع الخيوط التي حملها الكتاب منذ بدايته .
مكانه .. أهله .. عمله .. علمه .. قراءته .. كتابته .. توثيقه .. علاقاته .. إنسانيته .. ثم رحيله .
كلها تلتقي في النهاية لتقول إن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول قائمة أعماله وحدها .. وإنما بما يتفق الناس على أنهم فقدوه حين غاب .
كأن الكتاب .. من أوله إلى آخره .. كان يبني إجابة عن سؤال لم يقله صراحة :
إذا أردت أن تعرف إنسانًا .. فلا تنظر فقط إلى ما أنجزه .. انظر إلى ما قدّمه .
وهذا .. في ظني .. هو المعنى الأعمق الذي خرجت به من «سيرة أخرى» ..
فالناس لا تُختصر في الوظيفة والمنصب واللقب .. ولا حتى في قائمة الأعمال التي تركوها وراءهم ..
ربما تُختصر .. في لحظة ما .. في الأشياء التي كانت أولًا حين كان عليهم أن يختاروا ..
ولهذا أفهم الآن العبارة التي سبقت القراءة كلها :
«اذكروه بدعوة .»
في البداية كانت مجرد عبارة على كيس ..
ثم أصبحت .. بعد الكتاب .. خاتمةً طبيعية لسيرة رجل ..
أن تعرفه ..
أن ترى أثره ..
أن تتذكره ..
ثم تدعو له ..
وهنا ربما لا يبقى من السيرة إلا ما بقي من الإنسان نفسه :
أثر لا تستطيع الصفحات أن تحمله كاملًا .. لكنها تستطيع أن تمنحه فرصة أخرى كي يُرى .
ولعل هذا هو أعمق ما فعله أحمد العساف في «سيرة أخرى» ..
لم يحاول أن يستبدل السيرة التي كتبها الشبيلي بقلمه .. ولم يقل : هذه هي الصورة الحقيقية ..
بل فعل شيئًا أكثر تواضعًا .. وأكثر صعوبة :
جمع ما تناثر من حياة رجل .. ووضعه أمامنا بحيث نستطيع أن نراه بعيون الذين عرفوه .
السيرة الأولى كتبها صاحبها ..
والسيرة الأخرى كتبها من جاء بعده ..
أما السيرة الثالثة .. فلا يكتبها المؤلف ولا صاحب السيرة ..
يكتبها القارئ في قلبه بعد أن يعرف الإنسان .
ولهذا يعود السؤال إلينا .. نحن الذين بقينا نقرأ :
لو كُتبت سيرتنا من خارجنا .. ماذا سيقول الآخرون إن كان «أولًا» في حياتنا؟
ما الذي سيذكرونه حين لا تعود الوظيفة .. ولا المنصب .. ولا اللقب قادرًا على الكلام عنا ؟
هل سيذكرون علمنا ؟
أم وقتنا الذي أعطيناه للآخرين ؟
أم كتابًا تركناه ؟
أم موقفًا صغيرًا لم نعرف يومًا أنه بقي في ذاكرة شخص آخر ؟
وهل سيجد من يكتب عنا بعد رحيلنا ما يكفي ليقول :
كانت لنا سيرة أخرى ؟
ربما لهذا لم يكن أحمد العساف يكتب سيرة عبدالرحمن الشبيلي للمرة الثانية ..
كان يحاول أن ينقذ من سيرة رجلٍ ما لا تستطيع السيرة الذاتية وحدها أن تراه ..
ثم يتركنا .. نحن القراء .. أمام السؤال الذي لا يخص الشبيلي وحده :
حين نغيب … أيُّ «أولًا» سيبقى لنا ؟

أثر لاينسى
جدة
السبت
٩ ربيع أول ١٤٤٨
٢٢ أغسطس ٢٠٢٦

