الحيرة الكبرى 🌀.. حين يختطف الآخرون عقلك 🧠 ..

screenshot ٢٠٢٦٠٧٢١ ١٩٤٧١١ gallery


الحيرة الكبرى 🌀.. حين يختطف الآخرون عقلك🧠 ..
قصة معلمٍ لم يهزمه النقد .. بل هزمته أصوات من حوله .


هناك هزائم لا تُسجلها دفاتر التاريخ .. ولا تراها كاميرات الأخبار .. ولا يلتفت إليها الناس .. ومع ذلك فهي أشد فتكًا من كثير من الكوارث ..
ليست هزيمة جيش .. ولا خسارة مال .. ولا سقوط منصب ..
بل لحظةٌ أخطر .. حين يتوقف الإنسان عن التفكير بعقله، ويبدأ في رؤية نفسه بعيون الآخرين ..
هناك .. يصبح الإنسان يعيش داخل رأس غيره ..
ويضحك عندما يريدون له أن يضحك ..
ويغضب عندما يريدون له أن يغضب ..
ويخاصم من لم يؤذه ..
ويحارب من لم يعاده ..
ثم يظن أنه يدافع عن كرامته .. بينما هو في الحقيقة لا يدافع إلا عن صورةٍ رسمها له غيره ..
إنها من أخطر صور الاستلاب النفسي التي قد تقع داخل المدارس .. والجامعات .. والبيوت .. بل وحتى بين الأصدقاء ..
ولذلك فإن بعض المواقف التربوية لا تُقرأ على أنها حادثة عابرة .. وإنما تُقرأ كما يقرأ الطبيب صورة الأشعة .. يبحث عما وراء الجلد، لا عما فوقه ..
وهذا الموقف الذي يرويه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ليس قصة بين مشرف ومعلم ..
إنه درسٌ كامل في قراءة الإنسان ..
ودرسٌ آخر في أن أعظم المشرفين ليس أكثرهم قدرة على العقوبة .. بل أكثرهم قدرة على اكتشاف الدافع المختبئ خلف السلوك ..
فكم من مشرفٍ عاقب فعلًا .. فضاعت الحقيقة معه ..
وكم من مربٍ صبر دقائق إضافية .. فاكتشف إنسانًا كاملًا كان يستغيث خلف ذلك السلوك ..
ومن هنا تبدأ الحكاية ..
حكايةٌ بدأت بمدير مدرسة يفيض ثناءً على أحد معلميه .. وانتهت بكشف واحدٍ من أعجب الألغاز النفسية التي يمكن أن يعيشها الإنسان داخل بيئة العمل ..
دخل الدكتور مسفر المدرسة .. وكانت مدرسةً كبيرة تضم اثني عشر معلمًا للصفوف الأولية ..
وما إن جلس مع مديرها حتى أخذ المدير يكرر اسم معلم بعينه .. ويصفه بالإبداع والتميز والإتقان .. حتى تكوَّنت في ذهن المشرف صورةٌ مسبقةٌ لمعلمٍ استثنائي .. حتى إنه دخل الفصل وهو يتوقع أن يرى الإبداع قبل أن يبدأ الدرس .
ولم يكن ذلك الثناء مجرد اندفاع عاطفي .. فقد كشف الدكتور لاحقًا أن للمدير علاقة قديمة بوالد المعلم ..  إذ كان يعمل وكيلًا عنده .. وكان يرى في الإشادة بابًا من أبواب الوفاء لذلك التاريخ ..
وربما كان هذا يفسر المبالغة، لكنه لا يبرر أثرها ..
فالمشكلة لم تكن في المحبة  .. وإنما في أن المديح إذا انفصل عن الحقيقة لم يعد تشجيعًا .. بل أصبح تضليلًا ..
وبعض الناس لا يفسدهم الذم  .. لكن يفسدهم الثناء غير المنضبط ..
فإذا ظل الإنسان يسمع أنه بلغ القمة، وهو ما يزال في أول الطريق ..  توقف عن الصعود ..
ولهذا لخّص الدكتور مأساة هذا المعلم في عبارة قصيرة موجعة:
“ورّموه  .. خلوه يتورّم .”
فلم يعد يرى في نفسه شيئًا يحتاج إلى إصلاح  .. حتى جاءت أول ملاحظة صادقة  .. فلم ير فيها فرصةً للنمو  .. بل رآها اعتداءً على الصورة التي ظل الآخرون يرسمونها له  ..  حتى صدقها هو نفسه ..
وهذه نقطة تربوية دقيقة يغفل عنها كثير من المشرفين ..
فالثناء المسبق يصنع توقعًا ..
والتوقع قد يصنع انحيازًا ..
لكن المشرف الحقيقي لا يسمح لما يسمعه أن يسبق ما يراه ..
ولهذا لم يعتمد الدكتور على كلمات المدير  ..  بل حمل ملاحظاته  .. واتجه إلى الفصل بعين الباحث لا بعين المصدق ..
وهناك  .. بدأت المفاجأة الأولى ..
لم يكن الدرس سيئًا بالمعنى المباشر، لكنه لم يكن يحمل أي أثر لذلك الوصف الكبير الذي سمعه قبل دقائق ..
لا طريقة عرض مختلفة ..
ولا إدارة صف لافتة ..
ولا تفاعل استثنائي ..
ولا بناء علمي مميز ..
كان درسًا عاديًا… بل رتيبًا ..
بدأ كما تبدأ كثير من الدروس ..
وانتهى كما تنتهي كثير منها ..
حتى إن المعلمين الذين لم يثنِ عليهم المدير كانوا يؤدون بالمستوى نفسه تقريبًا ..
وهنا لم يتعجل الدكتور في إصدار الحكم ..
لأن المشرف الناضج يعرف أن الحصة الواحدة قد تخدع ..
فقد يمرض الإنسان ..
وقد يمر بظرف ..
وقد تكون هذه أسوأ حصصه ..
ولهذا انتقل إلى مصدر آخر من مصادر الحكم  ..
دفتر التحضير ..
وهناك… بدأت المفاجأة الثانية، والأخطر ..
وجد أيامًا كاملة بلا تحضير ..
ويومًا يُحضِّر ..
ثم يومين يتركهما ..
ثم يعود ..
ولم يكن ذلك استثناءً عابرًا  ..  بل نمطًا متكررًا منذ بداية الفصل ..
أما التحضير الموجود نفسه… فلم يكن تحضيرًا بالمعنى المهني ..
بل كان مختصرًا اختصارًا يفتقد أبسط مقومات التخطيط للدرس ..
ولم يكن ذلك مجرد نقص شكلي  ..
بل كان مؤشرًا على طريقة تفكير ..
فالتحضير ليس ورقة ..
إنه صورة ذهنية لما سيحدث داخل الفصل ..
ومن يختصر تفكيره  ..  غالبًا سيختصر أداءه أيضًا ..
ومع ذلك  ..  لم يواجهه الدكتور بالتوبيخ ..
ولم يفتح دفتر الأخطاء قبل دفتر المزايا ..
بل استدعاه إلى جلسة مداولة هادئة، وأعطاه الفرصة الكاملة ليتحدث ..
وهنا ظهر وجهٌ آخر للموقف ..
وجهٌ سيقود القصة كلها إلى اتجاه لم يكن أحد يتوقعه ..

ثم جلس المعلم أمامه .. بكل الثقة التي لا تشي بوجود مشكلة .. وقال بصوت الواثق :
“دفتري كامل… والمشرفون السابقون جميعهم أثنوا عليه .”
ولم يقلها مرة واحدة .. بل كررها أكثر من مرة .. وكأن شهادات الأمس أصبحت درعًا يحتمي به من رؤية الحاضر ..
وهنا تظهر واحدة من أخطر الظواهر التربوية التي يقع فيها كثير من الناس ..
فبعضهم لا يعيش بما هو عليه الآن .. بل يعيش داخل شهادة قديمة ..
داخل مديحٍ قيل له قبل سنوات ..
داخل لقبٍ منحه الآخرون له ..
حتى يصبح الماضي حجةً لإلغاء الحاضر ..
وهذا من أخطر أنواع الجمود المهني ..
فالمربي الحقيقي لا يسأل نفسه :
“ماذا كنت ؟”
بل يسأل كل صباح :
“كيف أصبحت اليوم ؟”
ولهذا لم يدخل الدكتور معه في جدل حول آراء المشرفين السابقين ..
ولم ينتقصهم ..
ولم يشكك في أحكامهم ..
بل قال جملة تربوية تختصر فلسفة التقويم كلها :
“كل عام له تقييمه الخاص .”
يا لها من عبارة تبدو عادية ..  لكنها في الحقيقة من أعدل ما يمكن أن يُقال في الميدان التربوي ..
فالتقويم ليس شهادة حسن سيرة أبدية ..
وليس صك براءة لا ينتهي ..
وليس وسامًا يُعلَّق في أول الخدمة ثم يبقى إلى التقاعد ..
التقويم صورة للحظة ..
واللحظة تتغير ..
قد يتألق الإنسان عامًا .. ويفتر عامًا ..
وقد يتعثر عامًا  ..  ثم يعود أكثر نضجًا في العام الذي يليه ..
ولهذا فإن العدالة لا تعني أن نكرر الدرجة نفسها… بل أن نكرر الإنصاف نفسه ..
وحين فتح الدكتور دفتر التحضير أمامه .. لم يقل له :
“أنت مقصر .”
بل سأله بهدوء :
“وهذه الأيام … لماذا لم تُحضَّر ؟”
وأشار إلى الصفحات البيضاء ..
ثم إلى التحضير المختصر ..
وكان ينتظر تفسيرًا ..
أو اعترافًا ..
أو حتى محاولة للمراجعة ..
لكن ما جاءه كان سؤالًا صادمًا ..
قال المعلم :
“هل لديك أحد يحضّر بطريقة صحيحة؟”
لم يكن السؤال بحثًا عن معرفة ..
بل كان محاولة للهروب من مواجهة النفس ..
إنه الأسلوب الذي يسميه علماء النفس تشتيت بؤرة المسؤولية ..
فبدل أن يناقش خطأه… يحاول أن يجعل الخطأ عامًا ..
وكأن وجود المقصرين الآخرين يمحو تقصيره ..
وهذه حيلة نفسية قديمة ..
فالإنسان حين يعجز عن تبرير نفسه… يبدأ بالبحث عن شركاء في الخطأ ..
لكن وجود ألف مخطئ… لا يحول الخطأ إلى صواب ..
ولهذا جاء رد الدكتور حاسمًا .. لكنه في غاية الاتزان :
“دعك من الآخرين… أنا مسؤول عنك الآن .”
إنها ليست جملة قيلت داخل غرفة مدير مدرسة فقط ..
إنها قاعدة تربوية عظيمة ..
فالنجاح يبدأ يوم يتوقف الإنسان عن مقارنة نفسه بالأسوأ … ويبدأ بمحاسبة نفسه كما هي ..
انتهت الجلسة ..
وأخبره الدكتور بكل هدوء أن تقييم هذا العام لن يكون كما اعتاده ..
ولم يدخل في مساومة ..
ولم يهدد ..
ولم يرفع صوته ..
بل اكتفى بأن قال :
“ستصلك الاستمارة .”
وخرج ..
أما مدير المدرسة… فكان يراقب المشهد كله بصمت ..
يحاول أن يبدو منشغلًا بأوراقه ..
لكن عينيه كانتا في الحوار ..
وحين عرف أن الدرجة ستكون (96) .. بدا عليه الذهول ..
ليس لأن الرقم قليل ..
بل لأن الرجل لم يعتد طوال سنواته أن يرى أمام اسم هذا المعلم سوى الرقم (100) ..
وهنا أيضًا كان للدكتور موقف تربوي بالغ العمق ..
فهو لم يمنحه الدرجة التي يستحقها فعلًا ..
بل خففها ..
ورفعها ..
لأنه لم يكن يريد إسقاط المعلم… بل كان يريد إيقاظه ..
وهذا فرق لا يدركه إلا المربون الكبار ..
فالعقوبة التي تهدم الإنسان سهلة ..
أما التقويم الذي يوقظه دون أن يكسره ..  فهذه صناعة تربوية نادرة ..
ولم تنتهِ القصة هنا ..
بل بدأت مرحلة أغرب ..
فبعد انتهاء الزيارة .. وأثناء وجود الدكتور في إدارة التعليم .. استدعاه مدير الإشراف التربوي ..
وقال له مبتسمًا :
“يبدو أن أحد المعلمين قد اشتكى عليك .”
ولم يكن الدكتور يعلم أن الشكوى وصلت بهذه السرعة ..
فلما جلس معه .. وأخبره باسم المعلم .. لم يغضب ..
ولم يدافع عن نفسه ..
ولم يقل :
“لقد ظلمني .”
بل قال :
“دعني أكشف لك الحقيقة .”
ثم عرض عليه واقع الدفتر ..
والتحضير  ..
والزيارة ..
والمناقشة ..
وكل التفاصيل ..
فكانت صدمة مدير الإشراف أكبر من صدمة الشكوى نفسها ..
حتى قال له بعد أن رأى الحقيقة :
“لو كنت مكانك لأعطيته (75) .”
لكن الدكتور ابتسم .. وقال جملة تكشف فلسفته كلها :
“أنا ما زلت أؤمل فيه خيرًا .”
ما أعجب هذه العبارة ..
فالإنسان الذي يملك سلطة التخفيض ..  كان يفكر في فرصة الإصلاح ..
ولم يكن يبحث عن انتصار شخصي ..
كان يريد أن يخرج المعلم من الوهم… لا أن يخرجه من المهنة ..
ولهذا رفض أن يبدأ بالعقوبة القصوى ..
وقال ما معناه :
إن الإنسان الذي عاش سنوات يرى أمامه الرقم (100) … لن يفهم رسالة الإصلاح إذا هبط فجأة إلى (75) ..
بل سيشعر أن الأمر انتقام ..
ولهذا اختار التدرج ..
ثم استشهد بأعظم مدرسة تربوية عرفها التاريخ… مدرسة القرآن ..
حين ذكّر بأن الله سبحانه لم يُحرِّم الخمر دفعة واحدة  ..  وإنما ربّى النفوس بالتدرج ..

وكأن الدكتور يقول ..
إن إصلاح الإنسان يحتاج إلى حكمة .. لا إلى اندفاع ..
وأن التربية ليست فن إسقاط الناس .. بل فن أخذ أيديهم خطوةً بعد خطوة .. حتى يقفوا من جديد ..
وهكذا خرج من إدارة الإشراف .. وقد انتهت قضية الشكوى ..
لكن القضية الحقيقية .. كانت لا تزال في بدايتها ..

وهنا تبدأ القصة في التحول من قضية تقويم تربوي… إلى قضية نفسية عميقة ..
فالإنسان أحيانًا لا يكشف حقيقته في أول موقف ..
ولا في أول حوار ..
ولا حتى في أول خطأ ..
بل يحتاج إلى الزمن … حتى يزيح الستار بنفسه ..
وهذا ما حدث تمامًا ..
عاد الدكتور إلى المدرسة مرة أخرى ..
لكنه هذه المرة لم يذهب إلى حصة “لغتي” ..
بل قال في نفسه :
لعل الرجل يبدع في القرآن الكريم ..
فكثير من المعلمين قد يضعف في مادة .. ويتميز في أخرى ..
وربما كانت الحصة الأولى لا تمثل مستواه الحقيقي ..
وهذه أيضًا من أخلاق المشرف المنصف ..
فهو لا يبني حكمه النهائي على فرصة واحدة ..
ولا يسمح لانطباع أول أن يغلق باب الاحتمالات ..
لأن التربية لا تعرف الأحكام المستعجلة ..
ولهذا دخل الحصة الثانية … وقلبه ما يزال يمنح الرجل فرصة جديدة ..
لكن المفاجأة … كانت أشد من الأولى ..
فالدرس الثاني لم يكن أفضل ..
بل كان أكثر كشفًا ..
حتى إن الدكتور لاحظ أن قراءة القرآن نفسها لم تكن على المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه معلمٌ يدرّس كتاب الله ..
ولم تكن القضية في جمال الصوت ..
ولا في حسن الأداء ..
بل في أبسط أحكام التجويد التي يفترض أن تكون من المسلمات لمن يقف أمام الأطفال ليكون أول من يفتح لهم أبواب القرآن ..
انتهت الحصة ..
وسار المعلم مع الدكتور في ممر المدرسة ..
وكان الممر هادئًا ..
والحديث هادئًا ..
ولا توجد أي بوادر خلاف ..
فقال له الدكتور .. بكل لطف .. ومن واقع تجربة شخصية عاشها هو نفسه :
“هل سبق أن التحقت بحلقة لتجويد القرآن ؟”
لم يكن السؤال اتهامًا ..
ولم يكن امتحانًا ..
ولم يكن استنقاصًا ..
بل كان اقتراحًا تربويًا خالصًا ..
فالرجل نفسه نشأ في حلقات القرآن ..
ويعرف أثرها ..
ويعرف كيف صنعت منه قارئًا أفضل .. ومعلمًا أفضل ..
ولهذا كان يرى أن كثيرًا من معلمي الصفوف الأولية سيزدادون جودة لو عادوا إلى تلك الحلقات .. كما يعود الرياضي إلى التدريب كلما شعر أن لياقته بدأت تضعف ..
كم هو جميل أن يبقى الإنسان تلميذًا … مهما صار معلمًا ..
لكن بعض النفوس لا تسمع السؤال … بل تسمع ما تتخيله خلف السؤال ..
وهنا جاءت الجملة التي أدهشت الدكتور ..
قال المعلم .. بنبرة متحدية :
“لو أردتُ أن أعلّمك التجويد … لعلّمتك .”
لو كانت القضية بين رجلين يبحث كل واحد منهما عن الانتصار .. لتحولت اللحظة إلى معركة ..
ولربما رد عليه بكلمة أشد ..
أو استدعاه المدير ..
أو انتهى الموقف بمحضر ..
لكن المربّي لا ينتصر لنفسه ..
بل ينتصر للرسالة ..
ولهذا لم يجبه ..
ولم يدخل معه في مباراة لإثبات من الأعلم ..
ولم يجرّه إلى حلبة الكبرياء ..
بل اختار أعظم أنواع الردود … الصمت ..
ترك الجملة تمر ..
وأكمل سيره ..
لأن بعض الكلمات لا تستحق جوابًا … بل تستحق أن تموت وحدها ..
غير أن المعلم لم يكتفِ بما قال ..
فلحق به مرة أخرى .. وقال :
“أنت قلت إنني لا أعرف التجويد .”
وهنا فقط توقف الدكتور ..
ليس ليرد على الإساءة … بل ليصحح الحقيقة ..
قال له بهدوء :
“أنا لم أقل إنك لا تعرف التجويد .”
“أنا سألتك فقط : هل سبق أن التحقت بحلقة تجويد ؟”
شتّان … بين سؤال يريد أن يفتح لك بابًا ..
وبين اتهام يريد أن يغلقه ..
لكن الإنسان حين يكون في حالة دفاع دائم عن نفسه .. فإنه لا يسمع الكلمات كما قيلت … بل كما يخشاها ..
وهذه من أعجب الظواهر النفسية ..
فالخائف من النقد … يخلق نقدًا لم يقله أحد ..
ويقاتل خصمًا لم يوجد أصلًا ..
ولهذا نجد بعض الناس يجيبون عن أسئلة لم تُطرح ..
ويردون على اتهامات لم تصدر ..
ويغضبون من نوايا لم تخطر أصلًا في ذهن الطرف الآخر ..
ليس لأن الآخرين أساؤوا إليهم … بل لأن عقولهم كانت ممتلئة بالاستعداد للمعركة ..
ومع ذلك … لم يغضب الدكتور ..
وهنا يقف القارئ متعجبًا ..
كيف ؟
إنسان يشكو عليك ..
ثم يتحداك ..
ثم يضع كلمات في فمك لم تقلها ..
ثم يسيء الأدب ..
وأنت لا تغضب ؟
الحقيقة أن الدكتور نفسه يعترف في التسجيل الصوتي أنه بقي سنوات يتساءل :
“لماذا كنت أصبر عليه كل هذا الصبر ؟”
حتى إنه قال بصدقٍ عجيب :
“إلى اليوم لا أدري لماذا ألهمني الله هذا الصبر .”
وهذه العبارة وحدها تحتاج أن تُكتب بماء الذهب ..
لأن كثيرًا من المربين يظنون أن الحكمة قرار ..
بينما هي في كثير من الأحيان … توفيق من الله ..
قد يضع الله في قلب الإنسان سكينة لا يعرف لها تفسيرًا ..
ولو أنه غضب في أول موقف… لما عرف الحقيقة أبدًا ..
ولانتهت القصة عند ظاهرها ..
لكن الله أراد أن يعلّمه… ويعلّمنا معه… أن بعض الألغاز لا تُحل إلا بالصبر ..
ولهذا ترك الموقف يمضي ..
لكن المعلم لم يتركه ..
بل بدأت مرحلة جديدة… هي أغرب مراحل هذه القصة كلها ..

ثم بدأت الظاهرة تتكرر .. ولم تعد مصادفة ..
في الزيارة التالية .. وأثناء انتقال الدكتور بين الفصول .. كان يلاحظ أن ذلك المعلم يظهر في الممر كل مرة .. وكأن الطريق لا يتسع إلا لهما ..
في البداية لم يشغل نفسه بالأمر .. قال في نفسه .. لعلها مصادفة ..
لكن المصادفات حين تتكرر بالكيفية نفسها .. تفقد براءتها ..
صار الرجل يخرج من فصله .. أو يتجه إلى غرفة المعلمين .. أو يقف عند الممر في اللحظة نفسها التي يمر فيها الدكتور .. ثم يبدأ حديثًا عابرًا لا يكاد يكتمل .. حتى يختمه بجملة صغيرة .. تحمل قدرًا من الاستفزاز .. ثم ينصرف ..
لم تكن كلمات جارحة بالمعنى الصريح .. ولم تكن إساءات تستوجب عقوبة .. بل كانت من ذلك النوع الذي يخالف الذوق .. ويختبر الأعصاب .. ويحاول أن يستدرج الطرف الآخر إلى رد فعل ..
وهنا تتجلى خبرة المربي ..
فليس كل استفزاز يستحق معركة .. وليس كل سهم ينبغي أن تلتقطه لتعيده ..
فالناس لا يختبرون قوتك حين تغضب .. بل يختبرون قدرتك على ألا تغضب ..
ولهذا كان الدكتور يتركه يمضي .. مرة .. ثم ثانية .. ثم ثالثة ..
حتى قال لنفسه بعد اللقاء الثالث ..
“لم تعد مصادفة.”
لقد أصبح يتوقع المشهد قبل وقوعه ..
بل صار يستطيع أن يرسم تفاصيله في ذهنه ..
سيخرج من هناك .. سيلتقي بي في هذا الممر .. سيبدأ بحديث قصير .. ثم يلقي تلك الكلمة .. ثم يغادر ..
وكأن الرجل دخل في طقس نفسي يعيده كلما رآه ..
ولم يكن الدكتور يومها يعرف أن وراء هذا السلوك مسرحًا كاملًا .. يدور بعيدًا عن عينيه ..
وجاءت المرة الرابعة ..
ووقع كل شيء كما توقع ..
خرج الرجل .. اقترب .. تحدث .. ثم ألقى كلمته المستفزة للمرة الرابعة ..
لكن هذه المرة .. توقف الدكتور ..
ولم يكن توقف غضب .. بل كان توقفًا حاسمًا ..
نظر إليه نظرة مستقيمة .. وقال بهدوء شديد .. لكنه هدوء يحمل من القوة ما يفوق الصراخ ..
“أقسم بالله .. لتندمن على هذه الكلمة .. وعلى كل الكلمات التي سبقتها .”
لم يزد حرفًا ..
ولم يدخل في جدال ..
ولم يفسر ..
ثم مضى ..
ويصف الدكتور تلك اللحظة بعد سنوات .. فيقول إن الرجل قد صُدم من نبرة الحديث .. ومن لغة الجسد .. حتى إنه أدرك لأول مرة أن الأمر لم يعد يحتمل العبث ..
ولعل أجمل ما في هذا الموقف أن الحزم جاء متأخرًا ..
بعد مساحة واسعة من الصبر ..
وهذه قاعدة تربوية لا ينتبه إليها كثير من الناس ..
فالحزم إذا سبق الصبر .. كان قسوة ..
أما إذا جاء بعد استنفاد فرص الإصلاح .. فهو عدل ..
إن كثيرًا من الآباء .. والمديرين .. والمشرفين .. يقعون في خطأين متناقضين ..
فمنهم من يجعل الحزم أول أدواته .. فيكسر النفوس قبل أن يسمعها ..
ومنهم من يؤجل الحزم إلى ما لا نهاية .. فتضيع هيبته .. ويصبح تساهله سببًا في تمادي الآخرين ..
أما المربي الحكيم .. فهو الذي يعرف اللحظة التي يصبح فيها السكوت ظلمًا ..
كما يعرف اللحظة التي يصبح فيها الرد انفعالًا ..
وصل الدكتور إلى غرفة الإدارة ..
لكنه لم يكتب محضرًا ..
ولم يطلب عقوبة ..
ولم يرفع الهاتف ..
بل فعل شيئًا لا يفعله إلا من يبحث عن الحقيقة أكثر مما يبحث عن الإدانة ..
طلب أحد المعلمين ..
وكان يعرف أنه قريب من ذلك الرجل .. ومن أكثر الناس معرفة به ..
فلما دخل .. سأله سؤالًا بسيطًا ..
“هل هو قريب منك ؟”
قال ..
“نعم .. وهو عزيز علي .”
وهنا قال الدكتور جملة تكشف نبل مقصده كله ..
“اليوم كنت على وشك أن أبدأ إجراءات قد تضره .. لكن قبل أن أفعل .. أريد أن أفهم.”
كم من المشكلات انتهت إلى الخصومات .. لأن أحد الطرفين أراد أن يحكم قبل أن يفهم ..
وكم من الأرواح نجت .. لأن إنسانًا واحدًا فقط قال ..
“دعوني أعرف ما الذي يحدث .”
نظر إليه المعلم الآخر .. وقال ..
“إن وعدتني ألا تضره .. أخبرتك بكل شيء .”
فقال الدكتور دون تردد ..
“أعدك .”
وهنا .. انفتح باب الحقيقة ..
الحقيقة التي لم يكن يمكن أن تظهر لو أن الدكتور غضب في أول موقف ..
ولو كتب محضرًا ..
ولو اكتفى بظاهر التصرف ..
قال له زميله ..
“كل مرة يلتقي بك .. يعود مباشرة إلى غرفة المعلمين .”
ثم يقلد الحوار الذي دار بينكما ..
ويقول لهم ..
“قلت للمشرف كذا ..”
فيضحكون ..
ولا يصدقونه ..
فيقسم لهم أنه قالها ..
ثم يبدأون من جديد في تأجيجه ..
حتى إذا رآك أحدهم قادمًا في الممر صاح به ساخرًا ..
“جاءك فلان .. جاءك المشرف !”
كانت الكلمة تبدو مزحة ..
لكنها لم تكن مزحة ..
لقد كانت عملية شحن نفسي مستمرة ..
كلما رأى المشرف .. تذكر السخرية ..
وكلما تذكر السخرية .. شعر أنه مطالب بأن يثبت لهم شجاعته ..
ولكي يثبتها .. كان يبحث عن أي كلمة يقولها للدكتور ..
أي كلمة ..
ليس لأنه يكرهه ..
ولا لأنه يحمل ضغينة شخصية ..
بل لأنه أصبح أسير جمهور ينتظر عرضه اليومي ..
يا لها من لحظة كاشفة ..
هنا لم يعد الدكتور ينظر إلى رجل وقح ..
بل رأى إنسانًا تُدار أفعاله من خارج رأسه ..
وهنا انقلب المشهد كله ..
فمن كان يبدو مهاجمًا ..

ظهر فجأة ضحية ..
ضحية لسخرية جماعية ..
وضحية لضغط الأقران ..
وضحية لرغبة مرضية في أن يثبت شيئًا لمن لا يستحق أصلًا أن يثبت له شيئًا ..
وهنا فقط .. فهم الدكتور لماذا كان الرجل مختلفًا خارج المدرسة ..
حين قابله في المستشفى .. واستقبله بحفاوة .. وألح عليه أن يزور بيته ..
لقد كان هناك .. بعيدًا عن المسرح ..
بعيدًا عن الجمهور ..
بعيدًا عن أولئك الذين يلقنون المشاعر كما يلقنون الكلمات ..
فعاد إلى فطرته الطبيعية ..
أما داخل المدرسة .. فكان يؤدي الدور الذي رسمه له الآخرون ..
وهنا تكمن إحدى أخطر الحقائق النفسية في البيئات المهنية ..
ليس كل سلوك نراه نابعًا من صاحبه.
فبعض الناس لا يعيشون بشخصياتهم ..
بل يعيشون بالشخصية التي يفرضها عليهم الجمع ..
ولهذا فإن أخطر أنواع التأثير ليس الأمر المباشر ..
بل السخرية الجماعية ..
لأنها لا تجبر الإنسان ..
بل تجعله يظن أنه هو الذي اختار
..

ثم حدث المشهد الذي غيّر قراءة الدكتور للموقف كله ..
لم يعد يرى أمامه معلمًا قليل الأدب ..
بل إنسانًا فقد سيادته على نفسه ..
وهنا تظهر واحدة من أخطر القضايا التربوية التي لا تُدرَّس في كليات التربية ..
مع أنها تصنع مستقبل المعلمين والطلاب والإداريين معًا ..
الإنسان قد لا يُهزم من خصومه… بل من جمهوره.
فكم من شخصٍ كان مستقيم الرأي ..
فلما عاش بين من يسخرون .. بدأ يسخر ..
وكم من إنسان كان هادئًا ..
فلما عاش بين من يؤججون الخصومات .. صار يفتعلها ..
وكم من شاب لم يكن يحمل في قلبه كراهية لأحد ..
حتى أقنعته المجموعة أن الكراهية بطولة ..
إن ضغط الجماعة أخطر بكثير من ضغط الفرد ..
لأن الفرد تستطيع أن تختلف معه ..
أما الجماعة فإنها تعاقب كل من يجرؤ على أن يكون مختلفًا ..
ولذلك كان ذلك المعلم ..
في كل مرة يلتقي فيها الدكتور ..
لا يخاطب الدكتور وحده ..
بل كان يخاطب جمهورًا غائبًا ينتظر منه تقريرًا بعد دقائق ..
كان يريد أن يعود إلى غرفة المعلمين ..
ويقول لهم ..
“قلت له كذا…”
وكأنه يجمع تصفيقًا لا احترامًا ..
ويشتري إعجابًا مؤقتًا ..
بثمن كرامته الدائمة ..
ظل الدكتور صامتًا لحظات ..
ثم قال لزميله الذي كشف له السر ..
“جزاك الله خيرًا… الآن فهمت .”
ولم يقل ..
“الآن سأؤدبه .”
ولم يقل ..
“الآن وجدت عليه الدليل .”
بل قال في نفسه ..
“الآن عرفت المريض الحقيقي .”
ولم يكن المريض هو المعلم وحده ..
بل البيئة التي صنعت منه هذه النسخة ..
فالنفوس السليمة لا تخرج فجأة لتستفز الناس ..
لكنها قد تنحرف حين تعيش طويلًا تحت مطر السخرية ..
وحرارة التحريض ..
ورغبة إثبات الذات أمام من لا يملكون إلا التصفيق والسخرية ..
بعد أيام ..
طلب الدكتور ذلك المعلم مرة أخرى ..
ولم تكن جلسة تحقيق ..
ولا جلسة مساءلة ..
ولا جلسة عقوبة ..
بل كانت جلسة إنقاذ ..
جلس أمامه ..
ثم قال له بهدوء ..
“يا فلان… لقد كنت معجبًا بك في البداية .”
رفع المعلم رأسه باستغراب ..
وأكمل الدكتور ..
“ثم بدأت أتعجب منك … ثم حزنت عليك.”
تغيرت ملامحه ..
ولم يعد ذلك الوجه المتحدي الذي كان يخرج في الممرات ..
بل بدا وكأن الكلمات دخلت إلى مكان لم تصل إليه كل درجات التقييم ..
ثم قال له الدكتور ..
“كيف سمحت للآخرين أن يديروا عقلك ؟”
“كيف سلمت لهم مشاعرك ؟”
“كيف أصبحت تتحرك لأن فلانًا قال لك .. جاء المشرف ؟”
“كيف جعلتهم يحددون متى تغضب .. ومتى تتكلم .. وماذا تقول ؟”
“أين شخصيتك أنت ؟”
كانت أسئلة ..
لكنها في حقيقتها مرايا ..
كل سؤال منها كان يجعله يرى نفسه لأول مرة ..
ويقول الدكتور ..
“والله ما كنت أريد أن ينطق .”
لأن الصمت الذي رآه أمامه ..
كان أبلغ من كل اعتذار ..
ذلك الصمت الطويل ..
لم يكن صمت المكابر ..
بل صمت الإنسان الذي اكتشف فجأة أنه كان يعيش دورًا لم يكتبه بنفسه ..
ولذلك بدأ الدكتور يخفف من عتابه شيئًا فشيئًا ..
لأنه شعر أن الرسالة وصلت ..
وأحيانًا ..
حين تصل الرسالة ..
تصبح الإطالة نوعًا من القسوة ..
ثم قال له الدكتور في نهاية الحديث ..
“اعتبر الموضوع منتهيًا .”
فنظر إليه المعلم بدهشة ..
وقال ..
“لن يترتب علي شيء ؟”
فقال ..
“لو كنت أريد الإضرار بك… لفعلت ذلك من أول موقف .”
“لكنني لم آتِ إلى المدرسة لأنتقم من أحد.”
“أنا جئت لأصلح .”
وهذه الجملة وحدها تختصر الفارق بين الموظف والمربي ..
الموظف يبحث عن تطبيق النظام ..
أما المربي ..
فيبحث أولًا عن إصلاح الإنسان ..
ولذلك كان يرى أن أعظم انتصار ليس أن يخسر المعلم وظيفته ..
بل أن يربح نفسه ..
ومرت الأيام ..
وانتهت تلك المرحلة ..
وتغيرت المواقع ..
وتبدلت المسؤوليات ..
وأصبح ذلك المعلم مشرفًا تربويًا في أحد الأقسام المساندة ..
ولم يعد ذلك الشاب الذي يبحث عن تصفيق زملائه ..
بل أصبح يحمل مسؤولية الآخرين ..
وكان الدكتور يلقاه بين حين وآخر ..
وفي كل لقاء ..
كان يقرأ في وجهه اعتذارًا جديدًا ..
اعتذارًا لا تقوله الشفاه ..
بل تكتبه الملامح ..
وكانت لغة الجسد أحيانًا أصدق من اللغة كلها ..
ويروي الدكتور موقفًا لا يكاد ينساه ..
كان حاضرًا في أحد البرامج التدريبية متدربًا لا مدربًا ..
وكان القسم الذي يعمل فيه ذلك المشرف هو المسؤول عن تنظيم البرنامج ..
وانتهى اللقاء ..
وبدأ توزيع الشهادات ..
وكان من المعتاد أن ينتظر الجميع حتى ينادى على أسمائهم ..
لكن ذلك المشرف شق الصفوف بنفسه ..
واتجه مباشرة نحو الدكتور ..
وفي يده الشهادة ..
ثم قال له بكل أدب ..
“يا دكتور… أعرف أن وقتكم ثمين. فأحببت أن أوصلها إليكم قبل الزحام .”
يقول الدكتور ..
“لقد أخجلني .”
لأن الإنسان إذا أصلح قلبًا ..
فقد يبقى أثر الإصلاح سنوات ..
بينما ينسى الناس كل تفاصيل الخلاف ..
ثم يعلق الدكتور تعليقًا من أعمق ما قيل في التربية ..
فيقول ما معناه ..
“لو أنني استجبت لأول انفعال … لما رأيت هذه النهاية أبدًا .”

gemini generated image qst2pjqst2pjqst2


بعد أن انتهت أحداث هذا الموقف .. تبدأ مرحلته الأهم ..
فالقصص التربوية العظيمة لا تكمن قيمتها في سرد أحداثها ..
وإنما في القوانين التي تكشفها ..
والرسائل التي تتركها في النفس ..
وهذا الموقف ليس حادثة عابرة بين مشرف ومعلم ..
بل مدرسة تربوية متكاملة ..
تكشف كيف تتشكل الشخصيات ..
وكيف تُبنى العلاقات ..
وكيف تُدار النفوس قبل أن تُدار الأعمال ..
ومن خلال التأمل فيه يمكن استخلاص عدد من القوانين التربوية والنفسية ..
التي تتجاوز حدود المدرسة ..
وتمتد إلى كل بيت ..
وكل مؤسسة ..
وكل علاقة إنسانية ..

gemini generated image 6z5jkc6z5jkc6z5j


القانون الأول: لا تحاكم السلوك قبل أن تبحث عن الدافع
فالناس يرون السلوك ..
أما المربي فيبحث عن السبب الذي صنع ذلك السلوك ..
وقد يكون الخطأ ظاهرًا ..
لكن أسبابه خفية ..
وإذا عولج الظاهر وحده بقي الجذر حيًا ..
فعاد الخطأ مرة أخرى بصورة مختلفة ..

gemini generated image 7ylqvk7ylqvk7ylq


القانون الثاني: البيئة قد تصنع من الإنسان نسخة لا تشبه حقيقته
فالإنسان لا يتغير دائمًا بقناعة داخلية ..
بل قد يتغير تحت ضغط البيئة التي يعيش فيها ..
ومع كثرة التكرار ..
قد يصبح الخطأ عادة ..
والعادة طبعًا ..
والطبع جزءًا من الشخصية ..
وهو في الأصل لم يكن كذلك ..

gemini generated image lawdodlawdodlawd


القانون الثالث: ضغط الجماعة من أخطر أنواع التأثير
فالإنسان قد يقاوم أمرًا مباشرًا ..
لكنه قد يستجيب لضحكة ساخرة ..
أو تعليق متكرر ..
أو رغبة في إثبات نفسه أمام مجموعة من الناس ..
حتى يجد نفسه يفعل ما لا يؤمن به ..
فقط ليحافظ على مكانته بينهم ..

gemini generated image 7w1fnk7w1fnk7w1f


القانون الرابع: الثناء غير المنضبط قد يكون سببًا في تعطيل النمو
فالمديح إذا تجاوز الحقيقة ..
جعل صاحبه يظن أنه بلغ الكمال ..
ومن ظن أنه وصل ..
توقف عن السير ..
ولذلك فإن الثناء الصادق يبني الإنسان ..
أما الثناء المبالغ فيه فقد يحجبه عن رؤية عيوبه ..

gemini generated image f6vltqf6vltqf6vl


القانون الخامس: التقويم الحقيقي ينظر إلى الحاضر لا إلى الماضي
فالنجاح السابق لا يعفي صاحبه من المحاسبة ..
كما أن التعثر السابق لا يمنعه من فرصة جديدة ..
وكل عام له ظروفه ..
وكل أداء له حكمه ..
والعدل أن يُقيَّم الإنسان بما هو عليه اليوم ..
لا بما كان عليه بالأمس ..

gemini generated image bixs6fbixs6fbixs


القانون السادس: الحزم الحقيقي لا يأتي إلا بعد استنفاد فرص الإصلاح
فالحزم الذي يسبق الصبر قسوة ..
والصبر الذي يلغي الحزم ضعف ..
أما التربية الحكيمة فهي التي تمنح الإنسان فرصة بعد أخرى ..
حتى إذا استنفدها كلها ..
جاء الحزم في موضعه ..
فيكون عدلًا لا انتقامًا ..

gemini generated image olb5x5olb5x5olb5


القانون السابع: المربي لا يبحث عن ربح القضية .. بل عن ربح الإنسان
فقد ينتصر الإنسان في موقف ..
ويخسر قلب من أمامه ..
وقد يتنازل عن انتصار لحظي ..
فيربح إنسانًا يبقى أثر إصلاحه سنوات طويلة ..
وهذا هو الانتصار الذي لا تقاس قيمته بالأرقام ولا باللوائح ..

gemini generated image 7c5bdh7c5bdh7c5b


القانون الثامن: الاستقلال الفكري أعظم صور الحرية
فالحرية ليست أن يقول الإنسان ما يشاء ..
وإنما أن يبقى عقله ملكًا له ..
فلا يسمح للآخرين أن يحددوا له ما يحب ..
وما يكره ..
ومتى يغضب ..
ومتى يرضى ..
لأن أول من يستأجر عقلك ..
يستطيع أن يقود حياتك كلها ..

gemini generated image hu6ii6hu6ii6hu6i


القانون التاسع: إصلاح المناخ أهم من إصلاح الأشخاص
فالفرد قد يخطئ ..
لكن البيئة التي تشجع الخطأ تصنع عشرات الأخطاء كل يوم ..
ولذلك فإن القائد الناجح لا يعالج الأشخاص فقط ..
بل يعالج الثقافة التي يعيشون فيها ..
حتى يصبح الخير هو السلوك الطبيعي ..
ويصبح الخطأ هو الاستثناء ..

gemini generated image ytyleoytyleoytyl


القانون العاشر: أعظم أثر يتركه المربي ليس في الأوراق .. بل في القلوب
فالدرجات تُنسى ..
والتقارير تُطوى ..
والمناصب تتغير ..
لكن الكلمة الصادقة ..
والموقف الحكيم ..
والصبر الذي أنقذ إنسانًا من نفسه ..
قد يبقى أثره في القلب ما بقي العمر ..
وهذا هو الإرث الحقيقي لكل مربٍ صادق ..
إن أخطر ما في هذه القصة أنها لا تتحدث عن معلمٍ واحد ..
بل عن كل إنسان يمكن أن يفقد نفسه وهو يحاول أن يرضي الآخرين ..
فالإنسان لا يخسر حريته حين يُجبر على فعل شيء ..
وإنما حين يقتنع أن ما يريده الناس هو ما يريده هو ..
وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية ..
ولهذا لم يكن انتصار الدكتور مسفر أنه كسب موقفًا إداريًا ..
بل أنه أعاد إنسانًا إلى نفسه ..
وهذه هي أعظم رسالة في التربية ..
أن تبني الإنسان قبل أن تحاسب سلوكه ..
وأن تبحث عن الجذر قبل أن تقطع الغصن ..
وأن تدرك أن بعض الناس لا يحتاجون إلى عقوبة ..
بقدر ما يحتاجون إلى من يفهمهم ..
فالمربي الحقيقي لا يترك وراءه تقارير ..
وإنما يترك وراءه بشرًا أصبحوا أفضل مما كانوا ..

وبعد هذه القوانين ..
يبقى أن نتوقف أمام العمق النفسي والتربوي الذي كشفته هذه القصة ..
لأن المواقف العظيمة لا تنتهي بانتهاء أحداثها ..
وإنما تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن يُسدل الستار عليها ..
فهناك مواقف تُروى لتسلية السامعين ..
ثم تموت بانتهاء الحكاية ..
وهناك مواقف تبقى حيّة ..
لأنها تتحول إلى مرآة يرى الإنسان فيها نفسه ..
ويعيد من خلالها النظر في طريقته في التفكير ..
وفي أحكامه ..
وفي علاقاته ..
وفي أسلوبه في تربية الآخرين ..

وهذا الموقف من الصنف الثاني ..
فكلما أعدت قراءته ..
اكتشفت أنك لا تقرأ قصة معلمٍ ومشرف ..
وإنما تقرأ النفس البشرية وهي تتقلب بين الكبرياء والضعف ..
وبين التأثير والاستقلال ..
وبين الحكمة والانفعال ..
وبين ظاهر السلوك وخفايا الدوافع ..
ولهذا فإننا لو اكتفينا بسرد الحكاية لظلمناها ..
ولو مررنا عليها مرورًا سريعًا لفاتتنا كنوزها ..
لأنها ليست موقفًا يُحفظ ..
بل مدرسة تُدرس ..
ولا حادثة تُروى ..
بل تجربة إنسانية تختصر عشرات الدورات التربوية ..
وآلاف الصفحات في علم النفس والاجتماع والإدارة ..
لقد كشف هذا الموقف حقيقة يغفل عنها كثير من العاملين في التربية ..
وهي أن الإنسان لا يُقرأ من كلماته وحدها ..
وإنما يُقرأ من الظروف التي أحاطت بكلماته ..
فالناس جميعًا يسمعون العبارة ..
لكن المربي وحده يسمع الألم المختبئ خلف العبارة ..
والناس يرون الانفعال ..
لكن صاحب البصيرة يرى اليد التي دفعت إلى ذلك الانفعال ..
ولذلك كان الفرق بين المشرف العادي والمشرف المربي ..
أن الأول يقف عند السلوك ..
أما الثاني فيغوص إلى ما قبل السلوك ..
لأنه يعلم أن الشجرة لا تُعالج من أوراقها إذا كان الداء قد استقر في جذورها ..
ولهذا لم يكن سؤال الدكتور مسفر ..
“كيف أوقف هذا المعلم؟”
بل كان سؤاله الأعمق ..
“من الذي أوصل هذا المعلم إلى هذه الصورة؟”
وما أبعد المسافة بين السؤالين ..
ومن أعجب ما يكشفه هذا الموقف ..
أن كثيرًا من الناس لا يعيشون حياتهم كما يريدون ..
وإنما كما يريد لهم الآخرون ..
قد يبدو هذا الكلام مبالغًا فيه لأول وهلة ..
لكنه واقع يتكرر كل يوم ..
فكم من إنسان غيّر لهجته لأنه جلس مع قوم يستهزئون بلغته ..
وكم من شاب تبدلت أخلاقه لأنه خشي أن يُوصم بالضعف أمام رفاقه ..
وكم من موظف دخل عمله وهو يحمل أجمل المبادئ ..
ثم خرج بعد سنوات نسخة باهتة لا تشبه نفسه الأولى ..
لأن البيئة التي عاش فيها كانت تعاقب كل فضيلة ..
وتصفق لكل سلوك خاطئ ..
إن ضغط الجماعة لا يأتيك دائمًا في صورة أمر مباشر ..
بل يأتيك في صورة ضحكة ..
أو كلمة ساخرة ..
أو لقب يلاحقك ..
أو نظرة استهزاء ..
ثم تجد نفسك ..
مع مرور الأيام ..
تغيّر سلوكك كله حتى تتخلص من تلك النظرات ..
فتظن أنك اخترت ذلك بإرادتك ..
بينما الحقيقة أنك كنت تستجيب لضغط خفي لا يكاد يُرى ..
وهذا ما حدث لذلك المعلم ..
لم يكن يقف في الممر لأنه يكره المشرف ..
ولم يكن يستفزه لأنه يحمل في قلبه عداوة شخصية ..
بل لأنه كان يؤدي دورًا ينتظره منه جمهور صغير داخل غرفة المعلمين ..
لقد أصبح أسير تصفيقهم ..
وكان ثمن ذلك أن يخسر نفسه ..
ولذلك فإن أخطر خسارة في حياة الإنسان ليست أن يخسر وظيفة ..
ولا أن يخسر منصبًا ..
ولا حتى أن يخسر مالًا ..
إن أخطر خسارة أن يفقد استقلاله الداخلي ..
أن يصبح لا يغضب إلا إذا غضب الناس ..
ولا يرضى إلا إذا رضي الناس ..
ولا يخاصم إلا إذا طلب الناس منه الخصومة ..
وحينها لا يعود يعيش حياته ..
وإنما يعيش حياة الآخرين داخله ..
ومن هنا كان هذا الموقف درسًا في الحرية الفكرية قبل أن يكون درسًا في التربية ..
فالإنسان الحر ليس الذي يقول ما يشاء ..
بل الذي لا يسمح لأحد أن يستأجر عقله أو يقود مشاعره ..
ومن أروع ما يلفت النظر في هذا المشهد ..
أن الدكتور لم يكن يواجه كلمات الرجل ..
بل كان يواجه المستقبل الذي ينتظره إن استمر على هذا الطريق ..
فالعبارة التي قالها له ..
«كيف سمحت لهم أن يديروا عقلك؟»
ليست عتابًا على موقف عابر ..
وإنما إنذار مبكر لإنسان قد يخسر حياته كلها إذا ظل يعيش بعقول الآخرين ..
وكم من إنسان انتهى به الأمر إلى الندم ..
لأنه لم ينتبه إلى هذا المعنى إلا بعد فوات الأوان ..
فالذي يسلم قراراته للناس اليوم ..
سيسلم مبادئه غدًا ..
ثم يسلم عمره كله بعد ذلك ..
حتى يستيقظ يومًا فلا يجد من نفسه إلا الاسم ..
وهنا يظهر وجه آخر من وجوه الحكمة التربوية ..
لقد كان بإمكان الدكتور أن يكسب المعركة بسهولة ..
كانت اللوائح معه ..
وكان التقصير ظاهرًا ..
وكانت الشكوى قد ارتدت على صاحبها ..
لكن المربي الحقيقي لا يبحث عن أن يربح القضية ..
بل يبحث عن أن يربح الإنسان ..
وهذا هو الفارق بين من يدير العمل ..
ومن يصنع الأثر ..
فالعمل قد ينجز بالأنظمة ..
أما الإنسان فلا يبنيه إلا القلب الذي يعرف متى يحزم ..
ومتى يصبر ..
ومتى يعاتب ..
ومتى يربت على الكتف ..
ولذلك ظل هذا المعلم ..
بعد سنوات طويلة ..
يحمل لذلك الموقف امتنانًا صامتًا ..
لأن أحدًا لم يكسر صورته أمام نفسه ..
بل أعاد بناءها ..
ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به كل معلم ..
وكل مدير ..
وكل مشرف ..

بل وكل أب وأم ..
من هذه القصة ..
أن التربية ليست فن إصدار الأحكام ..
إنها فن قراءة البشر ..
وليست براعة المربي في سرعة اكتشاف الخطأ ..
بل في قدرته على اكتشاف الإنسان المختبئ خلف الخطأ ..
فقد يكون السلوك مستفزًا ..
لكن القلب الذي يقف وراءه يستحق أن يُنقذ ..
وهذه هي الرسالة التي جعلت من موقف عابر في ممر مدرسة ..
إرثًا تربويًا يمكن أن يضيء طريق أجيال كاملة ..

وهو أن الإنسان قد يظن أنه يختار ..
بينما هو في الحقيقة يُقاد ..
قد يظن أنه يتكلم من قناعته ..
بينما الكلمات التي ينطق بها ليست إلا صدى لأصواتٍ سمعها مرارًا حتى استقرت داخله ..
وهذا من أخطر ما يصيب النفس البشرية ..
فالتأثير لا يبدأ حين يفرض عليك الآخرون رأيًا ..
بل يبدأ حين يجعلونك تخجل من رأيك ..
وحينها ..
تتنازل عنه بيدك ..
دون أن يطلبه منك أحد ..
ولهذا كانت السخرية عبر التاريخ أداةً أخطر من القوة ..
لأن القوة قد تُخضع الجسد ..
أما السخرية ..
فتُخضع الروح ..
ومن يخضع روحه ..
يسهل بعد ذلك أن يُقاد إلى أي اتجاه ..
ولذلك كان القرآن الكريم شديدًا في التحذير من هذا الباب ..
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾
لأن السخرية ليست مجرد ضحكة ..
إنها صناعةُ إنسانٍ مهزوز ..
وصناعةُ مجتمعٍ يخاف أفراده من أن يكونوا أنفسهم ..
فكل ساخر ..
يدفع إنسانًا آخر خطوةً نحو التزييف ..
وكل ضحكةٍ على حساب أحد ..
قد تصنع في داخله معركةً لا يراها أحد ..
ولهذا لم يكن أولئك الزملاء يدركون أنهم ..
وهم يضحكون في غرفة المعلمين ..
كانوا يعيدون تشكيل شخصية زميلهم يومًا بعد يوم ..
ولم يكونوا يعلمون أن الكلمة التي يطلقونها ثم ينسونها بعد دقائق ..
قد تبقى في صدر صاحبها سنوات ..
ولعل هذا يفسر لنا كثيرًا من التحولات التي نراها في البيئات المهنية ..
فكم من موظفٍ دخل عمله هادئًا ..
ثم خرج منه عصبيًّا ..
وكم من معلمٍ دخل الميدان محبًّا لرسالته ..
ثم خرج يكرهها ..
وكم من قائدٍ كان واسع الصدر ..
ثم أصبح لا يحتمل كلمة ..
ليس لأن طباعهم تبدلت وحدها ..
بل لأن البيئة كانت تعيد نحتهم كل يوم ..
ولهذا فإن أعظم ما يملكه الإنسان ..
أن يحسن اختيار البيئة التي يعيش فيها ..
فالبيئة ليست مكانًا ..
البيئة ..
مجموعةُ أصوات ..
إذا كانت ترفعك ..
ارتفعت ..
وإذا كانت تُصغِّرك ..
صغرت ..
ولهذا قال الحكماء قديمًا:
“الصاحب ساحب.”
ولم يقولوها من باب المبالغة ..
بل لأن الإنسان يتشرب أخلاق من يطيل الجلوس معهم ..
كما تتشرب الأرض ماء المطر ..
فإن كان الماء عذبًا ..
أنبتت زهرًا ..
وإن كان آسنًا ..
أنبتت شوكًا ..
ومن هنا نفهم لماذا كان النبي ﷺ يعتني بالصحبة عنايةً عظيمة ..
ولم يكن يحذر من الفاسد لأنه يؤذيك مباشرة ..
بل لأنه يعيد تشكيلك وأنت لا تشعر ..
ولهذا قال ﷺ:
«المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.»
إنها ليست دعوة لاختيار صديق فقط ..
بل دعوة لاختيار النسخة التي ستصبحها بعد سنوات ..
فكل من تجالسه طويلًا ..
يترك شيئًا منه فيك ..
إما نورًا ..
وإما ظلامًا ..
ولهذا كان الدكتور ..
بعد أن عرف حقيقة ما يجري ..
لم يعد ينظر إلى الرجل وحده ..
بل صار ينظر إلى الجو كله ..
إلى الكلمات التي كانت تُقال في غيابه ..
إلى الضحكات ..
إلى التعليقات ..
إلى الثقافة الصغيرة التي نشأت داخل غرفة المعلمين ..
لأن المشكلات الكبيرة ..
كثيرًا ما تبدأ من ثقافة صغيرة ..
ثقافةٍ تتسامح مع الاستهزاء ..
ثم تتسامح مع التحريض ..
ثم تتسامح مع الظلم ..
ثم تستغرب بعد ذلك كيف فسدت العلاقات ..
إن العلاقات لا تنهار فجأة ..
بل تتآكل ببطء ..
كما تتآكل الصخور بقطرات الماء ..
ولذلك فإن القائد الحكيم لا يصلح الأشخاص فقط ..
بل يصلح المناخ الذي يعيشون فيه ..
لأنه يعلم أن إصلاح فردٍ واحد داخل بيئةٍ فاسدة ..
يشبه غرس زهرةٍ في أرضٍ مالحة ..
لن تلبث أن تذبل ..
أما إذا صلحت الأرض ..
فإن الزهر يخرج وحده ..
وهذه من أعظم الرسائل التي تتركها هذه القصة ..
فالتربية ليست علاج الأفراد فحسب ..
بل صناعة البيئات ..
لأن البيئة الصالحة ..
تفعل في الإنسان أحيانًا ما لا تفعله مئات المواعظ ..
ولهذا كان النبي ﷺ حين بنى المجتمع في المدينة ..
لم يبدأ بتغيير الأشخاص واحدًا واحدًا ..
بل بنى المناخ كله ..
حتى أصبح الخير هو الشيء الطبيعي ..
وصار الشر هو الغريب ..
وعندها ..
صار الناس يعين بعضهم بعضًا على الاستقامة ..
بدل أن يعين بعضهم بعضًا على الانحراف ..
وهذه هي المدرسة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى ..
مدرسةٌ لا تكتفي بأن تُخرج معلمين أكفاء ..
بل تُخرج بيئاتٍ لا تسمح للإنسان أن يخسر نفسه وهو يحاول أن يرضي الآخرين ..

وبعد سنوات  .. ربما نسي ذلك المعلم تفاصيل الكلمات ..
ونسي الممرات ..
ونسي حتى تاريخ الزيارة ..
لكنه لم ينسَ إنسانًا اختار أن يفهمه قبل أن يحكم عليه ..
وهذا هو الفارق بين من يغيّر السلوك .. ومن يغيّر الإنسان ..
فالسلوك قد يعود ..
أما القلب إذا استيقظ .. فإنه لا يعود كما كان ..
ولهذا لم تكن أجمل نتيجة في هذه القصة أن معلمًا تغيّر ..
بل أن مشرفًا أثبت أن التربية ما زالت قادرة على الانتصار على العقوبة..
وأن الإنسان .. إذا وجد من يقرأ ألمه قبل خطئه .. فقد يبدأ من جديد .

gemini generated image 14lcmo14lcmo14lc

إن كانت القراءة السابقة محاولة لفهم ما وراء الكلمات  .. فهذه هي الكلمات نفسها .. كما رواها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حفظه الله ..

أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ٧ صفر ١٤٤٨
٢١ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *