ثمة دروسٌ لا تأتي إلينا في هيئة محاضراتٍ طويلة .. ولا في صفحات الكتب .. ولا حتى في لحظات الهدوء ..
تأتي فجأة .. كقطرة مطر ..
تهبط على كتفك دون أن تستأذن .. ثم تمضي .. لكنها تترك في داخلك سؤالًا لا يغادر :
كيف سأتعامل مع ما لا أستطيع منعه؟
هذه هي الحياة ..
لا تسألك قبل أن ترسل إليك ما تحب .. أو ما تكره ..
ولا تستأذن حين تُسقط في طريقك إنسانًا غاضبًا .. أو كلمةً جارحة .. أو موقفًا لم يكن في الحسبان ..
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان .. ليس ما يحدث له .. بل اعتقاده أن الدنيا كان ينبغي أن تسير كما يريد ..
ولهذا جاءت الفكرة التي طرحها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في تسجيله الصباحي مختلفةً في بساطتها .. وعميقةً في أثرها ..
لم يحدثنا عن المطارات لأنها مطارات ..
ولم يكن يقصد صالات الانتظار لذاتها ..
بل أراد أن يمنحنا طريقةً أخرى للنظر إلى الحياة ..
وقدّم ما يمكن أن نسميه :
استراتيجية المطار.
أن تدخل الحياة كما يدخل المسافر صالة الانتظار .. مستعدًا لما قد يتغير .. لا متفاجئًا به ..
فالرحلات قد تتأخر .. والبوابات قد تتبدل .. لكن المسافر الحكيم لا يخاصم المطار .. بل يعيد ترتيب نفسه ..
فالإنسان حين يدخل المطار .. يعرف منذ البداية أن التأخير احتمالٌ وارد ..
وقد يُعلن تغيير البوابة ..
وقد تتأخر الرحلة ..
وقد يُعاد ترتيب المواعيد كلها ..
ومع ذلك .. لا يقف في منتصف الصالة غاضبًا من السماء .. ولا يصرخ في وجه لوحة المواعيد .. ولا يخاصم المسافرين لأن الطائرة لم تقلع في وقتها ..
إنه يدرك أن بعض الأشياء ليست في يده ..
ولهذا يوجّه كل طاقته إلى الشيء الوحيد الذي يملكه ..
طريقة تعامله مع الموقف.
وهنا تبدأ الحكمة ..
فالإنسان لا يعيش بين الأفعال فقط .. بل يعيش بين الأفعال .. وبين ردود أفعاله ..
ولهذا كان الدكتور يؤكد أن شخصية الإنسان لا تُعرف من هدوء الأيام .. وإنما من اللحظة التي تُختبر فيها نفسه ..
فنحن لا نصف إنسانًا بالحليم لأنه يقول إنه حليم ..
بل لأننا رأيناه حين أُسيء إليه .. فاختار الحلم ..
ولا نصفه بأنه يدير غضبه لأنه يرفع شعاراتٍ جميلة ..
بل لأننا شهدناه ساعة الغضب .. فلم يسمح لغضبه أن يقوده ..
فالصفات الكبيرة ليست أقوالًا ..
إنها ردود أفعال ..
ولذلك يقال إن أكثر ما يصنع شخصية الإنسان ليس ما يحدث له .. بل ما يختاره بعد أن يحدث ..
وهنا جاء التشبيه الذي اختصر الفكرة كلها ..
قال ما معناه :
إن نزول المطر ليس بيدك ..
لكن فتح المظلة .. بيدك ..
يا لها من صورةٍ تختصر أعمارًا من التجارب ..
فكم من إنسانٍ أضاع سنواتٍ وهو يحاول إيقاف المطر ..
ولم يخطر بباله أن يبحث عن مظلة .
وهنا يكمن الفرق بين من يعيش أسير الظروف .. ومن يعيش سيدًا على نفسه ..
وأدركت أن أعظم ما يبنيه الإنسان ليس صورته أمام الناس .. بل طريقته في إدارة نفسه ..
فليس الشجاع من لم يتعرض للإساءة ..
وليس الحكيم من لم يواجه الجاهلين ..
وليس الناجح من خلا طريقه من العقبات ..
إنما الشجاعة .. والحكمة .. والنجاح .. أن تظل قادرًا على اختيار ردِّ فعلك .. مهما اضطربت الدنيا من حولك ..
ولهذا لم يكن حديث الدكتور دعوةً إلى الاستسلام .. كما قد يظن بعض الناس ..
ولم يكن يدعو إلى الصمت الذي يولده الضعف .. أو العفو الذي يفرضه العجز ..
بل كان يفرق بين أمرين يختلطان على كثير من الناس ..
أن تتجاوز .. لأنك لا تستطيع الرد ..
وأن تتجاوز .. لأنك تستطيع .. لكنك رأيت أن التجاوز أصلح ..
شتان بين الموقفين ..
فالأول يُولد في القلب مرارةً مكتومة ..
أما الثاني .. فيولد سكينة ..
ولهذا جاء التوجيه الرباني بالغ الدقة :
﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾
تأمل الكلمة الثانية ..
وأصلح.
فليس كل عفوٍ إصلاحًا ..
وليس كل مواجهةٍ خطأ ..
إنما الحكمة أن تعرف متى يكون التجاوز هو القوة .. ومتى يكون الحزم هو الرحمة ..
ومن هنا تتغير نظرتنا إلى المواقف كلها ..
فالكلمة الجارحة ليست هي المشكلة ..
بل الطريقة التي سمحنا بها لها أن تستقر في داخلنا ..
والنقد ليس هو الذي يهزم الإنسان ..
بل استسلامه له ..
والإساءة لا تصنع التعاسة .. إذا لم نصنع لها مكانًا في قلوبنا ..
ولهذا كان الدكتور يكرر معنىً بديعًا .. وإن لم يقله بهذه الألفاظ ..
إن الحياة لا تمنح أحدًا حق اختيار كل ما يقع له ..
لكنها منحت كل إنسان حق اختيار نفسه ..
وهذا الحق .. هو أثمن ما يملكه الإنسان ..
فقد تستطيع أن تمنع شخصًا من الدخول إلى بيتك ..
لكنك لا تستطيع أن تمنع الناس من الحديث عنك ..
وقد تستطيع أن تغلق باب مكتبك ..
لكن لن تستطيع أن تغلق أفواه البشر ..
سيختلفون ..
وسينتقدون ..
وسيحكمون عليك بما يعرفون .. وبما لا يعرفون ..
هكذا كانت الدنيا ..
وهكذا ستبقى ..
ومن يحاول أن يقضي عمره في إسكات الناس .. سيكتشف متأخرًا أنه نسي أن يسمع صوته الداخلي ..
ولهذا كان أجمل ما في هذه الاستراتيجية أنها لا تستهلك طاقتك في معركةٍ خاسرة ..
فهي لا تسألك أن تغيّر الغيم ..
بل أن تعتني بالمظلة ..
ولا تطلب منك أن تبدّل طبائع البشر ..
بل أن تسمو بطبيعتك أنت ..
وهنا يبدأ التحول الحقيقي ..
لأن الإنسان الذي يتقن إدارة نفسه .. يصبح أقل انشغالًا بإدارة الآخرين ..
وأكثر قدرةً على حفظ طاقته لما ينفع ..
ولذلك ختم الدكتور هذه الفكرة بعبارة تستحق أن تُكتب بماء الذهب .. حين أكد أن هذه الاستراتيجية ليست للحياة العامة فحسب ..
بل هي من أهم ما يحتاجه المدرب داخل قاعة التدريب وخارجها ..
فالمدرب لا يملك أن يمنع الأسئلة المفاجئة ..
ولا الاعتراضات ..
ولا اختلاف الطباع ..
ولا حتى سوء الفهم أحيانًا ..
لكنه يملك شيئًا أعظم ..
أن تبقى طاقته الإيجابية أعلى من كل تلك المواقف ..
فالمدرب الذي يستهلكه كل تعليق .. لن يبقى لديه ما يقدمه بعد قليل ..
أما الذي يحمل مظلته الفكرية والنفسية .. فإنه يعبر العاصفة .. ويصل إلى جمهوره .. وقلبه لا يزال ممتلئًا بالعطاء ..
وهنا أدركت أن المظلة التي قصدها الدكتور .. لم تكن من قماش ..
كانت .. طريقةً في التفكير .
ثم خطر لي سؤالٌ آخر ..
إذا كانت المظلة تحمينا من مطر السماء ..
فما الذي يحمينا من مطر الناس ؟
ذلك المطر الذي لا يسقط ماءً ..
بل كلمات ..
ونظرات ..
وسوء فهم ..
واختلاف طباع ..
هنا لم يتوقف الدكتور عند إدارة الغضب وحدها ..
بل فتح بابًا آخر لا يقل أهمية ..
فليست البطولة أن تنتصر في كل موقف ..
بل أن تعرف أيَّ المواقف يستحق أن تخوضه .. وأيَّها يكفي أن تمر به مبتسمًا .
ولهذا كان يقول إن الإنسان لا يستطيع أن يكمم أفواه البشر ..
سيظل الناس يتكلمون ..
يمدحون حينًا ..
وينتقدون حينًا ..
ويخطئون في الفهم أحيانًا ..
وهذه سنة الحياة ..
لكن الخطأ أن نجعل كل كلمةٍ تُقال عنا تتحول إلى معركة داخلنا ..
فالطاقة التي تُستنزف في ملاحقة الناس ..
هي نفسها الطاقة التي كان يمكن أن تُبنى بها فكرة ..
أو يُصلح بها عمل ..
أو يُصنع بها أثر ..
ولذلك لم يكن يتحدث عن الهدوء بوصفه خمولًا ..
بل بوصفه اقتصادًا في النفس .
أن تحتفظ بقوتك لما يستحقها ..
فالمدرب .. كما أكد .. لا يحتاج إلى أن ينتصر في كل نقاش ..
بل يحتاج إلى أن يصل إلى نهاية يومه ..
وما زالت لديه القدرة على العطاء ..
ولهذا قال بوضوح :
إن هذه الاستراتيجية يحتاجها المدرب داخل قاعة التدريب وخارجها .
لأن القاعة ليست دائمًا مليئة بالتصفيق ..
وقد يأتي سؤالٌ حاد ..
أو تعليقٌ مستفز ..
أو اعتراضٌ غير منصف ..
فإن كان كل موقفٍ يسحب من طاقته شيئًا ..
فلن يبقى لديه ما يقدمه قبل أن ينتهي اللقاء ..
ومن هنا فهمت معنىً آخر ..
ليس النجاح أن تدخل القاعة بطاقتك كاملة ..
بل أن تخرج منها ..
وما زال في قلبك شيءٌ تعطيه ..
ثم انتقل الدكتور إلى منطقةٍ أكثر هدوءًا ..
لكنها في الحقيقة أشد عمقًا ..
لم يتحدث عن الذوق بوصفه قواعد جامدة ..
ولم يقدمه على أنه مظهرٌ اجتماعي ..
بل رآه أثرًا للتربية .. وصورةً لاحترام الإنسان لمن حوله .
فكم من التفاصيل الصغيرة التي نظنها عابرة ..
هي في الحقيقة التي تكشف معدن الإنسان ..
كيف يجلس ..
ومتى يتكلم ..
ومتى يصمت ..
وكيف يراعي مشاعر من حوله ..
كلها أشياء لا تُقاس بالشهادات ..
لكنها تُقاس بالرقي ..
وهنا توقفت طويلًا عند عبارةٍ لم يقلها نصًا ..
لكنها كانت حاضرة في كل حديثه :
إن الإنسان لا يُصنع بالمواقف الكبيرة وحدها ..
بل تصنعه العادات الصغيرة التي يكررها كل يوم .
فالذوق ليس موقفًا عابرًا ..
بل أسلوب حياة ..
ومن يعتد احترام التفاصيل ..
يحترم الناس قبل أن يطلب احترامهم .
ولعل أجمل ما في حديث الدكتور أنه لم يكتفِ بالمبدأ .. بل أعطاه حياة .
روى موقفًا عابرًا في أحد المطاعم .. حين جلس مع ابنه .. ولاحظ رجلًا يمدُّ قدمه في اتجاه الجالسين .
لم يغضب .
ولم يسخر .
ولم يحوِّل الموقف إلى خصومة .
اختار أن يغيّر مكانه .. ثم عاد إلى الرجل بابتسامة .. واستأذنه في كلمة .. وأخبره بهدوء أن اتجاه القدم قد يؤذي من حوله .. وأنه أراد فقط أن ينبّهه .
انتهى الموقف في لحظات .. لكن أثره بقي .
وهنا تتجلى التربية في أجمل صورها .
فالذوق ليس أن ترى الخطأ ثم تشيع الحديث عنه .
وليس أن تفضح صاحبه .
وليس أيضًا أن تصمت إذا كان التنبيه ينفع .
إنما أن تجمع بين الأدب في النصيحة .. والرحمة في الأسلوب .. واحترام كرامة الإنسان .
ولذلك قال الدكتور كلامًا يستحق أن نتأمله طويلًا :
إن كثيرًا من الناس لا يخطئون لأنهم سيئون .. بل لأن أحدًا لم يعلّمهم .
كم من عادةٍ ظنها صاحبها طبيعية .. وهي تؤذي غيره .
وكم من تفصيلٍ صغيرٍ غاب عن طفلٍ في بيته .. ثم كبر معه حتى ظنه جزءًا من شخصيته .
ولهذا لا تُصنع الذوقيات في القاعات .. بل تُصنع أولًا على موائد البيوت .
هناك .. حيث ينبّه الأب ابنه برفق .
وتهمس الأم لابنتها بما لا يكتبه كتاب .
وتنتقل القيم من جيلٍ إلى جيل .. لا بالمحاضرات .. بل بالمواقف اليومية الصغيرة .
لكن الدكتور لم يتوقف عند الذوق .. بل مضى إلى ما هو أعمق منه .
فالذوق قد يُرى بالعين .. أما الإنصات فلا يراه أحد .. لكنه يُسمع في كل حديث .
وهنا لامس قضيةً تستحق أن تُكتب وحدها في كتاب .
قال ما معناه :
إننا نقيم الدورات في فن الإلقاء .. ونتحدث طويلًا عن مهارات التأثير .. وكيفية الوقوف أمام الجمهور .. وكيف نبني العرض .. وكيف نختار نبرة الصوت ..
لكننا نادرًا ما نسأل :
من يعلّم الناس كيف يستمعون ؟
يا له من سؤال .
لقد اعتدنا أن نعدَّ المتحدث البارع موهوبًا ..
ونسينا أن المتحدث العظيم كان يومًا مستمعًا عظيمًا .
فالإنصات ليس سكوتًا .
ولو كان سكوتًا .. لكان كل صامتٍ حكيمًا .
إنه حضور .
أن تنصت بعقلك قبل أذنك .
أن تمنح من أمامك فرصةً ليكمل فكرته .. قبل أن تسابقه إلى رأيك .
أن تؤجل حكمك .. حتى تكتمل الصورة .
ولذلك لم يكن الدكتور يتحدث عن مهارةٍ ثانوية ..
بل عن خلقٍ يبني الإنسان من الداخل .
فالمنصت لا يجمع الكلمات ..
إنه يجمع البشر .
ولهذا ترى الناس يطمئنون إلى من يشعرون أنه يسمعهم حقًّا .
أما الذي ينتظر انتهاء حديث الآخرين ليبدأ حديثه ..
فهو لم يكن منصتًا أصلًا .
لقد كان ينتظر دوره في الكلام .
وهنا انتقل الدكتور إلى صورةٍ نعيشها كل يوم .. حتى في العالم الرقمي .
فالإنصات لا يكون في المجالس وحدها ..
بل حتى في الرسائل .. وفي الحوارات المكتوبة .
كم من نقاشٍ يفسده شخصٌ دخل متأخرًا .. ولم يقرأ ما سبق .. ثم عاد يناقش نقطةً تجاوزها الجميع منذ زمن .
ليس لأنه سيئ النية ..
بل لأنه لم يُحسن الإنصات .
وكأن الإنصات لا يبدأ من الأذن ..
بل يبدأ من احترام الوقت .. واحترام تسلسل الفكرة .. واحترام عقول الآخرين .
ولهذا كان الدكتور يلفت النظر إلى أمرٍ يغيب عن كثيرين :
أن ليس كل ما يخطر ببالك يستحق أن يُقال في اللحظة نفسها .
فبعض الآراء لا تموت إذا تأخرت دقائق ..
لكنها قد تُربك الحوار كله إذا جاءت في غير موضعها .
ومن أجمل ما فهمته من حديثه ..
أن الحكمة ليست في أن يكون لك رأي في كل شيء .
بل في أن تعرف ..
متى يكون الصمت أبلغ من الكلام .
وهنا أدركت أن الإنصات ليس مهارةً للتواصل فحسب ..
بل تدريبٌ للنفس على التواضع .
فالمتكبر يتكلم ليُثبت أنه يعرف .
أما المنصت ..
فيستمع لأنه يؤمن أن عند الآخرين ما يستحق أن يُسمع .
ولعل لهذا السبب كُتبت في الإنصات مؤلفاتٌ لا تكاد تُحصى ..
بينما لا يزال كثيرٌ منا يظنه مجرد عادةٍ فطرية .
والحق ..
أنه من أصعب الفنون .
فالكلام يمنحك فرصة أن تُظهر نفسك ..
أما الإنصات ..
فيمنحك فرصة أن ترتقي بنفسك .
ولعل أجمل ما خرجتُ به من هذا التسجيل .. أن الدكتور لم يكن يتحدث عن مهاراتٍ متفرقة .
لم يكن يتحدث عن العفو وحده ..
ولا عن الذوق وحده ..
ولا عن الإنصات وحده ..
بل كان يرسم ملامح الإنسان الذي يستطيع أن يعيش بين الناس دون أن يفقد نفسه .
فالذي يحسن إدارة ردود أفعاله .. أقرب إلى الحلم .
والذي يقتصد في طاقته .. أقدر على العطاء .
والذي يربي نفسه على الذوق .. أكثر احترامًا للناس .
والذي يتقن الإنصات .. أحسن فهمًا للحياة .
وهذه الصفات لا تُولد مع الإنسان .
إنها تُبنى ..
وتُهذَّب ..
وتُراجع كل يوم ..
ولسنا نبحث عن إنسانٍ كامل ..
فالمثالية المطلقة لا تنتمي إلى الأرض ..
بل إلى السماء ..
أما الإنسان ..
فحسبه أن يجاهد نفسه كل يوم ..
ليكون اليوم أفضل مما كان بالأمس ..
وأقرب إلى الاتزان مما كان عليه قبل ساعة ..
فنحن لسنا مطالبين بالعصمة ..
وإنما مطالبون بحسن المجاهدة ..
وبصدق السعي إلى تهذيب النفس كلما زلت أو ضعفت .
ولهذا كان حديثه كله يدور حول فكرةٍ واحدة .. وإن تعددت الأمثلة :
أن الإنسان مشروعٌ لا يكتمل .
فكل يوم يمنحك فرصةً جديدة لتصلح عادةً ..
أو تهذب كلمةً ..
أو تضبط انفعالًا ..
أو تعتذر عن خطأ ..
أو تتجاوز عن إساءة .
ومن هنا لا يكون النجاح لحظة تصفيق ..
بل سلسلة اختياراتٍ صغيرة .. لا يراها الناس في الغالب .
وربما لهذا السبب كان الدكتور يكرر أن المدرب يحتاج إلى أن تبقى طاقته الإيجابية في أعلى مستوياتها .
لأن من يستنزفه كل موقف .. لن يبقى لديه ما يمنحه لغيره .
ومن يحمل همَّ الرد على كل كلمة .. سيفقد لذة الكلمة التي كان يريد أن يقولها .
فالطاقة ليست رفاهية .
إنها رأس مال المربي ..
والمعلم ..
والمدرب ..
وكل من اختار أن يكون أثرًا في حياة الآخرين .
وكلما أحسن الإنسان إدارة نفسه .. أحسن إدارة رسالته .
وعندما انتهى التسجيل .. لم أشعر أنني استمعت إلى حديثٍ عن “استراتيجية” فحسب .
بل شعرت أنني خرجت بخارطة طريق .
خارطة تقول لك :
لن تمنع المطر ..
لكن يمكنك أن تبقى جافًا .
ولن تمنع الناس من الكلام ..
لكن يمكنك أن تمنع كلماتهم من أن تعبث بقلبك .
ولن تجعل الدنيا تسير كما تريد ..
لكن يمكنك أن تجعل نفسك تمضي فيها كما ينبغي .
وهذا .. في ظني .. هو أعظم انتصارٍ يحققه الإنسان .
ليس على الناس ..
بل على نفسه .
ثم أدركتُ لماذا عاد الدكتور بعد ساعاتٍ ليضيف حديثًا آخر ..
فالفكرة لم تكن قد انتهت .. بل كانت تنتظر أن تُترجم إلى واقع ..
فاستراتيجية المطار ليست فكرةً جميلة نرددها .. ولا عبارةً تحسن أن تُقتبس ..
إنها أسلوبُ حياة ..
ولهذا خصَّ المدرب بالذكر ..
فالمدرب لا يبدأ برنامجه حين يمسك الميكروفون .. بل يبدأه قبل ذلك بساعات ..
حين يختار أن ينام نومًا يكفيه ..
وأن يصل قبل الموعد بوقتٍ يطمئن فيه ..
وأن يحمل معه كل ما يحتاج إليه حتى لا يسرق القلق حضوره ..
وأن يحفظ جسده من الجوع والإرهاق ..
وأن يبتعد عن كل ما يعكر صفو نفسه قبل أن يقف أمام الناس ..
لأنه يدرك أن التدريب لا يستهلك صوته .. بل يستهلك قلبه ..
ويستهلك تركيزه ..
ويستهلك طاقته ..
ومن دخل القاعة وقد استنزفته التفاصيل الصغيرة .. خرج منها .. وقد فقد أجمل ما يملكه ..
ولهذا لم يكن الدكتور يوصي المدرب بحماية وقته فحسب .. بل بحماية مزاجه ..
فالمزاج الهادئ ليس رفاهيةً عند من يحمل رسالة .. بل جزءٌ من الرسالة نفسها ..
فالمدرب الذي يدخل القاعة مثقلًا بالانفعالات .. لن يستطيع أن يمنح الطمأنينة لأحد ..
أما الذي أتقن حمل مظلته .. فسيمرُّ بالمواقف المزعجة .. كما يمر المسافر بالمطر ..
يراه . لكنه لا يسمح له أن يبلل رحلته ..
وعندها فقط اكتملت الصورة ..
فاستراتيجية المطار ليست للمطارات ..
ولا للمسافرين ..
ولا حتى للمدربين وحدهم ..
إنها لكل إنسانٍ فهم أن الحياة لن تتوقف لتمنحه الظروف التي يريدها .
لكنها تمنحه .. كل صباح .. فرصةً جديدة ليختار نفسه ..
ربما لن نستطيع أن نغيّر الطقس .
ولن نستطيع أن نغيّر الناس ..
ولن نستطيع أن نمنع الكلمات ..
لكننا نستطيع .. في كل يوم .. أن نقرر أيَّ إنسانٍ سنكون ..
وهل سنخرج إلى الحياة حاملين غضبنا ..
أم حاملين مظلتنا .

أثر لاينسى
جدة
الجمعة ٣ صفر ١٤٤٨
١٧ يوليو ٢٠٢٦

