ليست كل الكلمات التي تُسعدنا .. تنفعنا .
فبعض الكلمات تشبه الوسادة .. مريحة .. دافئة .. لكنها تجعل العقل ينام .
وربما لهذا السبب .. يمضي بعض الناس أعمارهم وهم يظنون أنهم يتقدمون .. بينما هم في الحقيقة يدورون في المكان نفسه .
ليست المشكلة أنهم لا يسمعون المديح .. بل أنهم يسمعونه في الوقت الخطأ .
فقد تكون كلمةٌ واحدة مثل : «أحسنت .» أقوى في إيقاف التفكير .. من ألف خطأ .
وقد تكون عبارة : «رائع .» هي آخر محطة يصل إليها العقل .. لأنه يظن بعدها أن الرحلة انتهت .
أما السؤال .. فهو لا يمنح العقل مكانًا يستريح فيه .
إنه يدفعه خطوةً أخرى .
ولهذا كان أعظم المربين عبر التاريخ لا يكتفون بإعطاء الأجوبة .. بل كانوا يوقظون الأسئلة .
وفي مساء هذا اليوم .. لم يطرح الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني درسًا في التدريب .. ولم يتحدث عن مهارةٍ من مهارات الإلقاء أو العرض .. بل طرح سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره .. لكنه كان يخفي وراءه فلسفةً كاملة في صناعة العقول .
سأل أعضاء مجموعة «مدربون ومدربات مبدعات» :
«لو سألك سائل : أيُّ الألفاظ هذه تكبح التفكير ؟ ممتاز جدًا .. رائع .. أحسنت .. فكرة مضحكة .. خطأ .. أنت مدهش .»

تسابقت الإجابات .
واختلفت التوقعات .
ثم جاءت المفاجأة ..
قال الدكتور :
«ممتاز ورائع .. أبشع مليون مرة من كلمة : خطأ .»
توقفت عند هذه العبارة طويلًا ..
ليس لأنها صادمة .. بل لأنها قلبت شيئًا كنا نظنه بديهيًا .
فكيف يمكن أن تكون كلمةٌ جميلة .. أخطر على التفكير .. من كلمةٍ يهرب منها الناس ؟
وهنا ..
بدأ الدرس الحقيقي .
ثم كشف الدكتور مسفر فرقًا دقيقًا لا ينتبه إليه كثير من المربين .. فالكلمة نفسها قد تكون علاجًا .. وقد تكون عائقًا .
ليست المشكلة في قولك : “أحسنت” أو “ممتاز” .. وإنما في اللحظة التي تُقال فيها .
فقد تكون خاتمةً جميلة لرحلة تفكيرٍ عميقة .. وقد تكون نهايةً مبكرة لرحلةٍ لم تبدأ بعد .
ثم بدأ الدكتور يشرح فكرته .. لكنه لم يبدأ من الألفاظ نفسها .. بل من الأسئلة السابرة .
قال إن هذه العبارات قد تكون منطقية في موضع واحد فقط .. حين تأتي بعد سلسلة من الأسئلة التي تُعمِّق التفكير .. وتكشف طريقة بناء الفكرة .. وتدفع الإنسان إلى أن يكتشف الجواب بنفسه .
أما أن تُقال في أول الطريق .. فإنها لا تفتح العقل .. بل تغلقه .
وهنا أدركت أن القضية لم تكن في كلمة “ممتاز” .. ولا في كلمة “رائع” .. وإنما في التوقيت .
فالطبيب قد يعطي الدواء نفسه .. لكنه إذا أعطاه في غير وقته .. صار ضررًا بدل أن يكون نفعًا .
وكذلك الكلمات .
إنها ليست أصواتًا تخرج من الأفواه .. إنها مفاتيح .
والمفتاح الذي يفتح بابًا في لحظة .. قد يغلقه في لحظة أخرى .
فالإنسان حين يسمع : “أحسنت” قبل أن يفتش في فكرته .. وقبل أن يعيد النظر في منطقه .. وقبل أن يكتشف مواطن القوة والضعف في إجابته .. يشعر .. من حيث لا يشعر .. أن المهمة انتهت .
وحين تنتهي المهمة .. يتوقف العقل عن العمل .
أما السؤال .. فإنه يفعل العكس تمامًا .
السؤال لا يمنح العقل وسادةً يستريح عليها .. بل يمنحه طريقًا يسير فيه .
ولهذا كانت الأستاذة شريفة الغامدي أقرب الجميع إلى الفكرة .. حين كتبت :
“كل ما سبق .. شيءٌ يُخدِّرني .. وشيءٌ يُحبطني .”
فأثنى عليها الدكتور مباشرة .. لأنها لم تنظر إلى الكلمات بوصفها مدحًا أو ذمًا .. بل نظرت إلى أثرها في التفكير .
وهنا بدأت تتغير نظرتي إلى الحوار كله .
كم مرةً ظننت أنني أشجع إنسانًا .. بينما كنت في الحقيقة أُغلق أمامه بابًا كان يمكن أن يقوده إلى اكتشاف جديد ؟
وكم مرةً قلت لطفل : “ممتاز .” ثم انتقلت إلى غيره .. بينما كان يحتاج سؤالًا واحدًا فقط .. يجعله يرى في رسمته ما لم يره من قبل ؟
وكم مرةً قلت لطالب : “إجابتك صحيحة .” ولم أسأله : كيف وصلت إليها ؟
ولو أنني سألته .. لربما تعلم هو .. وتعلم من حوله .. أكثر مما تعلموه من كلمة الإطراء نفسها .
ولذلك فإن الفرق بين المربي الحقيقي .. ومن يكتفي بإلقاء الكلمات الجميلة .. ليس في كثرة التشجيع .. بل في نوع التشجيع .
فالمربي لا يريد أن يجعل المتعلم سعيدًا بإجابته فقط .. بل يريد أن يجعله قادرًا على إنتاج إجابة أفضل في المرة القادمة .
وهذا لا تصنعه عبارات الثناء السريعة .. بل تصنعه الأسئلة التي توقظ العقل .
ولهذا لم يكن غريبًا أن يكون القرآن الكريم .. وهو أعظم كتاب ربّى العقول .. مليئًا بالأسئلة .
﴿أفلا يتفكرون﴾
﴿أفلا يعقلون﴾
﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾
إن الله سبحانه .. وهو العليم بكل شيء .. لم يكن يسأل لأنه يجهل الجواب .. بل لأنه يريد للإنسان أن يكتشفه بنفسه .
وهكذا يفعل المربون الكبار .
إنهم لا يصنعون أجيالًا تحفظ الأجوبة .. بل يصنعون عقولًا تعرف كيف تبحث عنها .
ثم توقفت عند نفسي قبل أن أتوقف عند الآخرين .
كم مرةً كنت أظن أن التشجيع يعني أن أقول للإنسان :
أحسنت .
ثم أمضي ؟
وكم مرةً كنت أظن أن كلمة :
رائع .
تكفي لتصنع إنسانًا أفضل ؟
لكن الدكتور كشف لنا شيئًا لا ننتبه إليه غالبًا ..
أن الإنسان إذا شعر أنه وصل .. توقّف عن البحث .
وإذا توقّف عن البحث .. توقّف عن النمو .
ولذلك كانت العبارة التي قالها صادمة :
«ممتاز ورائع .. أبشع مليون مرة من كلمة : خطأ .»
وللوهلة الأولى بدت مبالغة .
لكنها لم تكن مبالغة .. بل كانت توصيفًا دقيقًا لما يحدث داخل العقل .
فالخطأ يوجع .. لكنه يوقظ .
أما الثناء المبكر .. فيدغدغ النفس .. ثم يُنيم الفكر .
ولهذا فإن كلمة «خطأ» قد تكون بداية رحلةٍ جديدة .
أما كلمة «رائع» في غير موضعها .. فقد تكون نهاية الرحلة كلها .
ومن هنا فهمت لماذا كانت الحضارات العظيمة تبني مدارسها على السؤال .
ولم يكن الفلاسفة الكبار يُعرفون بكثرة أجوبتهم .. بل بجودة أسئلتهم .
لأن السؤال الجيد يفتح أبوابًا لا تستطيع الإجابة السريعة أن تراها .
ولذلك فإن الفرق بين العقل الحي والعقل الجامد .. ليس في كمية ما يعرف .. بل في عدد الأسئلة التي ما زال يجرؤ على طرحها .
ولعل أخطر ما يفعله الثناء المجاني أنه يسرق من الإنسان أجمل لحظة في رحلة التعلم ..
لحظة الاكتشاف .
فاللذة الحقيقية ليست أن يخبرك أحد أنك رائع .. بل أن تصل بنفسك إلى سببٍ يجعلك أفضل .
ولهذا كان الدكتور يريد أن ينقلنا من ثقافة التصفيق .. إلى ثقافة التفكير .
ومن ثقافة الإعجاب بالإجابة .. إلى الإعجاب بطريقة الوصول إليها .
فالإنسان لا يكبر لأنه قال الجواب الصحيح .. بل لأنه عرف كيف وصل إليه .
ومن هنا أدركت أن أعظم هدية يمكن أن يقدمها معلم لتلميذه .. أو أب لابنه .. أو مدرب لمتدربه .. ليست كلمة مدح .. بل سؤالٌ جديد .
سؤال يتركه يفكر وهو في طريق عودته .
ويوقظه في منتصف الليل .
ويجعله يعود إلى كتبه .
ويغيّر طريقته في النظر إلى الأشياء .
ذلك السؤال الذي لا ينتهي بانتهاء الدرس .. بل يبدأ بعده .
ولهذا لا يبقى أثر المربين الكبار في ذاكرتنا لأنهم أكثر الناس مدحًا .. بل لأنهم أكثر الناس قدرةً على أن يجعلونا نفكر .
ولعل هذا هو السر الذي جعل الدكتور مسفر لا يكتفي بأن يسأل :
«ما الجواب ؟»
بل ظل يسأل طوال رحلتنا معه :
«كيف ؟»
ثم ..
«لماذا ؟»
ثم ..
«وماذا بعد ؟»
حتى أدركنا أن التربية الحقيقية ليست أن تملأ عقل الإنسان بالمعلومات .. بل أن تمنعه من الاكتفاء بها .
ومنذ ذلك المساء .. لم أعد أخاف من كلمة «خطأ» كما كنت أخافها من قبل .. بل أصبحت أخاف من كلمة «أحسنت» إذا جاءت قبل أوانها .
لأن الخطأ قد يكون بابًا إلى الحقيقة .. أما الثناء غير المستحق فقد يكون بابًا إلى الوهم .
ولهذا فإن الأمم لا تتقدم بكثرة المصفقين .. بل بكثرة من يملكون الشجاعة ليسألوا سؤالًا آخر .
وما أجمل أن يكون حولك إنسان لا يسارع إلى إقناعك بأنك بلغت القمة .. بل يأخذ بيدك .. بهدوء .. ليقول :
«أكمل .. فما زال في الأفق متسعٌ لتصبح أفضل .»
فالكلمات التي تُرضي النفس قد تنتهي بانتهاء مجلسها .. أما الأسئلة التي توقظ العقل .. فقد تبقى تعمل في الإنسان .. ما بقي العقل حيًا .

أثر لاينسى
جدة
٢٧ محرم ١٤٤٨
١٢ يوليو ٢٠٢٦

