سأحكي لكم قصتي مع المعلم الملهم السوداني الأستاذ حسن عبدالكريم
والله العظيم لو كان حيا وقابلته لقبلت جبينه
: كاني سمعت انه توفي من سنوات
رحمك الله أيها المعلم النبيل
وجدت صورته صدفة ويبدو انه في أول وصوله للمملكة مع جيل قديم من الطلاب

عندما انتقلت من قريتي الصغيرة إلى مدينة مجاورة كان لهذا الانتقال رهبة في نفوسنا كصغار
من مبنى حكومي عربي قديم يتطاير الغبار من أرضية الصف إلى مبنى أرامكو تصميم ألماني يثير الدهشة مبنى غاية في الفخامة في ممراته وغرفه ومقصفه وكل شيء
في الصف الأول المتوسط كان يدرسنا في اللغة العربية معلم مصري شاب صغير اسمه الأستاذ عاطف يبدو أنه حديث تخرج أو في سنواته المبكرة في عالم التدريس وكان شخصا غاية في اللطف يحبنا ونحبه
اما في السنة التي تليها فكان الأستاذ فوزي فلسطيني الجنسية وكنت اقرا في قسمات وجهه وعينيه تعب السنين وألم الغربة وكان متقدما في السن أو هكذا خيل الي
اما الصف الثالث فكان المعلم فيه الأستاذ حسن عبدالكريم المعلم السوداني الطيب الحبيب وكان في الوقت نفسه امينا على مكتبة المدرسة والمسؤول عن استعارة الكتب
ومع هذا الرجل حصلت على أول تكريم لي في حياتي كطالب فعندما دخلت المكتبة ناداني وقال لي لقد رشحتك كأفضل شخص يرتاد المكتبة وسيتم تكريمك مع الطلاب المتفوقين خلال الحفل السنوي للمدرسة والذي يجتمع فيه الجميع في قاعة واحدة طلابا ومعلمين
كان التكريم الأول لي في حياتي فلم أكن قد كرمت من قبل ثم كيف يتم تكريمي وليس في صفحتي التعليمة ما يشفع لي فلست متفوقا علميا ولست من اهل المهارات والمشاركات الرياضية ولا املك اي موهبة تشفع لي ولو بجائزة قلم رصاص
والعجيب أنني عندما كنت أزور المكتبة لم تكن لي اي رغبة في القراءة سوى قراءة الصفحات الرياضية فقط ولعل الأستاذ حسن عندما يراني أزور المكتبة يوميا أنني اقرا للرافعي والمنفلوطي وطه حسين واحمد امين
كنت انتهي من افطاري سريعا والمكون من حبتين ساندوتش مع بيضة وجبنة ومشروب عادة مايكون بيبسي اقوم بفتح حبات الساندوتش ثم حشو إحداهما بالبيضة والأخرى بجبنة المثلث ثم اركض للمكتبة
طبعا من غير طماط ولا شطة ولا اي شيء اخر
جاء يوم الحفل وتمت مناداة أصحاب التفوق والتميز وهؤلاء ليس لي بهم علاقة لا من قريب ولا من بعيد
ثم صدح مقدم الحفل باسمي وحصولي على جائزة أفضل مرتاد للمكتبة وذهبت وصافحت مدير المدرسة الذي كنت اقرا في عينيه الكثير من المودة تجاهي وسلمني جائزتي وكان عبارة عن ألبوم لحفظ الصور قيمته اتوقع لا تزيد عن خمسة ريالات لكنه كان في نظري أعظم من قيمة سيارة في الوقت الحالي كان سعادتي به لاتوصف اتصفح كل وقتي صفحاته الخالية كل يوم لكوني لا أملك اي صورة لشخصي الكريم حتى اضعها فيه وأظن أنه تآكل وتفتت وتناثر صفحاته بسبب انه جاء عند شخص لا يملك مايستحق ان يضعه في صفحاته
خلوني أعود للأستاذ حسن والذي كنت أعجب من نظره إلى سقف غرفة الصف طوال الوقت ولا اذكر انه نظر الينا كطلاب وهو يشرح درسه والعجيب ان ينبه الطلاب المشاغبين ويطلب منهم الانتباه للدرس مع انه لا ينظر إلى أحد ابدا… لغز عجزت عن فكه وحله حتى هذه الساعة بل الأكثر عجبا انه ينظر إلى الأعلى وهو يمشى حتى في ممرات المدرسة
هذا المعلم الملهم امسك بيدي يوما وقال لي انت عبقري لكنك ستضيع نفسك.. وقتها لم أفهم معنى عبقري كما لم أفهم ما يقصده من اني ساضيع نفسي لكن الأيام أخبرتني كيف ضاعت سنة من عمري وبقي نصف القصة الآخر كيف يمكن أن أكون عبقريا؟ ولكونه لم يتحقق قررت أن تكون رسالة الدكتوراه عن العبقرية أو معنى مقارب لها فكانت عن الإبداع… على الاقل العوض ولا القطيعة.
يوما سأتكلم في سيرتي الذاتية عن ذلك الضياع والذي كلفني سنة من عمري الا انها كانت السنة الأغلى والأجمل والاروع في حياتي فقد تحولت بعدها شخصا اخر جعلني أدرك ان التفوق والتميز ليس أمرا صعبا
وسلاااااااااااااااااااااااااااااامتكم
✍️ د.مسفر بن ناصر القحطاني
ولمن أحب أن يقرأ معالجة أدبية لهذه الحكاية، .. يمكنه قراءة المقال الكامل هنا .
فبعض الكلمات حين تُكتب بمحبة .. تتحول من مجرد حكاية إلى أثرٍ لا يُنسى .
أثر لاينسى
جدة
الجمعة ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧
٢٩ مايو ٢٠٢٦


أجد نفسي في حيرة حقيقية أمام هذا الإبداع المتكامل، دمت أيقونة للجمال، ودام نبض فكرك وقلمك.
أسعد الله قلبك أستاذتي مها 🤍
و تولاه بخير ما عنده سبحانه .