● ذكرياتي 🕊

screenshot ٢٠٢٦٠٥٢٩ ٠٩١١٢٣ gallery

سأحكي لكم قصتي مع المعلم الملهم السوداني الأستاذ حسن عبدالكريم

والله العظيم لو كان حيا وقابلته لقبلت جبينه

: كاني سمعت انه توفي من سنوات

رحمك الله أيها المعلم النبيل

وجدت صورته صدفة ويبدو انه في أول وصوله للمملكة مع جيل قديم من الطلاب

img 20260527 wa0454


عندما انتقلت من قريتي الصغيرة إلى مدينة مجاورة كان لهذا الانتقال رهبة في نفوسنا كصغار

  من مبنى حكومي عربي قديم يتطاير الغبار من أرضية الصف إلى مبنى أرامكو تصميم ألماني يثير الدهشة مبنى غاية في الفخامة في ممراته وغرفه ومقصفه وكل شيء

في الصف الأول المتوسط كان يدرسنا في اللغة العربية معلم مصري شاب صغير اسمه الأستاذ عاطف يبدو أنه حديث تخرج أو في سنواته المبكرة في عالم التدريس وكان شخصا غاية في اللطف يحبنا ونحبه

اما في  السنة التي تليها فكان الأستاذ فوزي فلسطيني الجنسية وكنت اقرا في قسمات وجهه وعينيه تعب السنين وألم الغربة وكان متقدما في السن أو هكذا خيل الي

اما الصف الثالث فكان المعلم فيه الأستاذ حسن عبدالكريم المعلم السوداني الطيب الحبيب وكان في الوقت نفسه امينا على مكتبة المدرسة والمسؤول عن استعارة الكتب

  ومع هذا الرجل حصلت على أول تكريم لي في حياتي كطالب فعندما دخلت المكتبة ناداني وقال لي لقد رشحتك كأفضل شخص يرتاد المكتبة وسيتم تكريمك مع الطلاب المتفوقين خلال الحفل السنوي للمدرسة والذي يجتمع فيه الجميع في قاعة واحدة طلابا ومعلمين

  كان التكريم الأول لي في حياتي فلم أكن قد كرمت من قبل ثم كيف يتم تكريمي وليس في صفحتي التعليمة ما يشفع لي فلست متفوقا علميا ولست من اهل المهارات والمشاركات الرياضية ولا املك اي موهبة تشفع لي ولو بجائزة قلم رصاص

والعجيب أنني عندما كنت أزور المكتبة لم تكن لي اي رغبة في القراءة سوى قراءة الصفحات الرياضية فقط ولعل الأستاذ حسن عندما يراني أزور المكتبة يوميا أنني اقرا للرافعي والمنفلوطي وطه حسين واحمد امين

كنت انتهي من افطاري سريعا والمكون من حبتين ساندوتش مع بيضة وجبنة ومشروب عادة مايكون بيبسي اقوم بفتح حبات الساندوتش ثم حشو إحداهما بالبيضة والأخرى بجبنة المثلث ثم اركض للمكتبة

طبعا من غير طماط ولا شطة ولا اي شيء اخر

جاء يوم الحفل وتمت مناداة أصحاب التفوق والتميز وهؤلاء ليس لي بهم علاقة لا من قريب ولا من بعيد

ثم صدح مقدم الحفل باسمي وحصولي على جائزة أفضل مرتاد للمكتبة وذهبت وصافحت مدير المدرسة الذي كنت اقرا في عينيه الكثير من المودة تجاهي وسلمني جائزتي وكان عبارة عن ألبوم لحفظ الصور قيمته اتوقع لا تزيد عن خمسة ريالات لكنه كان في نظري أعظم من قيمة سيارة في الوقت الحالي كان سعادتي به لاتوصف اتصفح كل وقتي صفحاته الخالية كل يوم لكوني لا أملك اي صورة لشخصي الكريم حتى اضعها فيه وأظن أنه تآكل وتفتت وتناثر صفحاته بسبب انه جاء عند شخص لا يملك مايستحق ان يضعه في صفحاته

خلوني أعود للأستاذ حسن والذي كنت أعجب من نظره إلى سقف غرفة الصف طوال الوقت ولا اذكر انه نظر الينا كطلاب وهو يشرح درسه والعجيب ان ينبه الطلاب المشاغبين ويطلب منهم الانتباه للدرس مع انه لا ينظر إلى أحد ابدا… لغز عجزت عن فكه وحله حتى هذه الساعة بل الأكثر عجبا انه ينظر إلى الأعلى وهو يمشى حتى في ممرات المدرسة

هذا المعلم الملهم امسك بيدي يوما وقال لي انت عبقري لكنك ستضيع نفسك.. وقتها لم أفهم معنى عبقري كما لم أفهم ما يقصده من اني ساضيع نفسي لكن الأيام أخبرتني كيف ضاعت سنة من عمري وبقي نصف القصة الآخر كيف يمكن أن أكون عبقريا؟ ولكونه لم يتحقق قررت أن تكون رسالة الدكتوراه عن العبقرية أو معنى مقارب لها فكانت عن الإبداع… على الاقل العوض ولا القطيعة.

يوما سأتكلم في سيرتي الذاتية عن ذلك الضياع والذي كلفني سنة من عمري الا انها كانت السنة الأغلى والأجمل والاروع في حياتي فقد تحولت بعدها شخصا اخر جعلني أدرك ان التفوق والتميز ليس أمرا صعبا

وسلاااااااااااااااااااااااااااااامتكم

✍️ د.مسفر بن ناصر القحطاني

ولمن أحب أن يقرأ معالجة أدبية لهذه الحكاية، .. يمكنه قراءة المقال الكامل هنا .
فبعض الكلمات حين تُكتب بمحبة .. تتحول من مجرد حكاية إلى أثرٍ لا يُنسى .

أثر لاينسى
جدة
الجمعة ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧
٢٩ مايو 
٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

2 لا يوجد تعليقات

  1. مها عبدالله الشهري

    أجد نفسي في حيرة حقيقية أمام هذا الإبداع المتكامل، دمت أيقونة للجمال، ودام نبض فكرك وقلمك.

    1. أسعد الله قلبك أستاذتي مها 🤍
      و تولاه بخير ما عنده سبحانه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *