في لحظة تأمل هادئة وهو في الكويت لإنجاز بعض أعماله الخاصة .. وفي زرقة السماء التي تمتد بهدوء فوق كل شيء كأنها مساحة صافية للتفكير .. فتح د. مسفر القحطاني نافذة الذاكرة على الماضي .. لا ليحكي قصة عابرة .. بل ليعيد ترتيب معنى “الأثر” في حياة الإنسان .

ومن هناك، ومن هذه المسافة بين الحاضر والماضي، بدأت الرحلة تعود إلى بدايتها الأولى .. إلى طفل صغير انتقل من قريته إلى مدينة مختلفة تمامًا .. مدينة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالًا في الإدراك والوعي .
من مبنى حكومي قديم تتطاير منه البساطة والغبار .. إلى مبنى حديث بتصميم أرامكو المهيب .. كان الطفل يتعلم أن العالم أكبر مما كان يراه .
وفي كل مرحلة دراسية، لم تكن الحياة تخلو من وجوهٍ صنعت الفارق بصمت جميل .
معلم مصري شاب يزرع الألفة في الصف الأول .. ومعلم فلسطيني وقور يحمل تعب الغربة وملامح التجربة .. ثم يأتي المعلم الثالث الذي بقي أثره ممتدًا إلى اليوم .
🎙️ الأستاذ حسن عبدالكريم .. المعلم السوداني الذي كان مسؤولًا عن المكتبة .

لم يكن مجرد معلم لغة عربية .. بل كان عينًا ترى ما لا يُقال .
طالب لا يرفع صوته .. لا يتصدر المشهد .. لكنه حاضر بطريقة مختلفة .
ثم جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء .
رشّحه كأفضل مرتاد للمكتبة .. طالب لا يملك سجل تفوق دراسي ولا رياضي ولا نشاطات لافتة .. لكنه فجأة يُكرَّم .
وكأن الحياة قالت له بهدوء ..
ليس كل أثر يُقاس بما تفعل .. بل أحيانًا بما يُرى فيك .
وكانت المفارقة أن الجائزة لم تكن في قيمتها المادية .. بل في معناها .
ألبوم صور صغير بلا صور .. لكنه كان أول مساحة يُقال له فيها .. أنت مهم .
ثم جاءت اللحظة الأعمق ..
المعلم الذي كان ينظر إلى الأعلى دائمًا حتى وهو يمشي أو يشرح .. سلوك ظل غامضًا لسنوات .
ثم خرجت الجملة التي لم تكن درسًا في اللغة .. بل درسًا في الحياة .
🎙️ “أنت عبقري .. لكنك ستضيع نفسك .”
جملة قصيرة .. لكنها فعلت ما لا تفعله محاضرات طويلة .
لم تُفهم يومها .. لكنها نضجت مع الزمن .
حتى صارت علامة فارقة في مسار حياة كاملة .
لم تكن مفهومة وقتها .. لكنها كانت أكبر من فهم اللحظة. كانت تشبه بذرة .. نمت لاحقًا في شكل مسار علمي .. حتى وصلت إلى رسالة دكتوراه تبحث في الإبداع والعبقرية .
ومن تلك اللحظة وُلد سؤال .. ومن السؤال وُلد مسار .. ومن المسار تشكلت رحلة فكرية طويلة انتهت إلى دراسة الإبداع والعبقرية .. وكأن كلمة عابرة كانت تفتح بابًا لم يكن مرئيًا وقتها .
وفي لحظة أعمق من التأمل .. يتضح أن التعليم ليس نقل معرفة فقط .. بل زرع أثر قد يستيقظ بعد سنوات طويلة في قرار أو فكرة أو مصير كامل .
وبينما يعود المشهد إلى الكويت مرة أخرى .. يبدو أن المسافة لم تعد جغرافيا فقط .. بل مساحة لفهم أعمق للذاكرة والمعنى .

ولأن الحياة لا تخلو من لمسة ابتسامة .. قد يبدو المشهد كله جادًا اليوم .. لكن الحقيقة أن كل هذا بدأ من طالب كان يركض كل صباح إلى المكتبة وهو يحمل “ساندويتشين” بلا طماطم ولا شطة .. ويظن أن العالم كله يبدأ هناك .
قد تبدو القصة عن معلم واحد .. لكنها في حقيقتها أوسع من ذلك بكثير .
هي عن عين رأت طالبًا مختلفًا .. وعن كلمة خرجت في لحظة صادقة .. وعن أثر ظل يعمل في الخلفية حتى غيّر مسار حياة كاملة .
وهكذا .. بين الكويت وبدايات الطفولة .. يتشكل المعنى من جديد .. بهدوء .. وعمق .. وبأثر لاينسى .
ولمن أراد أن يقرأ الحكاية كاملة كما كتبها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني
بأسلوبه العفوي وتدفقه الجميل دون أي تحرير أو تدخل .. فهنا النص الأصلي بصوته الإنساني الدافئ كما خرج أول مرة ..
فبعض الحكايات لا تُروى فقط .. بل تُسمع بروح صاحبها .
أثر لاينسى
جدة
الجمعة ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧
٢٩ مايو ٢٠٢٦


حينما أقف أمام ما تصنعه، تتزاحم في مخيلتي نوافذ الجمال؛ فأحتار حقاً أين يكمن السر؟
أهو في سحر الصور التعبيرية الآسرة، أم في دقة الكلمات المنتقاة بعناية، أم في ذلك الترابط الاحترافي الذي ينسج الأحداث ببراعة؟
كثيراً ما أجد نفسي مدفوعة لإعادة قراءة المقال مراراً وتكراراً، رغبةً في إدراك سر هذا التميز الاستثنائي.
حقيقةً.. أنتِ أيقونة تتجسد جمالاً، ودام نبض قلمكِ المبدع.
أستاذتي مها 🌷
شكرًا لك .. وأسأل الله أن يبارك حضوركِ الذي يترك الأثر الجميل أينما حلّ .