التسويق الذي سقط في العلن 🎭

screenshot ٢٠٢٦٠٥١٨ ٠٣٣٤١٠ gallery

حين يتحول التسويق إلى فخ ..  وحين تتكلم الجودة وحدها ..
تزامنًا مع معرض الدوحة الدولي للكتاب .. وبين أروقة المعرفة التي تتنفس الحبر والفكر والجمال .. كانت الأستاذة والكاتبة المتألقة أمينة محمد المحمود تهدي الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني باكورة جهدها الأدبي : كتاب
«مواقف لا تُنسى» .. وكأن المشهد كله كان يهيئ لولادة حكاية أخرى من الحكايات التي لا تُنسى فعلًا ..
لكن القصة هذه المرة .. لم تبدأ من كتاب .. بل من إصرارٍ طفولي جميل حملته الأستاذة القائدة سارة الحربي .. تلك الشغوفة التي تملك روحًا تركض بدهشة الأطفال .. وعقليةً تطمح كالكبار .. أصرت أن يُعاد سرد أحد المواقف القديمة للدكتور مسفر داخل قروب “مدربات مبدعات” .. رغم أنه ذُكر سابقًا .. ورغم أنه مكتوب أصلًا في كتاب «حكاياتي مع التدريب» ..
وكأنها كانت تدرك بحدس القادة الحقيقيين .. أن بعض المواقف لا تُعاد لأن الناس نسيتها .. بل لأنها لا تزال صالحة لتعليم أجيال جديدة كاملة .
وهكذا عاد الموقف للحياة مرة أخرى ..
لا بوصفه حكاية تدريبية مؤقتة .. بل بوصفه درسًا مذهلًا في: التسويق .. والوعي .. والاحتراف .. واحترام الجمهور .. وفهم الإنسان .
ومن أجمل ما في القصة .. أنها وقعت في زمن كان يُعد من أكثر الأزمنة ازدهارًا لبرامج “تدريب المدربين” في الخليج والوطن العربي .. حيث اجتمع في ذلك البرنامج عدد من الأسماء اللامعة : الأستاذ ياسر الحزيمي .. والدكتور سعيد العسيري .. والأستاذ يوسف بو خضر .. والأستاذ محمد عاشور .. مع الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
كان البرنامج حافلًا بالنخب .. دكاترة .. مشرفون .. معلمات .. قيادات .. أشخاص حضروا ليصقلوا أدواتهم فعلًا .. لا ليستهلكوا وقتًا عابرًا .
وفي خضم هذا الوهج التدريبي .. ظهر ذلك الموقف الذي تحوّل لاحقًا إلى درس خالد في “التسويق الرديء” .
أحد مساعدي المدربين أراد أن يقدّم نفسه للجمهور بسرعة خاطفة .. اختار أقصر الطرق .. وظن أن بإمكانه أن يمرر إعلانًا مقنعًا داخل برنامج لا علاقة له بما يريد تسويقه .
جاء بعنوان “لغة الجسد” .. لكنه في الحقيقة كان يريد جرّ الجمهور نحو برامج الحياة الزوجية .
لأن الجمهور لا يبحث عن استعراض رغبات المدرب .. بل عن قيمة تشبه احتياجه .
وهنا كانت الكارثة .
لأن المتدرب الحقيقي ليس ساذجًا كما يظن البعض .. والجمهور الواعي يملك حسًا يلتقط الصدق من الزيف بسرعة مذهلة .
لم يكن الخطأ أنه أراد التسويق لنفسه .. فالإنسان من حقه أن يعرّف بقدراته .. لكن الخطأ أنه حاول القفز فوق وعي الحضور .. وحاول أن يختصر الطريق بالخداع الناعم .
وهنا تظهر واحدة من أعظم قواعد التسويق الحقيقي:
الناس لا تكره أن تبيع .. لكنها تكره أن تُستغفل .
ولذلك انهار الرجل سريعًا .. ليس لأنه سيئ بالضرورة .. بل لأنه دخل من الباب الخطأ .
فالناس قد تصفق مجاملة .. لكنها لا تمنح ثقتها بسهولة .
لم يحضّر جيدًا .. لم يحترم عنوان الفقرة .. لم يفهم طبيعة الجمهور .. ولم يدرك أن التسويق الناجح لا يبدأ من الكلام عن نفسك .. بل من جودة ما تقدمه .
وهنا جاءت العبارة الذهبية التي تستحق أن تُكتب بماء الوعي:
“سوّق لنفسك بجودة البرنامج الذي تقدمه .”
يا لها من قاعدة تختصر مجلدات كاملة في التسويق والتدريب والحياة .
فالمدرب الحقيقي لا يحتاج أن يقول للناس: أنا مبدع .. أنا خرافي .. أنا مختلف ..
لأن الجودة حين تكون حقيقية .. تتكلم وحدها .
وهناك فرق هائل بين من يصنع أثرًا .. ومن يصطاد الانتباه ..
وهذا ما يفعله الكبار دائمًا .
إنهم لا يطاردون الضوء .. بل يصنعونه .
ولعل أجمل ما في موقف الدكتور مسفر .. أنه لم يحطم الرجل .. ولم يسخر منه .. ولم يحوله إلى مادة للتقليل ..
بل مارس أعلى درجات الاحتراف الإنساني .
ناقش الخطأ .. وشرح الفكرة .. وحافظ على كرامة الشخص .
وهنا الفرق بين “من ينتصر على الناس” .. و”من يربي الناس” .
فالقائد الحقيقي لا يبحث عن كسر الآخرين .. بل عن إنقاذهم من أخطائهم قبل أن تبتلعهم .
كما أن الموقف كشف حقيقة خطيرة جدًا في عالم التدريب والتسويق :
أن الطريق المختصر غالبًا .. هو أطول الطرق نحو السقوط .
فالنجاح المهني الحقيقي لا يُبنى بالقفز .. ولا بالاستعراض .. ولا بالتسلل الذكي داخل عناوين لا تشبهك ..
بل يُبنى بالتراكم .. والإتقان .. والصدق .. واحترام عقل المتلقي .
ومن أعظم ما قيل في ذلك اللقاء .. أن المدرب الناجح لا يحتاج أن يمدح نفسه .. لأن جمهوره سيفعل ذلك عنه حين يخرج ممتلئًا بالقيمة .
وهنا فقط نفهم لماذا تبقى بعض الأسماء سنوات طويلة في الذاكرة .. بينما تختفي أسماء أخرى بسرعة البرق رغم كل الضجيج .
لأن البقاء لا تصنعه الحيلة .. بل تصنعه القيمة .

ولعل الأجمل في كل هذا .. أن الموقف لم يكن مجرد قصة قديمة أعيدت في قروب ..
بل كان درسًا حيًا لكل مدرب .. وكل قائد .. وكل صانع محتوى .. وكل إنسان يحاول أن يجد مكانه في هذا العالم المزدحم .
درس يقول ببساطة عميقة:
لا تدخل قلوب الناس بالحيل .. ادخلها بالإتقان .
ولا تحاول أن تبدو كبيرًا .. بل كن حقيقيًا فقط ..
فالحقيقة وحدها .. تملك القدرة على البقاء  .
وفي غُرّةِ أيامٍ عظيمةٍ أقسم الله بها ..
أيامٍ تُراجع فيها الأرواح نواياها .. وتعيد القلوب ترتيب صدقها مع الله ثم مع الناس ..
أسأل الله أن يرزقنا وإياكم أعمالًا صادقة .. لا تحتاج إلى استعراض كي تُرى .. ولا إلى تكلّفٍ كي تُقبَل ..
وأن يبلغنا يوم عرفة بلوغًا يليق بالرجاء .. ويكتب لنا فيه من القبول أكثر مما تمنّت أرواحنا .
مباركة عليكم عشر ذي الحجة ..
بكل ما فيها من نور ورحمة واتساع أمل  ..
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


ولمن أراد أن يرى الموقف بعينٍ أخرى .. كما كُتب أول مرة بلا تأويل ولا إعادة صياغة .. فليترك هذا النص خلفه لحظة .. وليعبر إلى حيث تبدأ الحكاية من مصدرها الأول
..

أثر لاينسى
جدة
الأثنين غرة ذو الحجة ١٤٤٧
١٨ مايو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *