● جزيرة مهجورة .. ماذا ستأخذ معك ؟

gemini generated image lfz3l3lfz3l3lfz3


أحيانًا .. نقع على مقالٍ دون موعد .. فنقرأه على عجل ..  ثم لا يتركنا .
هذا ما حدث معي تمامًا ..  قرأتُ مقالًا بعنوان : ” كتبك في جزيرة مهجورة !” للكاتب أحمد بن عبدالمحسن العسّاف رعاه الله ..  وقد استوقفني منذ اللحظة الأولى .. ليس لأنه يتحدث عن الكتب فحسب .. بل لأنه طرح سؤالًا بسيطًا في ظاهره .. عميقًا في أثره .
شدّني عنوانه أولًا ..  ثم أخذني سطرًا بعد سطر .. حتى وجدتني أتوقف لا لأكمل القراءة .. بل لأفكر .

لو كنت وحدك في جزيرة مهجورة ..  ماذا ستأخذ معك من كتب ؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا ..  لكنه في الحقيقة يكشفنا .. يكشف ما نحب ..  وما نحتاج .. وما لا نستطيع العيش بدونه .

بل هو سؤال أعمق مما نظن ..  يكشف ذائقتنا الحقيقية ..  ويعرّي اختياراتنا بعيدًا عن المجاملة ..
ويضعنا أمام أنفسنا :
ما الذي يستحق أن يبقى معنا .. حين يهدأ كل شيء ؟

بدأ الكاتب حديثه بلمسة واقعية قريبة من القلب .. حين تحدث عن كثرة اللقاءات الاجتماعية .. وجمالها من جهة .. وخطورتها حين تسرق أعمارنا من جهة أخرى .

هنا شعرت أن المقال لا يريد أن يبعدنا عن الناس .. بل يريد أن يُعيد ترتيب أولوياتنا .. أن نكون حاضرين بوعي .. لا مجرد عابرين بين المجالس .

وفي هذا المعنى رسالة عميقة .. لا تتعلق بالمجالس فقط ..  بل بالحياة كلها : أن نُحسن إدارة وقتنا ..  وأن نعتدل في علاقاتنا ..  وأن نختار ما يغذّي أرواحنا وعقولنا .

وكأن المقال يهمس لنا :
ليس كل جميل يُكثر منه ..  فالإكثار قد يُفسد جماله .
وهذا معنى تربوي عظيم .. بل يمكن القول إنه سؤال تربوي ذكي جدًا .. يصلح أن يُطرح حتى على الأبناء والطالبات .. لأنه لا يختبر المعرفة فقط .. بل يكشف الوعي والاختيار .

ثم انتقل بنا إلى تلك الفكرة الذكية التي اعتاد طرحها في جلساته : ماذا قرأتم ؟
سؤال بسيط  ..  عادي  ..  لكنه يوقظ في النفس شيئًا جميلًا ..  يحفّز .. ويذكّر .. ويجعل للقراءة حضورًا في حياتنا اليومية .. لا مجرد رفٍ صامت .

لكن الذروة الحقيقية في المقال كانت في ذلك التحول اللطيف :
من سؤال عن ” ما قرأت ؟”
إلى سؤال : ” ماذا ستأخذ معك لو كنت وحدك ؟”
وهنا ..  يبدأ الإنسان بالتفكير بصدق .

ما لفتني في إجابات المشاركين .. كما نقلها الكاتب .. هو ميلها الواضح نحو الكتب التي تُبقي الإنسان حيًّا من الداخل :
كتب تقرّبه من الله سبحانه وتعالى
كتب تعرّفه برسوله محمد صلى الله عليه وسلم
كتب تحفظ لغته وهويته
كتب تمنحه عمقًا ثابتًا لايزول 
وهذا الاختيار لم يكن عاديًا  ..
بل يدل على جذور علمية أصيلة ..
ووعي بما يُبقي الإنسان ثابتًا حين تتغير الظروف .

ومع ذلك ..  بدا واضحًا أن الاختيارات تميل إلى الطابع المحافظ التقليدي ..  ولا تتجه كثيرًا نحو الكتب الحديثة أو التجارب الإنسانية المعاصرة ..  وهذا ليس نقصًا .. بل اتجاه يعكس هوية وذائقة محددة .

وكأن الإنسان .. حين يُجرّد من ضجيج الحياة ..  يعود إلى أصله ..  إلى ما يغذّي روحه حقًا .
لم تكن الاختيارات عشوائية .. بل كانت تشبه اعترافات صامتة :
هذا ما نحتاجه حين نكون وحدنا ..
هذا ما يواسينا ..
وهذا ما يُبقينا ثابتين .

المقال ..  في ظاهره عن الكتب .. لكنه في حقيقته عنّا نحن .
عن وقتنا الذي يمضي سريعًا ..
وعن اختياراتنا التي تصنعنا ..
وعن تلك اللحظات التي نحتاج فيها إلى شيء يبقى ..  حين يهدأ كل شيء .

نحن الذين نعيش بين الناس ..  لكننا أحيانًا نكون أكثر وحدة من تلك الجزيرة .
نحن الذين نملك الوقت .. لكننا لا ننتبه كيف يتسلل من بين أيدينا .
نحن الذين نستطيع أن نقرأ ..  لكننا نؤجل .

ومن أجمل ما ختم به الكاتب فكرته .. تلك الهدية الهادئة :
عشر دقائق يوميًا ..  تكفي لتغيير علاقتك بالقراءة .
فكرة بسيطة ..  لكنها عميقة الأثر .
ليست الكثرة هي السر .. بل الاستمرار .

أما أسلوب الكاتب ..  فهو فصيح جميل .. فيه نَفَس أدبي واضح .. يشبه كتب التراث ..  وهذا ما يمنحه نكهته الخاصة .. ويجعله قريبًا من محبّي هذا اللون من الكتابة .

خرجتُ من المقال وأنا لا أفكر في الجزيرة .. بل في نفسي .
ماذا أقرأ ؟ وماذا أؤجل ؟ وما الذي يستحق أن يكون قريبًا مني ..  كل هذا القرب ؟

في النهاية ..  ربما لا نذهب إلى جزيرة مهجورة .. لكننا جميعًا سنمرّ بلحظات نحتاج فيها إلى كتابٍ يواسينا ..  أو فكرةٍ تُنقذنا .. أو معنى يُعيد ترتيب أرواحنا .

وهنا يظهر السؤال الحقيقي :
ما الذي اخترته ليكون معك .. حين تحتاجه حقًا ؟
لعل الإجابة تبدأ من اليوم ..
من كتاب صغير ..
ومن عشر دقائق صادقة ..
قد تغيّر أشياء كثيرة في الداخل ..
دون أن يشعر بك أحد .

ولمن أراد أن يقرأ المقال الذي ألهم هذه الكلمات ..  ويعيش فكرته من منبعها  :



أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ٢٦ شوال ١٤٤٧
١٤ ابريل ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *