هناك رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بالمناصب ولا بالألقاب .. بل بما يتركونه في القلوب من أثرٍ نقيّ .. وما يغرسونه في الأرواح من احترامٍ وطمأنينة .. ومن هؤلاء الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. الذي لا يمرّ حضوره مرورًا عاديًا .. بل يترك خلفه أثرًا يشبه الضوء .. هادئًا .. لكنه لا يُنسى .
بعض الشخصيات تُعرَف بالعلم .. وبعضها بالأخلاق .. والقليل جدًا يجمع بين الهيبة الإنسانية .. والعلم .. والرقي .. وصدق الأثر .. والدكتور مسفر أحد أولئك القلائل الذين إذا حضروا حضر معهم الوقار .. وإذا تحدثوا أنصتت القلوب قبل الآذان .
ولأن العين لا تعلو على الحاجب .. فإن الحديث عن شخصية لها هذا الحضور ليس حديثًا عن إنجازات تُعدّ .. ولا عن كلمات تُقال على سبيل المجاملة .. بل عن أثرٍ حقيقي يراه الناس في تفاصيل التعامل .. وفي رقيّ الحوار .. وفي احترام الإنسان قبل أي شيء آخر .
في وقتٍ ازدحمت فيه المشاهد والكلمات .. يبقى للصادقين أثر مختلف .. هناك من يلفت الانتباه بالمظاهر .. وهناك من يفرض احترامه بهدوئه واتزانه .. والدكتور مسفر من أولئك الذين لا يحتاجون إلى استعراض .. لأن أخلاقهم تتحدث عنهم .. وسيرتهم تمضي أمامهم بمحبة الناس ودعواتهم الصادقة .. وربما لهذا السبب يحبه الناس .. لأن الأرواح الصادقة تُشبه الضوء .. لا تحتاج أن تُعلن عن نفسها كي يراها الجميع .
وحين يتأمل الإنسان الشخصيات المؤثرة بحق .. يكتشف أن سرّ القبول لا يكمن في كثرة العلم وحده .. بل في الطريقة التي يُحمل بها هذا العلم .. بتواضع .. ورحمة .. واحترام .. وإنصاف .. وإدراك أن الكلمة أمانة .. وأن الأثر قد يبقى في قلب إنسان سنوات طويلة .. وهذه القيم تحديدًا هي ما تجعل البعض قريبين من الناس مهما علت مكانتهم .
لقد علّمنا أصحاب النفوس الراقية أن الإنسان الحقيقي لا يُعرف فقط بما يقول .. بل بما يتركه خلفه من شعور جميل .. أن تدخل مجلسًا فيطمئن الناس لحضورك .. وأن تختلف دون أن تُسيء .. وأن ترتفع دون أن تتكبر .. وأن تكون صاحب علم دون أن تُشعر الآخرين بصِغَرهم .. تلك منزلة لا يصل إليها إلا النبلاء .
ولعل أجمل ما في الشخصيات الأصيلة أنها تمنح من حولها درسًا صامتًا في الأخلاق دون أن تتحدث عنها كثيرًا .. فهناك بشر إذا مرّوا مرّوا بخفة .. وهناك من يمرّون تاركين خلفهم أثرًا يشبه الدعاء الجميل .
الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ليس مجرد اسم أكاديمي أو حضور إعلامي .. بل قيمة إنسانية تجعل من يعرفه .. أو حتى يقرأ له .. يشعر أن الأخلاق الرفيعة ما زالت بخير .. وأن الاحترام لا يزال قادرًا على صناعة الهيبة الحقيقية .
وحين ننتهي من الحديث عن هذه النماذج المضيئة .. يبقى سؤال واحد يتردد في القلب قبل العقل :
كم واحدًا مثل هذا الإنسان .. استطاع أن يجمع بين العلم .. والأخلاق .. والهيبة .. وبساطة الروح في آنٍ واحد ؟
اثر لاينسى
جدة
الأحد ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧
١٧ مايو ٢٠٢٦
العين لا تعلو على الحاجب 🌿

